مقدمـــــة

عرفت المنظومة القانونية المغربية في السنوات الأخيرة العديد من الإصلاحات و التعديلات التي أدخلت على نصوصها ، بهدف جعلها مواكبة و مستوعبة للتحولات الهيكلة العميقة التي عرفها المجتمع المغربي على جميع المستويات ، و ملائمة مع المواثيق و الاتفاقيات الدولية التي وقع و صادق عليها المغرب و التزم دستوريا باحترامها .

و في سياق هذه الاعتبارات الوطنية و الدولية صدر قانون 03-70 بمثابة مدونة الأسرة ، الذي عرف قبل ميلاده مخاضا عسيرا بدأ أساسا بإعلان خطة إدمـاج المرأة في التنمية و ما ترتب عنه من ردود فعل متباينـة تتراوح بين التأييد و الرفض ، و انتهى بتعيين جلالة الملك للجنة استشارية كلفت بمراجعة مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية ، مما جعل من مدونة الأسرة حسب العديـد من الباحثيـن و المهتمين القانونيين و الحقوقيين وطنيا و دوليا ، حدثا قانونيا و حقوقيا تاريخيا ببلادنا ، بالنظر للإصلاحات الهامة التي تضمنتها مقتضياتها ، و التي حرص المشرع من خلالها على تنظيم الروابط الأسرية وفق ما يقتضيه حماية الأسرة و ضمان استقرارها و استمراريتها ، انطلاقا من كفالة حقوق جميع أفرادها كما يدل على ذلك الشعار الذي صدرت في ظله و المتمثل في : » حماية المرأة ، صيانة كرامة الرجـل ، احترام حقوق الطفـل « .

و لعل من المستجدات الهامة التي جاءت بها مدونة الأسرة ، تنظيمها للقواعد الشكل إلى جانب قواعد الموضوع ، خاصة في المسائل المرتبطة بالزواج و انحلالـه ، حيث أصبحت خاضعة لإشراف و رقابة القضاء في إطار ما يمكن أن يصطلح عليه بالبعد القضائي لمدونة الأسرة (  La judiciarisation du code de la famille )  كما يتجلى ذلك بوضوح في أحكام التطليق ، حيث عمد المشرع من خلال المدونة إلى التوسيع من أسبابه ، بإضافة سبب جديد لم يكن موجودا في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، و يتعلق الأمر بالشقاق كما تنص على ذلك المواد من 94

 

1

إلى 97 المعنونة  " بالتطليق بطلب من أحد الزوجين بسبب الشقاق " ، ذلك أنه في حالة وجود نزاع بين الزوجين يخشى منه الشقاق يمكن لهما أو لأحدهما اللجوء إلى القضاء لطلب حله ، وفق المسطرة المنصوص عليها في المواد المشار إليها و التي يطلق عليها طبق للمدونة بمسطرة الشقاق .

أهمية الموضوع و دوافع اختياره

تعتبر مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المدونة مسطرة خاصة ذات بعد وقائي و علاجي الهدف منها تسوية و تصفية النزاعات الزوجية ،حيث خول المشرع من خلالها للزوجين أو أحدهما إمكانية أخذ مبادرة اللجوء إلى القضاء ، لطلب حل كل نزاع قائم بينهما يخاف أن يتطور و يصبح شقاقا يتعذر معه إيجاد حل له غير الحكم بينهما بالتفريق عن طريق التطليق ، بناء على الأسباب المبررة لذلك ، كما خول للمحكمة بمقتضى النص القانوني سلطة الإثـارة التقائية لتطبيق مسطرة الشقـاق ، كحل للخلاف القائم بين الزوجين حول مسألة التعدد

لذلك فان التنصيص و الإحالة عليها يعتبر من المكاسب الهامة التي جاءت بها مدونة الأسرة ، حيث حافظ المشرع من خلالها على الثوابت المؤسسة للمرجعية الإسلامية ، كما جعل من تماسك الأسرة المغربية و استقرارها الهدف الأسمى من سنها ، خاصة عندما جعل تطبيقها يخضع لرقابة إشراف قضاء الأسرة ، الذي يعتبر جهازا قضائيا جديدا في التنظيم القضاء المغربي .

فعندما يلجأ الزوجين أو أحدهما إلى المحكمة لحل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق يتعين على المحكمة المختصة و كما يستفاد ذلك من النصوص القانونية المنظمة لهذه المسطرة ، السعي أقصى ما يمكن لإنقاذ العلاقة الزوجية من الانحلال ، من خلال القيام بكل الإجراءات الضرورية لاستقصاء أسباب النزاع و محاولة بصلاح ذات البين بين الزوجين المتخاصمين ، بما في ذلك الاستماع إلى الشهود ، و انتداب الحكمين ، و تعيين مجلس العائلة ، و غير ذلك مما تـرى فيه فائـدة في هذا الشـأن ، انسجاما مع المنهج الإسلامـي المتكامـل بخصوص تسويـة النزاعـات

 

2

 

الزوجيـة ، مصداقا لقولـه تعالـى : ) و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما م أهله و حكما من أهلها ، إن يريدا إصلاحـا يوفـق لله بينهما ، إن الله كان عليما خبيـر ( (1) و قوله عز وجل :) فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا و الصلح خيـر ( (2)  و قوله سبحانه ) فاتقوا الله و أصلحوا ذات بينكم ( (3)  .

فالتطليق طبقا لمدونة الأسرة أصبح حلا استثنائيا للخلافات الزوجية ، حيث لا يجوز للقضاء اللجوء إليه إلا بعد استنفاذ كل الإجراءات المشار إليها ، و ذلك في حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين ، لما في ذلك من تفكيك للأسرة و الإضرار بالأطفال ( المادة 70 ) .

من هـذا المنطلـق فـان موضوع " مسطرة الشقاق في ضوء مدونة الأسرة و العمل القضائي " يكتسي أهمية بالغة من الناحيتين النظرية و العملية ، فأهميته النظرية تكمن في الحمولة القانونية للمقتضيات المنظمة لهذه المسطرة ، و بذلك فهي تحتاج إلى دراستها و تحليلها قصد استجلاء الغموض عنها من خلال إبراز إيجابياتها و سلبياتها ، خاصة و أنها تعتبر من مستجدات مدونة الأسرة ، أما أهميتها العملية فترجع إلى كون المشرع أسند تطبيقها لقضاء الأسرة ، مما يبرر الحاجة إلى مقاربة كيفية تعامله معها على مستوى الممارسة القضائية .

الإشكاليـــة التي يثيرهـــا الموضوع

    باستقرائنا للمقتضيات المنظمة لمسطرة الشقاق ( المواد 94-97 ) و تلك التي تحيل عليها ( المواد 45-100-120-124 ) يتضح جليا أن الإشكالية الأساسية التي يثيرها  التطبيق القضائي لمسطرة الشقاق تتمثل في مدى التوفيق بين هاجس الحفاظ على استقرار الأسرة و الاستجابة لحق طلب التطليق بما يقتضيه ذلك من حماية حقوق جميع أفرادها ، بحيث تتفرع عن هذه الإشكالية التساؤلات التالية :

ــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء الآية : 35 .

(2) سورة النساء الآية : 127 .

(3) سورة الأنفال الآية : 01 .

3

 

 

-         ما المقصود بالشقاق الذي يعطي للزوجين حق طلب التطليق ؟

-         ما هي الحالات التي يحق فيها اللجوء إلى مسطرة الشقاق ؟

-         كيف يتعامل قضاء الأسرة مع طلبات تطبيق مسطرة الشقاق ؟

-   إلى أي حد يمكن لقضاء الأسرة ضمان احترام الحقوق موضوع الحماية عند تفعيله لمسطرة الشقاق ؟

خطـــــة البحـــــث

 نظرا لكون مسطرة الشقاق ترمي إلى معالجة الصعوبات التي تواجهها الحياة الزوجية ، فان معالجتها في ضوء مدونة الأسرة و العمل القضائي تقتضي اعتماد اختيار منهجي على مستوى التحليل من خلال التعرض في القسم الأول إلى تسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق ، حيث أبرزنا فيه الضوابط و الإجراءات القانونية الواجب مراعاتها من طرف القضاء في هذا الإطار ، أما القسم الثاني فقد خصصناه للحديث عن الآثار المترتبة عن تصفية تلك النزاعات من خلال ضرورة حرص القضاء على حماية الحقوق موضوع الحماية في مسطرة الشقاق .

و بذلك يكون تصميم هذا البحث كآتي :

القسم الأول : تسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق

القسم الثاني : آثار التطليق للشقاق على حقوق أفراد الأسرة

 

                                                       و الله الموفق

 

 

 

القسم الأول : تسويـة النزاعات الزوجية في دعـاوي الشقـاق

 

 

تعكس المقتضيات المنظمة لمسطرة الشقاق و كذا التي تحيل عليها في مدونة الأسرة ، حرص المشرع من خلالها على تجاوز بعض المشاكل التي كانت تثار في ظل التطبيق القضائي لمدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، خاصة ما يتعلق منها ببـطء و تعقد المساطر القضائية في الدعاوي الرامية إلى انحلال العلاقة الزوجية ، و كذا بضعف الحماية القانونية للحقوق المرتبطة بذلك ، حيث باستقرائنا لتلك المقتضيات يتضح جليا أنها تختزل في عمقها توجه تشريعي يؤطره هاجس الحفاظ على استقرار الأسرة ، انطلاقا من الصلاحيات المهمة المخولة للقضاء لأجل إيجاد تسويـة ودية للنزاع القائم بين الزوجين ، إذ لا يجوز للمحكمة اللجـوء إلى الحكم بالتفريـق بينهما عن طريق التطليق ، إلا بعد استنفاذها لكل المحاولات الكفيلة بتحقيق ذلك ، و هذا ما يضفي نوع من التدرج على تفعيل الإجراءات المسطرية لدعاوي الشقاق .

و للإحاطة بمختلف الجوانب القانونية المرتبطة بتسوية النزاعات الزوجية في مسطرة الشقاق ، يتعين قبل دراسة الإجراءات المعمول بها في هذا المجال ، التطرق إلى الضوابط المرتبطة بإثارة تطبيقها .

 

و بنـاء عليـه سنقسـم هذا القسـم إلى فصليـن على النحـو التالـي :

 

الفصل الأول : ضوابط إثارة تطبيق مسطرة الشقاق لتسوية النزاعات الزوجية .

 

الفصل الثاني : إجراءات تسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق .

 

 

 

5

 

 

           الفصـل الأول : ضوابط إثارة تطبيـق مسطرة الشقاق لتسوية النزاعات الزوجية

 

 إن الدعوى القضائية باعتبارها ادعاء قانونـي في المجال الإجرائـي تحكمها قواعـد و ضوابط قانونية من الناحيتيـن الموضوعيـة و الإجرائية ، بحيث إن إضفاء الانسجام بينهما يجعلها تنتج آثارها القانونية في مواجهة أطراف النزاع ، و لما كانت غاية المشرع من تنظيمه لمسطرة الشقاق تسوية النزاعات الزوجية وفق إطار قانوني يحرص القضاء في ضوئه ما أمكن على ضمان استقرار و تماسك الأسرة ، فان ضمان تفعيلها يقتضي مراعـاة الضوابط المرتبطة بإثارتها خاصة فيما يتعلق بالطرف المخول له قانونا ذلك ( المبحث الأول ) ، بناء على المبررات المنصوص عليها في مدونة الأسرة ( المبحث الثاني) .

 

المبحــث الأول : الطـرف المخـــول له  قانونـــا إثــارة تطبيــق مسطــــرة الشقـــــــــــــــاق

 

إذا كان الأمـر في القضايا المرتبطـة بانحلال العلاقة الزوجية طبقا لمدونـة الأسـرة ، أن الطـرف الذي يبـادر إلى طلب ذلك يكون عـادة الـزوج أو الزوجـة (1) ، فان من الخصوصيات المميـزة لمسطرة الشقـاق على مستوى إثارتهـا ، تخويل الزوجين معا أو أحدهما حق اللجوء إلى القضاء لطلب حل كل نزاع

بينهما يخاف منه الشقاق ، كما أنه وعيا من المشرع بالمشاكل التي تترتـب عن الوضع الذي تكون عليه الأسرة بفعل النزاع القائـم بين الزوجيـن ، فقد أتاح للمحكمة و بصفة استثنائية إمكانية الإثارة التلقائية لمسطرة الشقاق .

ــــــــــــــــــ

 (1) باستثناء طبعا حالة الطلاق الاتفاقي المنظم في المادة 114 من مدونة الأسرة التي تنص على أنه : " يمكن للزوجين أن يتفقا على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية دون شروط أو بشروط لا تتنافى مع أحكام هذه المدونة و لا تضر بمصالح الأطفال …" .

6

 

 

و بذلك فالأصل أن الطرف المخول له قانونا إثارة تطبيق مسطرة الشقاق هو الزوجين أو أحدهما في إطار مبدأ المساواة  ( المطلب الأول ) ، و استثناء المحكمة من خلال الإثارة التلقائية بمقتضى النص القانوني  ( المطلب الثاني ) .

 

المطلـب الأول : المسـاواة بين الزوجيـن في بعدها الخاص بتطبيـق مسطـــــرة الشقـــــاق

 

شكل مبدأ العـدل و المساواة أحد الهواجـس الأساسيـة التي تحكمـت في  إرادة المشرع المغربي و هو بصدد مراجعـة مقتضيات مدونة الأحوال الشخصية الملغـاة ، نظرا للانتقـادات التي وجهت لها باعتبارها مجالا بارزا للتمييز ضد المـرأة ، تنتهـك فيه حقوقها الأساسية كمواطنة مساوية للرجل أمام القانون(1) .

فالتطور المتنامي الذي حصل على مستوى الحياة المجتمعية بكل تجلياتها ، فرض تغيرا جذريا في المفاهيم و الضوابط المؤطرة للعلاقات الأسرية ، لتجاوز الإشكال القانوني و الواقعي الذي كانت تطرحه الوضعيـة القانونية للأسرة عامة و المرأة على

وجه الخصوص ، لاسيما فيما يتعلق بترسيخ ثقافة العدل و المساواة بين الزوجين في الحقوق و الواجبات ، و في كل ما يرتبط بمكانة كل منهما داخل الأسرة (2) .

ـــــــــــــــــ

(1)جاء في الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة الثانية من الولاية التشريعية السابعة للبرلمان بتاريخ 10 أكتوبر 2003 : " أما بالنسبة للأسرة و النهوض بأوضاع المرأة فإنني أبرزت إشكالها الجوهري غداة تحملي الأمانة العظمى لامارة المؤمنين ، متسائلا في خطاب 20 غشت 1999 : كيف يمكن الرقي بالمجتمع و النساء اللواتي يشكلن نصفه تهدر حقوقهن و يتعرضن للحيف و العنف و التهميش في غير مراعاة لما خوله لهن ديننا الحنيف من تكريم و إنصاف "

(2) السعدية بلمير : نحو إعادة بناء الأسرة و دعمها اقتصاديا و اجتماعيا في ضوء التحولات المعاصرة  ندوة : " أزمة القيم و دور الأسرة في تطوير المجتمع المعاصر" سلسلة الدورات ، الدورة الربيعية 2001 ، 26-28 أبريل ، مطبوعة أكاديمية المملكة ، ص : 381

 

 

7

 

 

هذا الاقتناع بضرورة نشر و ترسيـخ ثقافـة العدل و المسـاواة بين الزوجين على مستـوى الفضاء الأسـري ، يجد أصوله المرجعية في الفقـه الإسلامي من جهـة ، و المواثيق الدولية من جهة أخرى ، ذلك أن وحدة الخلق الإلهي للإنسان يقتضي تقرير مبادئ المساواة و الحريـة و الإيخـاء و العدالـة … الخ في الأسـرة و غيرها (1)، لذلك فقد ألغى الإسلام الحنيف باعتباره خاتم الديانات الفوارق بين كافة البشر ، و عولم الإنسان على حد تعبير الأستاذ عبد الهـادي بو طالـب : " لا على أساس التنافـس الحـر على الأسـواق ، و لكن على أسـاس التنافـس على التقـوى و الفضيلـة ، مع إبقائـه على رابطـة واحـدة هي الأسـرة  باعتبـارها الخلية الأساسيـة لكل مجتمـع …(2) ، فعلاقة الزوجين في ظل النظـام الإسلامي تتحدد على أساس المساواة الكاملـة في التكوين و وحدة الخلق و الوجود ، و هذا ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى :  ) يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكـم من نفـس واحدة و خلـق منها زوجهـا و بث منهما رجالا كثيرا و نساء و اتقـوا الله الذي تساءلـون به و لارحام ، إن الله كان عليكم رقيبـا( (3) ، و قال عليه الصلاة و والسلام :

» إنما النساء شقائـق الرجال في الأحكام « (4) ، فهذا الحديث الشريف يلخص الرؤية القرآنية في المساواة بين الزوجين في الحقوق و الوجبات ، و هي جزء منهما و ليس فقط حقا مخولا لهما ، لذلك يرفض الإسلام الحنيف النـزاع في هذا الحق لأنه من حقـوق الله تعالى .

ــــــــــــــــــ

 (1) وهبة الزحيلي : الأسرة المسلمة في العالم المعاصر ، دار الفكر المعاصر بيروت ، طبعة 2000 ص : 13

 (2) عبد الهادي بوطالب : مفهـوم الأسرة و وظيفتها و مسؤولياتهـا في الديانـات و الإعلانـات العالميـة و مواثيق الأمم المتحـدة نـدوة : " أزمة القيـم  و دور الأسـرة في تطوير المجتمـع المعاصر ، سلسلـة الـدورات ، الدورة الربيعية لسنة 2001-26-28 أبريل ، مطبوعات أكاديمية المملكة . ص : 167 .

(3) سورة النساء ، الآية :1 .

(4) أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده 2/256 ، و الترمذي في سننه حديث رقم 113 و أبو داوود في سننه حديث رقم 236 .

 

8

 

 

كما أنه في ظل الوعي المتنامي بضرورة احترام حقوق الإنسان عامة و حقوق المرأة خاصة ، عمد المجتمع الدولي إلى إيجاد مجموعة من المواثيق الدولية أغلبها صادر في إطار عمل منظمـة الأمم المتحدة ، تهـدف إلى ترسيخ ثقافـة المسـاواة بين الزوجين (1) ، و هو التوجـه الذي تبنته القوانين الوضعية من خلال ارتقائها بمبدأ

المساواة بين الزوجين ، إلى مستوى حق دستوري يؤطر و يوجه السياسة التشريعية للدولة (2) .

و تقرير مبدأ الوحدة الأسرية و ما يتفرع عنها من قاعدة المساواة بين الزوجين في الوظائـف و الأدوار ، يستدعي ضرورة تفعيل الأسلـوب التشاركي و التشاوري بينهما في كل ما يرتبط بتدبير شؤون الأسرة ، لذلك اعتبارا لكون هذا الأسـوب يعكس

ـــــــــــــــــــ

 (1) من المقتضيات التي تؤكد تنامي الوعي القانوني لدى المجتمع الدولي بالخصوص مبدأ المساواة بين الزوجين نشير إلى ما يلي :

-     المادة 16 من ميثاق حقوق الإنسان تنص على : " أن الزوجين متساويان في الحقوق لدى تزوج و خلال قيام الزواج و لدى انحلاله " .

-     المادة 23 من العهد الدولي  للحقوق المدنية و السياسية في فقرتها الرابعة تنص على ما يلي : " تتخذ الدول الأطراف في هذا العهد التدابير المناسبة بكفالة تساوي حقوق الزوجين و واجباتهما لدى التـزوج و خلال قيام الزواج و لدى انحلاله … " .

- المادة 5 من اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة تنص على أن : " تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتحقيق ما يلي :

أ: تغيير الأنماط الاجتماعية و الثقافية لسلوك الرجل و المرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات و العادات العرفية و كل الممارسة الأخرى القائمة على الاعتقاد بكون أي من الجنسين أدنى أو أعلى من الآخر ، أو على أدوار نمطية للرجل و المرأة " .

(2)العديد من الدساتيـر الحديثـة تحرص على ضرورة حماية الأسرة في إطار مبدأ المسـاواة بين الزوجيـن ، و بخصوص الدستور المغربي يؤكد في مادته 5 على مبدأ المسـاواة بين الجنسين أمام القانـون ، كما يؤكد في ديباجته حرص المغرب على احترام المواثيق و الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان كما تم التوقيع و المصادقة عليها ، لذلك فأغلب التعديلات و الإصلاحات التي تدخل على المنظومة القانونية المغربية يؤطرها هاجس تحقيق المساواة بين الرجل و المرأة .

 

 

9

 

 

المنطق الحقوقي في الحقوق و الواجبات(1) ، فقد عمد المشرع المغربي إلى تكريسه في مدونة الأسرة  كما يتضح ذلك جليا في تعريفـه للزواج في المادة 4 التي تنص على أن : » الزواج ميثـاق تراضي و ترابط شرعـي بين رجل و امرأة على وجه الـدوام ، غايته الإحصان و العفاف و إنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لأحكام هذه المدونة « ، و كذلك من خلال تنظيمه للحقوق و الوجبات المتبادلة بين الزوجين في المادة 51 ، و التي نجد من ضمنها تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية القرارات المرتبط بتسيير و رعاية شؤون الأسرة و الأطفال … الخ  .

من هذا المنطلق فلئن كان المشرع حرص في مدونة الأسرة على ترسيخ ثقافة المساواة بين الزوجين من خلال التدبير التشاوري و التشاركي لأحوال الأسرة ، فقد جعل على عاتقهما معا مسؤوليـة الحفاظ على استقرارها و تماسكها و ضمان استمرارها ، ذلك أن الحياة الزوجية لا تخلو من خلافات و نزاعات مهما بلغت درجة التفاهم بينهما ، لذلك و لتفادي تطورها إلى أن تصبح شقاقا يتعذر إيجاد حل له غير الحكم بالتفريق عن طريق التطليق ، أتاح المشرع لهما أو لأحدهما حق اللجوء إلى القضاء لطلب حل كل نـزاع بينهما يخشى منه الشقاق طبق للمادة 94 من مدونة الأسرة ، و التي تجسد في عمقهـا مبدأ المساواة في التقاضي الذي يعتبـر من المبـادئ الأساسية التي يقوم عليها التنظيم القضائي للمملكة ، ضمانا لحقوق المتقاضيـن ، و تطبيق مسطرة الشقاق في هذه الحالة يتم عن طريق تقديم طلب بذلك من الزوجين أو أحدهما إلى المحكمة الابتدائية ( قسم قضاء الأسرة ) التي يوجد بدائرة

نفوذها بيت الزوجية أو موطن الزوجة أو التي أبرم فيه عقد الزواج (2)  ، و يجـب ــــــــــــــــ

 (1) إدريس الفاخوري : " بعض مظاهر قيام حقوق الإنسان في   مدونة الأسرة " ، الأيام الدراسية حول مدونة الأسرة ، سلسلة الندوات و اللقاءات و الأيام الدراسية ، وزارة العدل – المعهد العالي للقضاء ، مكتبة دار السلام 2004 ، ص : 153 إلى 159 .

 (2) يشكل الاختصاص المحلي في القضايا المرتبطة بتطبيق مسطرة الشقاق ، استثناء من المبدأ العام المنصوص عليه في الفصل 37 من ق.م.م و الذي يقضي بأن المدعي يتبع المدعى عليه  و هذا الاستثناء كرسه الفصل 112 من ق.م.م بنصه على أنه :" يقدم وفق الإجراءات العادية مقال التطليق إلى المحكم الابتدائية التي يوجد بدائرة نفوذها بيت الزوجية أو موطن الزوجة أو التي أبرم فيها عقد الزواج " .

10

 

 

أن يتضمن هذا الطلب كافـة الشـروط الضرورية الواجب توافرها قانونـا في كل ادعـاء قانوني ، حتى يعتد به العمل القضائي و يجعـل منه محلا للإجراءات القضائيـة ، و المتمثلـة طبقـا للفصل 1 من قانـون المسطرة المدنيـة في الصفـة و المصلحة و الأهلية (1) ، و كذا طبقا للفصل 32 من نفس القانون في الهوية الكاملة للزوجين و عنوانهما الكامل و الحقيقي ، مع الإشارة و لو بإيجاز إلى موضوع النزاع و أسبابه ، و يرفق به المستندات و الوثائق التي يمكن استعمالها عند الاقتضاء أهمها عقد الزواج .

و نظرا لكون مسطرة الشقاق شفوية فانه يجوز اللجوء إليهـا دون الاستعانة بمحام ، و بالتالي دون التقيد بمقتضيات الفصل 31 من ظهير 10 شتنبر 1993 المنظم لمهنة المحاماة ، و ذلك على غرار القضايا الأخرى التي تخضع للمسطرة الشفوية طبق للفصل 45 من قانون المسطرة المدنية ، و هي القضايا التي تختص المحاكم الابتدائية فيها ابتدائيا و انتهائيا ، و القضايا الاجتماعيـة ، و قضايا استيفاء و مراجعة الوجيبـة

الكرائية ، وقضايا الحالة المدنية … الخ ، و تنظر في الطلبات المرتبطة بها هيئة قضائية مشكلة من ثلاث قضاة بحضور النيابة العامة و كاتب الضبط ، حيث إذا كان المبدأ أن القضاء الجماعي يعتبر من مستلزمات المسطرة الكتابية ، فان دعاوي الشقاق تشكل استثناء لهذا المبدأ نظرا لطبيعة وخصوصية إجراءاتها .

و إذا ثبت نظريا أن إثارة تطبيق مسطرة الشقاق يعكس توجه المشرع نحو إرساء و تكريس مبدأ المساواة بين الزوجين لتسوية نزاعاتهما قضائيا ، فان الواقع العملي يثبت محدودية تلك المسـاواة ، بحيث أن أغلب الطلبات المقدمـة بخصوص تطبيـق

مسطرة الشقاق يكون مصدرها الزوجات ، أما الأزواج فناذرا ما يتقدمون بتلك ــــــــــــــــ

(1) بخصوص أهلية التقاضي بين الزوجين تنص المادة 22 من مدونة الأسرة : " يكتسب المتزوجان طبقا للمادة 20 أعلاه ، الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما يتعلـق بآثار عقد الزواج من حقـوق و واجبات …" ، و طبقا للمادة 20 يجوز لقاضي الأسرة المكلف بالزواج أن يؤذن طبقا للشروط المحددة في هذه المادة ، بزواج الفتى و الفتاة دون سن أهلية الزواج المنصوص عليه في المادة 19 و هو 18 سنة شمسيـة ، الذي يعتبر كذلك سن الرشد المدني لممارسة حق التقاضي .

 

11

 

 

الطلبات ، و هو ما يجعل اللجوء إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق يقترن عمليا بحق الزوجة في طلب التطليق ، لما تتيحه لها من إمكانيـة الحصول عليه بكيفيـة سهلـة و بسيطة مادامت تتمسـك به (1) ، و ربما من الأسبـاب الكامنـة وراء ذلك أن الأزواج يشعرون بالحـرج في حالة اللجوء إلى القضاء قصد طلب حل نزاعاتهم مع زوجاتهم ، لذلك فانهم عندما يطرقون باب قضاء الأسرة  إنما يكون ذلك إما لطلب الطلاق أو لرفع دعوى الرجوع إلى بيت الزوجية أو التعدد .

لكن هذا لا ينبغي معه التسليم بانعدام أي طلب يقدم به الزوج لتطبيق مسطرة الشقاق ، لأن النذرة  لا تعني الانعدام الكلي لذلك و طبقا للقاعدة الفقهية : » ما لا يدرك جله لا يترك كله « ، حسبنا أن نشير في هذا الإطار إلى نموذج لحكم قضائي صادر عن – قسم قضاء الأسرة – التابع للمحكمة الابتدائية بالحسيمـة جاء فيه:» بتاريـخ 11/04/05 تقدم المدعي بواسطة دفاعه بمقال مؤدى عنه الرسوم القضائية يعرض فيه أن المدعى عليها زوجته و منذ زوجها لم يتم الدخول حيث سافرت إلى الخارج إلى مكان إقامتها ، و لم تلتحق به ، مما دفعه إلى استصـدار حكم شخصي ضدهـا قضى

بإلزامها بالرجوع إلى بيت الزوجية ملف عدد 261/2001 ، لم يقع تنفيـذه نظرا لكـون المدعى عليها تتواجد بديار المهجر حيث انقطعت أخبارها و لا يعلم عنها شيئـا ، ملتمسا إصدار أمر قضائي يقضي بالتطليق للشقاق كحل نهائي يفك عرى الزوجية بينهما … « (2) .

عموما إذا كان تكريس مبدأ المساواة بين الزوجين في بعدها الخاص بتطبيق مسطرة الشقاق ، الغاية منه تخويلهما حق اللجوء إلى القضاء لطلب حل كل نزاع بينهما

يخاف أن يؤثر سلبا على مصير علاقتهما الزوجية ، فان رغبة المشرع في تعزيز دور ــــــــــــــــ

 (1) من الآراء التي تتم عن سوء فهم المضاميـن الحقيقية لمسطـرة الشقاق ، اعتبارها تعكـس توجـه المشرع نحو توسيع حالات حق طلب التطليق ، و كونها تمثـل ثورة نسائية داخل مؤسسة الأسـرة ، و لنا رأي في الموضوع سنستعرض له عند الحديث عن مبررات تطبيق مسطرة الشقاق .

(2) حكم عدد 730 صادر بتاريخ 10/11/2005 في الملف الشخصي رقم 215/05 ( غير منشور ) .

 

12

 

 

القضاء في معالجة النزاعات الزوجية ، اقتضت منح المحكمة إمكانية الإثارة التلقائية لمسطرة الشقاق ، و هو ما يحيلنا على المطلب الثاني .

 

المطلـب الثاني : التطبيـق القضائـي التلقائـي لمسطـرة الشقــاق

 

إن تسوية النزاعات الزوجية من خلال تطبيق مسطـرة الشقـاق ، لا يقتصر فقط على الحالات التي يسمح فيها القانون للزوجيـن أو لأحدهما اللجوء إلى القضاء لطلب ذلك ، و إنما يمكن للمحكمة كذلك طبقا للمادة 45 من مدونة الأسرة ، أن تثير تلقائيا تطبيق هذه المسطرة في حالة تمسك الزوج بطلب الإذن بالتعدد و لم توافق الزوجة المراد التزوج عليها و لم تطلب التطليق .

فالمشرع المغربي في مدونة الأسرة أحاط التعدد بضوابط و قيود قانونيـة صارمة ، حرصا على تحقيق العدل بين الزوجات مصدقا لقوله تعالى : ) فان خفتم أن لا تعدلوا فواحدة ( (1) و حمايـة لحقوق الأطفال ، لذلك نجده  يخضع طلبـات الإذن

بالتعدد لرقابة قضاء الأسرة ، بحيث أن المحكمة لا تستجيب لها لمجرد الخـوف من عدم العدل ، و كذلك إن وجد في عقد الـزواج شرط من الزوجة بعـدم التـزوج عليهـا (2) ، و بذلك فالإذن بالتعدد رهين طبقـا للمادة 41 من المدونة بتثبت المحكمة من وجـود المبرر الموضوعي الاستثنائي (3) ، و توفر لطالبه الموارد الكافيـة لاعالة

أسرتيـن ، و ضمان جميع الحقـوق من نفقة و إسكـان و مساواة في جميع أوجه ـــــــــــــــــ

(1) سورة النساء ، الآية : 3 .

 (2) تنص المادة 40 من مدونة الأسرة : " يمنع التعدد إذا خيف عدم العدل بين الزوجات ، كما يمنع في حالة وجود شرط من الزوجة بعدم التزوج عليها " .

(3) لم يحدد المشرع المقصود بالمبرر الموضوعي الاستثنائي الذي يجب أن يثبته مريد التعـدد حتى يستجـاب لطلبه ، و إنما ترك ذلك للفقـه و القضاء الذي يستنتجـه في ظروف و وقائـع كل قضية تعـرض عليه ، و مبررات التعدد قد ترجع  إلى حالات المرض و العاهات المؤثرة على المعاشرة الزوجيـة ، و الرغبة في إنجاب الأولاد إذا كانت الزوجة مصابة بالعقم .

13

 

 

الحياة (1) ، و هذا لا يمكن التحقق منه من طرف المحكمة إلا من خلال تفعيل كافة الضمانات القانونية التي توفرها الضوابط الإجرائية المرتبطة بمسطرة التعدد ، و لعل أهمها الحضور الشخصي للزوجة المراد التزوج عليها لمحاولة الإصلاح و التوفيق بينهما ، و ذلك بعد الاستماع إليهما و استقصاء الوقائع و تقديم البيانات الضرورية في هذا الشـأن ، بحيث إذا ثبت للمحكمة من خلال المناقشات التي تجري في غرفة المشورة ، تعذر استمرارية العلاقة الزوجية و طلبت الزوجة التطليق ، فإنها تقوم طبقـا للمادة 45 من المدونة باتخاذ الإجراءات الضرورية التي تضمن لها كافة حقوقهـا و حقوق أطفالها ، بتحديد مبلغ يكفي لاستفائها يودعه الزوج طالب التعدد في صندوق المحكمة في أجل لا يتعدى سبعـة أيام – تحت طائلة اعتباره متراجعا عن طلبه – ثم تأذن بالتعدد بمقرر قضائي لا يقبل أي طعن .

و عليه فالمحكمة في تفعيلها لمسطرة التعدد ملزمة بمراعاة حالات الزوجين التي تستفاد من قرائن لفظية و أخرى حالية ، بحيث يجب النظر إلى حال الزوج الراغب في التعدد من زاوية قدرته على تحقيق المقصد الشرعي من منه و المتمثل في العدل من جهة ، و في ضرورته المصلحية من جهة أخرى ، مع التأكد من عدم وجود شرط مانع  من طرف الزوجة ، و كذا النظر إلى حال هذه الأخيرة التي إما أن تقبل التعدد ، أو لا تقبل به و تطلب التطليق أو لا تقبل به و لا تطلب ذلك (2) ، بحيث قد يحصل أن يتمسك الزوج بطلبه الرامي إلى الإذن له بالتعدد ، إلا أن الزوجة المراد التزوج عليها ترفض ذلك و لا تطالب بالتطليق ، مما يخلق  نوع من النزاع بينهما يجعل الأسرة تعيش في وضع غير مستقـر تتضرر منه حقـوق الجميـع  و خاصة الأطفال إن وجدوا ، لذلك وعيا من المشرع بالمشاكل التي قد تنجم عن هذا الوضع الأسري الذي ينم عن تعارض مصالح ، الأطراف المعنية بموضوع التعدد ، فقد أجاز للمحكمة استثناء إمكانية اللجوء

ــــــــــــــــ

 (1) يتعين على طالب التعدد أن يرفق طلبه طبقا للمادة 42 من مدونة الأسرة بإقرار عن وضعيته المادية لتتأكد المحكمة من قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية تجاه الأسرتين و يضمن العدل و المساواة بينهما .

(2)إدريس حمادي ، " البعد المقاصـدي و إصـلاح مدونـة الأسرة " ، مطبعة إفريقيـا الشـرق ، 2005 ص : 166.167 .

14

 

 

تلقائيا إلى تطبيق مسطرة الشقاق ، مرخصا لها بذلك تحوير موضوع النزاع ، ذلك أن من الضمانات الأساسية لضمان الحياد القضائي ، منع القاضي أو المحكمة حسب الأحوال تعديل أي عنصر من عناصر النزاع الموضوعية و الشكلية بالشكل الذي طرحه الخصوم ، إذ يجب الفصل فيه دون إدخال عناصر جديـدة قد تعقد أو تؤخر ذلك ، و هو ما ينص عليـه الفصل 3 من قانون المسطـرة المدنيـة حيث جاء فيه : » يتعين على القاضي أن يبت في حدود الطلبات  و يبت دائما طبقا للقانون المطبق على النازلة و لو لم يطلب الأطراف ذلك بصفة صريحة « .

و بذلك فالتطبيق القضائي التلقائي لمسطرة الشقاق ، يجسد الدور التدخلي للقضاء في حسم النزاعات الزوجية الناجمة عن تفعيل مسطرة التعدد ، ليبقى السـؤال المطروح : هل يمكن الحديث عن حالات أخرى للتطبيق القضائي التلقائي لمسطرة الشقاق ؟ .

مبدئيا يمكن الجزم بصعوبة التدخل القضائي التلقائي لتطبيق مسطرة الشقاق في كل حالة نزاع بين الزوجين دون إثارة الدعوى منهما أو من أحدهما ، إلا أن ذلك التدخل يمكن أن يتحقق في بعض الحالات إذا ما استحضرنا الدور الهام الذي أضحت تضطلع به النيابة العامة في قضايا الأسرة ، حيث أصبحت طبقا للمادة 3 من مدونة الأسرة طرفا أصليا في كل القضايا الرامية إلى تطبيقها ، و هو ما يعني تعزيز دورها التقليدي الذي كانت تقوم به في الدعاوى المدنية وفقا لنصوص قانون المسطرة المدنية .

فالمشرع من خلال مواد مدونة الأسرة خول للنيابة العامة باعتبارهـا طرفا أصليـا صلاحيات وقائية و حمائية مهمة ، كلها تصب في اتجاه حماية الأسرة من التفكك و الحفاظ على مصالح الزوجين و الأطفال (1) ، و بذلك يمكن لها طبقا للقانـون

ــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) من هذه الصلاحيات تلك المنصوص عليها في المادة 53 من المدونة بخصوص تخويلها حق التدخل لإرجاع المطرود من الزوجين إلى بيت الزوجية حالا مع اتخاذ الإجراءات الكفيلة  بأمنه و حمايته ، و ذلك في حالة قيام أحد الزوجين بإخراج الآخر من بيت الزوجية بدون مبرر .

 

 

15

 

 

أن تبادر بصفتها مدعية إلى رفع دعوى الشقاق ضد الزوجين ، إذا ثبت لها ما يبرر ذلك كتضرر الأطفال من جراء النزاع القائم بينهما … ، للنظر في مدى استعدادهما لاعادة علاقتهما إلى حالتها الطبيعية حفاظا على استقرار الأسرة ، أو الحكم بالتطليق بينهما عند الاقتضاء ، غير أن النيابة العامة قبل إقدامها على ذلك يجب أن ترجح المصلحة العامة للأسرة و تجعلها فوق كل اعتبار حتى لا يكون لتدخلها آثار عكسية على وحدتها .

وطبعا بصفتها مدعية في هذه الحالة لا يجوز تجريحها من طرف الأطراف ، لأن الخصم لا يجرح خصمه و إنما يواجهه بحججه و وسائل دفاعه ، و لها أن تقوم  أيضا بتجريح القاضي طبقا للقانون باعتبارها خصما في الدعوى ، كما تأخذ الكلمة قبل الأطراف و تملك حق الطعن (1)  .

ما يدعم هذا الرأي أن الفقه المالكي  الذي يعتبر المرجع الفقهي الذي ينبغي على القضاء العمل به فيما يخص تطبيق مدونة الأسرة ، تعامل بكثير من المرونة مع مسألة تعيين الحكمين ، بحيث لم يشترط حصول الشقاق و الخصومة و رفع الأمر إلى المحكمة لكي  تتدخل ، بل يكفي أن يعلم الحاكم أو القاضي بأنه حصل نوع من النزاع بين الزوجين يخاف منه الشقاق كي يسوغ له التدخل  لحسمه ، لذلك فالرأي الراجح عند جمهور العلماء أن المخاطب في قوله تعالى : ) و إن خفتم شقاقا بينهما فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله عليما خبيرا (  (2)  هم الحكام لأنهم هم مكلفون بالسهـر على مصالح المجتمع و رفع المظالـم عن أفـراده (3) ، حيث يقول في هذا الإطار الفقيه ابن العربي المعافري المالكي الأندلسي ما يلي : » إذا علم الحاكم ( أي القاضي ) من حال الزوجين الشقاق لزمـه أن يبعـث

 ــــــــــــــــ

 (1) حسـن بيـوض : " صلاحيات النيابة العامة في تفعيل مدونة الأسرة " ، مجلة المعيار ، عدد 32  ص : 144 – 162

 (2) سورة النساء ، الآية : 25 .

(3) محمود محمد علي : الطلاق بين الإطلاق و التقييد ، دار الاتحاد العربي ، الطبعة 1398 ه/ 1978 م/  ص : 242 .

16

 

 

إليهما حكمين و لا ينتظر ارتفاعهما ، لان ما يضيع من حقوق الله أثناء ما ينظر رفعها

إليه لا جبر له « (1) ، و كذلك قال الحطاب الملكي : » إذا اختلف الزوجان و خرجا إلى ما لا يحل من المعاتبة كان على السلطان أن يبعثا حكمين ينظرا في أمرهما ، و إن لم يرتفعا و يطلبا ذلك ، فلا يحل أن يتركهمـا على ما هما فيه من المآثم و فسـاد الدين « (2) .

عموما إذا كانت الغاية من التطبيق القضائي التلقائي لمسطرة  الشقاق حسم النزاع القائم بين الزوجين حول مسالة التعدد ، تفاديا لكل الآثار السلبية التي قد تنجم عن استمراره ، فان اللجوء إلى تطبيقها من طرف الزوجين أو أحدهما  ينبغي أن يتأسس على أحد المبررات المنصوص عليها في مدونة الأسرة .

 

المبحـث الثانـي : مبــررات تطبيـــق مسطـــــرة الشقــــاق

 

باستقرائنـا لمقتضيات المواد 94 و 52 و 100 و 120 و 124 من مدونة الأسرة ، يتضح جليا أن مبررات تطبيق مسطرة الشقاق تنقسم إلى  سبب رئيسي يتعلق بوجود نزاع بين الزوجين يخاف منه الشقاق  ( المطلب الأول ) و باقي الأسباب نجملها في الحالات الأخرى لتطبيق مسطرة الشقاق ( المطلب الثاني ) .

 

المطلـب الأول : وجــود نــزاع بين الزوجيــن يخـاف منــه الشقـــــــــــــاق

 

إن المبـدأ الأسمى الذي ينبغي أن تتأسس عليه الحيـاة الزوجيـة قوامـه التشاور ، و التفاهم ، و المودة ، و أداء كل منهما دوره على حسن وجـه ، و احترام ــــــــــــــــ

(1) ابن العربي : أحكام القرآن ، دار إحياء الكتب العربية ، المجلد الأول ، الطبعة الأولى ، ص : 176 .

(2) الحطاب :  مواهب الجليل على مختصر خليل ، الجزء الرابع ، ص : 16 .

 

17

 

 

حقوق الآخر ، و الحرص على خير الأسرة و استمرارها ، تحقيقا للغاية التي شرع الله تعالى من أجلها الزواج بقوله : ) و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينهم مودة و رحمة ( (1) ، فالعلاقة الزوجية من المنظور الإسلامي علاقة سكن و تساكن تنشرح فيها النفوس و تتصل بها المودة و الرحمة .

بيد أنه قد يطرأ على الحياة الزوجية ما يكدر صفوفها و يعكر صفائها بفعل اختلاف الطباع و الأدوار بين الزوجين ، مما يجعل الأسرة تواجه صعوبات من شأنها أن تعصف باستقرارها ، فمن الناذر أن تخلو حياة الأسرة من أحداث و أزمات تؤدي إلى حدوث نزعات بين الزوجين تختلف طبعا من حيث نوعيتها و تأثيرهـا ، فقد تكـون هذه النزاعات بسيطة ثم تتطور لتصبح شقاقا يستعصي معه دوام العلاقة الزوجية ، و يحتمل أن يتلوها التوافق و التفاهم بينهما ، مما يتيح لهما الاستمرار في جو أسري يطبعه الاستقرار كحالة طبيعية يفترض أن تكون عليها كل أسرة ، لأن في استقرارها استقرار المجتمع و في تفككها إصابته بالتصدع و الشقاق .

و نظرا لكون القانون يهدف إلى ضبط و تنظيم العلاقات الأسرية  من خلال حرصه على ضمان تحقيق التعايش الفعلي بين الزوجين ، فقد عمد المشرع من خلال مدونة الأسرة إلى صياغة قواعد قانونية مبسطة  تيسر للزوجين إمكانية التظلم أمام القضاء ، تجسدها المقتضيات المنظمة لمسطرة الشقاق .

فكثيرة هي الحالات التي تكون فيها النزاعات الزوجية بسيطة يمكن حلها ، غير أن السكوت عنها و تكررها و استمراريتها يؤدي إلى تطورها و احتدامها إلى أن تصبح شقاقا ، يتعذر معه التوفيق بين الزوجين و يقتضي حله الحكم بالتطليق بينهما ، لذلك فان العديد من الأحكام القضائية التي صدرت  بالطلاق أو التطليق غالبا ما كانت تتأسس على أسباب واهية ، كان بالإمكان تفاديها لو تريثا الزوجين و قدرا جيدا العواقب الوخيمة لتفكك الأسرة .

ــــــــــــــــ

(1) سورة الروم ، الآية : 20 .

 

18

 

 

و إذا كان الخوف من الشقـاق الذي قد ينجم عن النـزاع الواقـع بين الزوجيـن  ، يعتبر المبرر الرئيسي لتطبيق مسطرة الشقاق ، فان المشـرع المغربي لم يعرف هذا الأخير كما فعل بالنسبة للضرر (1)  كما لم يحدد نماذج للنزاع المفضي إليه ، ولعل هذا ما يفسر الغموض الحاصل حول المضاميـن الحقيقية لمسطرة الشقـاق ، حيث ذهب البعض إلى القول أنها تعبر مسطرة جديدة الغاية منها توسيع حالات حق طلب التطليق الممنوح للزوجة ، فالتطليق للشقاق بالنسبة لها يقابل حق الزوج في الطلاق ، و بذلك فمسطرة الشقاق وفق هذا الرأي تشكل ثورة نسائية داخل مؤسسة الأسرة جاءت لتحرير المرأة من جبروت و تسلط الزوج ، بطلبها التطليق للشقاق الذي يعتبر الحكم به مسألة حتمية متى تمسكت به (2) ، و لعل هذا  ما يفسر ارتفاع نسبة طلبات التطليق للشقاق بعد صدور مدونة الأسرة ، و الحقيقة أن هذه المسطرة كما يستشف ذلك من المقتضيات القانونية المنظمة لها ، تمثل مظهرا من مظاهر اتخاذ الزوجين أو أحدهما مبادرة اللجوء إلى القضاء ، لطلب حل كل نزاع بينهما يخشى أن يؤثر سلبا على مصير علاقتهما الزوجية ، حيث  يمكن أن ندرج على سبيل المثال كنماذج لبعض الأسباب التي من شأنها أن تفضي إلى الشقاق بين الزوجين ما يلي (3) : النشوز بمختلف مظاهره ، السكر العلني و كثرة التدخين داخل بيت الزوجية ، الإهمال ، ضعف الشخصية ، تسلط الزوج أو الزوجة … الخ .

             ـــــــــــــــــ

(1) يعرف الضرر طبقا للمادة 99 من مدونة الأسرة كما يلي : " يعتبر ضررا مبرر لطلب التطليـق ، كل تصرف من الزوج أو سوك مشين أو مخل بالأخلاق الحميدة يلحق بالزوجة إساءة مادية أو معنوية تجعلها غير قادرة على الاستمرار في العلاقة الزوجية " ، كما أن كل إخلال بشرط من شروط عقد الزواج يعتبر طبقا لهذه المادة ضررا يبرر طلب التطليق .

(2) فوزيـة برج : "مسطرة الشقاق ثورة نسائية داخل مؤسسة الأسرة " ، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7927 ، 5 ماي 2005 ، و قد أكدت زهور الحر على حق المرأة في الحصول على التطليق للشقاق متى تمسكت به ، " مدونة الأسرة : تحديات التطبيق " ، ندوة : " نساء المتوسط و حقوقهن " فاس ، 28 –29-30 أبريل 2005 .                    

(3) عبد الصمد خشيع : "مسطرة الشقاق على ضوء مدونة الأسرة" ، مجلد الملف ، عدد 7 ، أكتوبر 2005  ص: 190 و ما بعدها .

19

 

 

أما الشقاق فيعرف لغة من شق يشق شاقه أي خالفه و عاداه ، و في القرآن الكريـم : ) ذلك بأنهم شاقـوا الله و  رسوله و من يشاقـق الله و رسوله فان الله شديد العقاب ( (1) ، و عرفه ابن منظور بأنه :» غلبـة العـداوة والخلاف ، شاقـة مشاقة

و شقاقا خالفه ، و الشقاق العداوة بين فريقيـن و الخلاف بين اثنين  «(2) ، أما في الاصطلاح الفقهي و القانوني فيعرف بأنه الخلاف العميق و المستمر بين الزوجين لدرجة يتعذر معها استمرار العلاقة الزوجية في الحال و المآل (3) .

بعد هذا التحديد لكل من الشقاق و النزاع المفضي إليه ، تجب الإشارة إلى أن من مظاهر سوء فهم روح مسطرة الشقاق ، كما يؤكد ذلك الواقع العلمي الذي تعكسه الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع ، أن العديد من الطلبات التي تقدم بشأن التطليق للشقاق ، تجعل هذا الأخير مستوعبا لكافة الأسباب الأخرى المبررة لطلب التطليق المنصوص عليها في المادة 98 من مدونة الأسرة ، و نورد على سبيل المثال نماذج لبعض تلك الأحكام الصادرة عن بعض الأقسام قضاء الأسرة بالمملكة :

-  حكم صادر عن ابتدائيـة الرماني بتاريخ 29 أكتوبر 2004 قـضى بالتطليق للشقاق بسبب العجز الجنسي للـزوج ، جاء فيه : » … و حيث أسست الزوجة الأسباب الداعية لطلبها على كون الزوج يعاني عجزا جنسيا نتج عنه أنها لازالت بكرا رغم معاشرته لها معاشرة الزواج مما أثر على نفسية الرجل و تعذر عليها الاستمرار معه على هاته الحالة رغم مرور حوالي ثلاث سنوات على زواجهما ، و أنه أمام تخلف الزوج ونفيه أو إثباته لهاته الوقائع تعذر على المحكمة محاولة الصلح بينهما ، و حيث أن الشقـاق هو الخلاف العميـق و المستمر بين الزوجين لدرجة يتعذر معها استمرار

ــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال ، الآية : 13

(2) ابن منظور : لسان العرب ، الجلد العاشر ، ص : 183 .

(3) الدليل العملي لمدونة الأسرة ، وزارة العدل ، سلسلة الشـروح و الدلائل 2004 ، ص : 81 ، كما أشار هذا التعريف محمد الشتوي في : الإجراءات الإدارية و القضائية لتوثيق عقد الزواج ، المطبقة و الوراقة الوطنية مراكش ، طبعة 2004 ، ص : 215 .

 

20

 

 

العلاقة الزوجية دون تحديد المشرع للحالات محددة داخلة في نطاقه ، بل هو مفهوم واسع وعام لا يشمل حالات بعينها ، و حيث أنه بمقتضى المادة 97 من مدونة الأسرة فانه في حالة تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق تحكم المحكمة بالتطليق و المستحقات طبقا للمواد 83 و 84 و 85 من المدونة ، و حيث تكون بهذه الإجراءات المتعلقة بمسطرة الشقاق قد استوفت شكلها المنصوص عليها في الفصول 94 إلى 97 « (1) .

-  حكم صادر عن ابتدائية طنجة – قسم قضاء الأسرة – بتاريـخ 15/5/2005 قضى بتطليق الزوجة من زوجها للشقاق لكونه يعتدي عليها بالضرب و لا ينفق عليها  و أنه يهددها بالقتل و يشتمها ، جاء فيه : » بناء على مقال الدعـوى المسجل بكتابة الضبـط عند المحكمة بتاريخ 03 يناير 2005 و المعفي من الرسوم القضائية بقوة القانـون ، و الذي تعرض فيه المدعية أنها زوجة المدعى عليه على سنة الله و رسوله و أنها لها منه أبناء … و أنه يعتدي عليها بالضرب و لا ينفق عليها و أنه يهددها بالقتل و يشتمها و لأجله ، فإنها تلتمس الحكم بتطليقها للشقاق … « (2) ، و كذلك قضت نفس المحكمة في حكم آخر بالتطليق للشقاق لكون الزوج يعرض زوجته لمجموعة من الإهانات و الضرب و أنه يغيب عليها لمدة طويلـة ، مما جعل استمرار العلاقة الزوجية بينهما أصبحت مستحيلة (3) .

-  حكم صادر عن ابتدائية تاونات – قسم قضاء الأسرة – بتاريخ 26/01/2004 قضى بالتطليق للشقاق لكون الزوج لم يعاشر زوجته بالمعروف و يعرضها للضرب و الشتـم باستمرار ، فضلا عن إهماله لها و طردها من بيت الزوجيـة ، و مما جـاء فيـه : » بناء على المقال الافتتاحي الذي تقدمت به المدعية بواسطة محاميها … و الذي تعرض فيه أنها متزوجة بالمدعى عليه بمقتضى عقد النكاح … و أنه منذ تاريخ الزواج

لم يعاشرها بالمعروف و يعرضها للضرب و الشتـم باستمـرار فضلا عن إهماله لها ــــــــــــــــ

 (1) منشور في جريدة العلم عدد 200046 ، الخميس ربيع الأول 1426 الموافق 14 أبريـل 2005  تحت عنوان : " مفهوم الشقاق في مدونة الأسرة : تطليق الزوجة بسبب العجز الجنسي للزوج " .

(2) حكم رقم 903 ، ملف شخصي عدد 06/2005 ( غير منشور ) .

 (3) حكم صادر بتاريخ 14/09/2005 ، رقم 1802 ، في ملف شخصي ، عدد 1145/05 ( غير منشور ) .

21

 

 

و طردها من بيت الزوجيـة مما لم تعد معه مطيقـة نفسيـا و عصبيا الاستمرار معه و أضحت غير مرتاحة لمعاشرته و قررت عدم الالتحاق به ، لذلك تلتمس الحكم بتطليقها منه و الحكم بالمستحقات المنصوص عليها في المـواد 83 و 84 و 85 لمدونة الأسـرة … « (1) .

و بذلك فلئن كان المشرع قد توخى من إخضاعه للطلاق الذي هو من حق الزوج لرقابة و إشراف القضاء ، الحيلولة دون المبالغة و التعسف في اللجوء إليه تفاديا لكل المشاكل الناجمة عن ذلك ، فانه في ظل ما يجري به العمل بخصوص التطبيق القضائي لمسطرة الشقاق ، يكون قد فتح بابا واسعا تستطيع الزوجة من خلاله ولوج القضاء لطلب التطليق للشقاق ، و الحصول عليه متى تمسكت به بناء على أسباب تتضرع بها و لو كانت تتعلق بحالات  أخرى لطلب التطليق ، على اعتبار أن الشقاق يستوعبها جميعها في ظل غياب التعريف التشريعي له يحدد نطاقه و يحصر حالاته ، في حين أنه مادام أن المشرع حدد في مدونة الأسرة لكل سبب من أسباب التطليق المنصوص عليها في المادة 98 أحكامها و مسطرتها الخاصة بها ، فان المنطق القانوني يقتضي أن تبادر المحكمة إلى عدم الاستجابة لطلبات التطليق للشقاق ، إلا إذا كانت مؤسسة حسب قناعتها على مبرر موضوعي و مقبول ، يكشـف في عمقـه عن وجود نزاع عميـق و مستمر يتعذر معه استمرارية العلاقة الزوجية ، و ذلك بعد قيامها بكل الإجراءات القانونية الضرورية التي توصلها إلى هذه القناعة .

عموما فالسماح للزوجين أو أحدهما باللجوء إلى القضاء لطلب حل كل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق ، من شأنه بناء على ما سبق أن يساهم في معالجة بعض الأسباب الكامنة وراء ارتفاع نسبة الطلاق و التطليق ببلادنا ، إذا ما تم تفعيل الإجراءات المسطرية لدعـوى الشقاق في اتجاه يراعي هاجس الحفاظ على استقـرار و تماسك الأسرة ، تفنيذا للرأي السائد بكون مسطرة الشقاق وسيلة سهلة للحصول على التطليق في أقرب وقت و بأبسط الإجراءات .

ــــــــــــــــ

 (1) حكم رقم 67 في ملف شخصي عدد 579/04 (غير منشور) .

 

22

 

 

المطلـب الثانـي : الحـالات الأخـرى لتطبيـق مسطـرة الشقــــاق

 

هذه الحالات التي يحيل بشأنها المشرع من خلال بعض مواد مدونة الأسرة على مسطرة الشقاق ، تشكل في الحقيقة تطبيقات للسبب العام و الرئيسي المتمثل في وجود نزاع بين الزوجين يخاف منه الشقاق ، حيث تتحدد على سبيل الحصر فيمـا يلــي :

أولا : إخلال أحد الزوجين بواجباته .

ثانيا : عدم إثبات الزوجة للضرر الموجب للتطليق .

ثالثا : عدم استجابة الزوج لطلب الخلع المقدم من طرف الزوجة .

رابعا : رفض الزوجة للرجعة .

و سندرس بتفصيل كل حالة على حدة من هذه الحالات الموجبة لتطبيق مسطرة الشقاق .

الفقـرة الأولـى : إخـــلال أحـــد الزوجيـــن بواجباتـــه

يعتبر عقد الزواج من أهم و أخطر العقود التي يمكن للإنسان أن يبرمها في حياتـه ، نظرا للآثار التي يرتبها تجاه طرفيه و المجتمع بشكل عام ، فخصوصيته من زاوية آثاره اقتضت تدخل الشرع الإسلامي لتنظيم حقوق و واجبات الزوجين حرصا على و حدة الأسرة ، يقول تعالى : ) و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف ( (1) .

فأهم ما يتطلبه الاستقرار الأسري و يحقق للزوجين أجواء السكينة و الراحة النفسية و يدعم روح المودة و الرحمة بينهما ، معرفة كل منهما لواجباته تجاه الآخـر و حسن قيامه بها ، ذلك أن من أهم الآثار الناتجة عن عقد زواج صحيح إنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين ،  متمتعين بحقوقهما و متحملين لواجباتهما التي رتبتها عليهما الشريعة الإسلامية و نظمها القانون بقواعده المنظمة للعلاقة الزوجيـة ، و بذلك فجعلية

ــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة الآية : 228 .

 

 

23

 

 

آثار عقد الزواج جعلته يختلف عن باقي العقود المدنية التي يحكمها مبدأ سلطـان الإرادة (1) .

و قد حددت مدونة الأسرة الآثار الشرعية لعقد الزواج في مادتها 51 التي تنص على أن : » الحقوق و الوجبات المتبادلة بين الزوجين :

1-    المساكنة الشرعية بما تستوجبه من معاشـرة زوجته وعدل و تسوية عند التعدد ، و إحصان كل منهما و إخلاصه للآخـر بلزوم العفـة و صيانة العـرض و النسل .

2-    المعاشرة بالمعروف و تبادل الاحترام و المودة و الرحمة و الحفاظ على مصلحة الأسرة .

3-          تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير و رعاية شؤون  البيت و الأطفال .

4-          التشاور في اتخاذ القرارات المتعلقة بتسيير شؤون الأسرة و الأطفال و تنظيم النسل .

5-    حسن معاملة كل منهما لأبوي الآخـر و محارمـه و احترامهـم و زيارتهم و استزارتهم بالمعروف .

6-                حــق التـوارث بينهمــا « .

 

و بذلك فمدونة الأسرة من خلال هذه المادة جاءت بصياغة جديدة لآثار عقد الزواج بالنسبة للزوجين ، بالجمع بين حقوقهما و واجباتهما على اعتبار أن ما يعتبر حقا لأحدهما فهو واجب على الطـرف الآخر ، خلافـا لما كان عليه الوضع في ظـل

ــــــــــــــــ

 (1) هذا لا يعني أن عقد الزواج لا يخضع لمبدأ سلطـان الإرادة ، بل إن لهذه الأخيـرة دورا مهما في إنشائـه و إنهائه ، كما للمتعاقدين إمكانية الركون إلى إيراد شروط خاصة في صلب العقد أو في اتفاقات خاصة ، حول هذا الموضوع انظر : إدريس الفاخوري ، " دور الإرادة في عقود الزواج على ضوء مدونة الأسرة " ، جريدة الاتحاد الاشتراكي ، عدد ، 7442 .

 

 

24

 

 

مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، حيث كانت تقسم تلك الآثار إلى حقوق و واجبات بين الزوجين (1) ، و حقوق المرأة على الزوج (2) ، و حقوق الزوج على المرأة (3) .

و إذا كانت الغاية من هذا التنظيم التشريعي لآثار عقد الزواج ، ضمان الاستقرار الفعلي للعلاقة الزوجية ، فان إخلال أحد الزوجين بواجباته تشكل من المنظور القانوني خرقا للقانون و للمبادئ التي يقوم عليها عقد الزواج ، لذلك فالطرف المتضرر منهما يمكنه اللجوء إلي القضاء لالزام المخـل بالتنفيـذ العينـي أو الشخصي متى كان ممكن ، و عند الاقتضاء اللجوء إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق طبقا للمادة 52 من مدونة الأسرة .

و فيما يلي نموذجا لحكم قضائي صادر عن ابتدائية الناظور حول تذييل الحكم الأجنبي بالصيغة التنفيذية قضى بالتطليق للشقاق بسبب إخلال الزوجة بواجباتها ، جاء فيه : » و حيث أنه بالرجوع إلى وثائق الملف و خاصة الحكم الأجنبي المراد تذييله بالصيغة التنفيذية من خلال ترجمته إلى اللغة العربية ، يتضح أن المدعي قد استصدر عن القضاء الفرنسي حكما قضى بالتطليق بينه و بين زوجته ، و عللت المحكمة الأجنبية حكمها بكون زوجته قد غادرت بيت الزوجيـة دون عذر ، و أن هذه الواقعة ـــــــــــــــــ

(1) تتمثل طبقا للفصل 34 فيما يلي :" المساكنة الشرعية – حسـن المعاشـرة و تبادل الاحترام و العطـف و المحافظة على خير الأسـرة – حق التوارث بين الزوجين – حقوق الأسرة كنسب الأولاد و حرمة المساهرة "

(2) حددها الفصل 35 فيما يلي : " النفقة الشرعية من طعام وكسوة و تمريض و إسكان – العـدل و المساواة إذا كان الرجل متزوج من واحدة – السماح لزوجة بزيارة أهلها و استزارتهم بالمعروف – للمرأة حريتها الكاملة في التصرف في مالها دون رقابة الزوج إذ لا ولاية للزوج على مال زوجته "

(3) وردت في الفصل 36 كما يلي : " حقوق الرجل على المرأة : صيانة الزوجة نفسها و بحصانها – طاعة الزوجة لزوجها بالمعروف – إرضاع أولادها عند الاستطاعة – الإشراف على البيت و تنظيم شؤونه – إكرام والدي الزوج و أقاربه بالمعروف " .

من خلال المقارنة بين هذه المقتضيات و تلك الواردة في الفصل 51 أعلاه ، يلاحظ أن المشرع من خلال مدونة الأسرة تبنى أسلوبا جديدا عند حديثه عن حقوق و واجبات الزوجين ، خاصة على مستوى استخدامه مصلحات أكثر إنصافا للمرأة ، حيث عمد إلى إلغاء مصطلح "الطاعة" و تكريس مبدأ المساواة بين الزوجين .  

 

25

 

 

تشكل خرقا خطيرا و متجددا لالتزامات و واجبات الزواج مما يجعل الابتعاد عن الحياة المشتركة شيئا لا يطاق ، و حيث أن هذا الحكم قد صدر عن جهـة قضائية مختصـة

و أصبح نهائيا بدليل تسجيله ضمن السجل المدني للوثائـق الملحقة ، كما أنه لم يمس في أي محتوى من محتوياته بالنظام العام المغربي ، و أسس على سبب من أسباب التطليق الواردة في مدونة الأسرة و هو الشقاق للإخلال بالواجبات المتبادلة بين الزوجين « (1) .

الفقـرة الثانيـة : عـدم إثبات الزوجـة للضرر الموجـب للتطليــــق

إن مناط الحكم بالتطليق المؤسس على أحد الأسباب المنصوص عليها في مدونة الأسرة دفع الضرر قبل أو بعد حصوله ، مصداقا لقوله تعالى : ) و لا تمسكوهـن ضرارا لتعتدوا  و من يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ( (2) و قولـه سبحانـه : ) فإمساك بمعروف أو تسريـح بإحسـان ( (3) و قولـه أيضـا : ) و لا تضاروهـن لتضيقوا عليهـن ( (4) ، حيث اعتبر التطليق للضرر من أكثر صور التطليق التي كانت رائجة أمام المحاكم المغربية في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، لكونه يستوعب عمليا حالات كثيـرة للإضرار بالزوجة ، طبقا لفصلها 56 الذي كان ينص على مـا يلـي :

( التطليق للضرر  :

1-    إذا ادعت الزوجة على زوجها إضراره بها بأي نوع من أنواع الضرر الذي لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهـا ، و ثبت ما ادعتـه و عجز القاضي عن الإصلاح بينهما طلقها عليه .

2-    إذا رفض طلب التطليق و تكررت الشكوى و لم يثبت الضرر ، بعث القاضي حكمين للسداد بينهما … ) .

ــــــــــــــــــ

 (1) حكم رقم 448 ملف رقم 1153/2003 بتاريخ 17/05/2004 ( غير منشور) .

(2) سورة البقرة ، الآية : 231 .

(3) نفس السورة ، الآية : 229 .

(4) سورة الطلاق ، الآية : 6 .

26

 

 

فهذا الفصل يعطي للضرر الموجب للتطليق مفهوما عاما (1)  يخضع في تقديـره و إثباته لسلطة القاضي ، حيث كان بإمكان المرأة أن تطلب التطليق لأي ضرر كان كيفما كان نوعه ، ماديا كالإيذاء الجسدي  أو معنويا كالشتم و الإهانة التي يوجهها الزوج لها أو لأفراد عائلتها ، و سواء حصل الضرر منه مباشرة أو من غيره مادامت واجباته الزوجية تفرض عليه تجنيبها منه ، كالضرر الذي يلحق الزوجة من أفراد عائلته الذين يسكنون معها (2) .

غير أن الزوجة عندما تطالب بالتطليق للضرر تصطدم بعقبة إثبات إضرار الزوج بها ، كمظهر من مظاهر إشكالية الإثبات التي يعاني منها المتقاضيـن أمام القضاء ، ذلك أن وجه الصعوبة يتمثل في خصوصية العلاقة الزوجية ، فحتى عندما يكون الضرر حقيقيا أحيانا من الناذر أن يمارس أمام الشهـود ، مما يجعل إثباته متعذرا (3) ، فكيف و الحالة هذه يمكن تصور استمرار العلاقة الزوجية في ظل غياب أي تفاهم بين طرفيها  بسبب إضرار أحدهما بالآخر ؟ ، فإكراه الزوجة المتضررة على الاستمرار في الحياة الزوجية مع رجل تكرهه ، بسبب عدم إثباتها للضرر الموجب للتطليق ، و عدم إعطائها مقابل ذلك إمكانية أخرى لتسوية هذا المشكل ، من شأنه أن جعل لهذا الإجتماع اللامرغوب فيه آثارا سلبية و خيمة لا تقتصر على الأسرة فحسب بل تمتد لتشمل المجتمع الذي يحتضنها .

لذلك  رغبة من المشرع في إيجاد حلول قانونية للعديد من الأوضاع التي كانت سائدة في ظل مدونة الأحوال الشخصية ، فقد أتاح طبقا للمادة 100 من مدونة الأسـرة

ــــــــــــــــ

(1) هذا المفهوم العام للفراغ اقتبسه المشرع من المذهب المالكي الذي يعتبر من أكثر المذاهب توسعا في مفهوم الضرر و الشقاق الذي يخول للمرأة حق طلب التطليق .

(2) أحمد الخمليشي :  التعليق على قانون الأحـوال الشخصية الجـزء الأول ( الزواج و الطلاق )  دار نشر المعرفة ، الطبعة الثالثة ، ص : 585 .

(3) رجاء ناجي مكاوي : " الطلاق و التطليق القضائي : أي مفاضلة بين نظامين لهدم الأسرة "  جريدة العلم عدد 18299 ، الجمعة ربيع الأول 1421 ه الموافق 32 يونيو 2000 .

 

27

 

 

للزوجة التي لم تثبت الضرر و أصرت على طلب التطليق ، إمكانية اللجوء إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق بنصها على أنه : » إذا لم تثبت الزوجة الضرر ، و أصرت على طلب التطليق ، يمكنها اللجوء إلى مسطرة الشقاق « .

و قد دفعت هذه الإحالة بعض الفقه المغربي إلى اعتبار أن سلوك مسطرة الشقاق في حالة فشل إثبات الضرر وتكرر الشكوى ، كان منصوصا عليـه في الفصل 56 من مدونة الأحوال الشخصية (1) ، و بالتالي فهي في اعتقاده لا تعدو أن تكون دعوى تطليق للضرر ، مع فرق بسيط هو أنه خلافا لما كان عليه الحال في مدونة الأحوال الشخصية التي لم تكن تجز بعث الحكمين إلا بعد ثبـوت الضرر و تكرر الشكوى ، يمكن حاليا في ظل مدونة الأسرة اللجوء مباشرة إلى دعوى الشقاق دون المرور عبر دوى التطليق للضرر ، و بذلك فالفهم الدقيق لمسطرة الشقاق دائما حسب هذا الرأي يتوقف على فهم المقتضيات المنظمة للتطليق للضرر في النظام القانوني السابق ، على اعتبار أن الضرر مناط التطليق أما باقي أسبابه الأخرى و منها الشقاق فهي مجرد تطبيقات لهذا السبب العام  مما يفسر أن بعض الكتابات الفقهية التي تناولت موضوع التطليق في ضوء الفقـه الإسلامي تدمج بين الضرر و الشقـاق  تحت عنوان : التطليـق للضرر و الشقاق (2) .

و رغم واجهة هذا الرأي ، فان التشابه المشار إليه بين مسطرة التطليق للضرر في ظل مدونة الأحوال الشخصية و مسطرة الشقاق في مدونة الأسرة ، لم يعد له ما يبرره حاليا لاختلاف المقتضيات القانونية المنظمة لكل منهما ، بحيث أن مسطرة الشقاق أصبحت تعتبر حلا تشريعيا بديلا  تلجأ إليه الزوجة بعد سلوكها دعوى التطليق للضرر و فشلها في إثباته .

ــــــــــــــــ

(1) محمد الشتوي : مرجع سابق ، ص : 214 .

(2) مصطفى السباعي : مدى حرية الزوجين في الطلاق في الشريعة الإسلامية – بحث مقارن – الجزء الثاني ، طبعة 1383 ه / 1962 م ، ص : 788 و ما بعدها .

 

28

 

 

 

الفقرة الثالثة : عدم استجابـة الزوج لطلـب الخلع المقـدم من طـــرف الزوجــــــــــــة

حرصا على عدم جعل الرابطة الزوجية غلا في عنق الزوجة و قيدا لا فكاك لها منه ، فقد جعل لها الشرع و القانون طريقة يمكن لها من خلالها أن تفك عصمتها من زوجها رغم عدم توفرها على أي سبب من الأسباب الموجبة للتطليق ، و هي التي يصطلح عليها فقها و قانونا بالخلـع .

و يعرف الفقهاء الخلع بأنه : عقد معاوضة تملك به المرأة نفسها و يملك به الزوج العوض ، و عرفوه كذلك بأنه صفة حكمية ترفع حلية متعة الزوج بسبب عوض عن التطليق (1) أما المشرع المغربي فقـد نظم أحكام الطلاق الخلعي في المواد 115 إلى 120 من مدونة الأسرة ، حيث يشترط لتوقيع هذا النوع من الطلاق توافر شرطيـن أساسيـن :

1-   تراضي و اتفاق الزوجين على الخلع .

2-   عدم المساس بحقوق الأطفال إذا كانت الأم معسرة .

و بذلك فالطلاق بالخلع يقوم على مبدأ الرضائية ، حيث تنص المادة 115 على أن : » للزوجيـن أن يتراضيا على الطـلاق بالخلع  طبقـا لأحكـام المادة 114 أعلاه « ، حيث يعتبر بذلك نموذجا للطلاق الاتفاقي الذي يمكن من خلاله للزوجين أن يتفقا على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية ، بدون شروط أو بشروط لا تتنافى مع أحكام مدونة الأسرة و لا تضر بحقوق الأطفال .

و ضمانا لمبدأ الرضائيـة في إنهاء العلاقة الزوجيـة عن طريـق الطلاق بالخلع ، فان المشرع أحاطـه  بضمانات قانونيـة ، منها أن غير الراشدة أي دون سن الرشد القانوني إذا خولعت و وقع الطلاق ، إلا أنها لا تلزم ببذل الخلع إلا بموافقة نائبها الشرعي ( المادة 116 ) ، كذلك إذا ثبت أن الخلع وقع نتيجة إكراه و إضرار الـزوج

ـــــــــــــــــ

(1) محمد بن معجوز : "أحكام الأسرة في الشريعـة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية" الجـزء الأول ، الطبعة الثانية 1415-1994 ص : 257 ، نقلا عن ميارة على التحفة 1/234 .

29

 

 

بزوجتـه ، فان هذه الأخيرة و طبقا للمادة 117 يحق لها أن تسترجع ما خالعت به  و ينفذ الطلاق في جميع الأحوال (1) ، فالشرع يحرم على الزوج أن يدفع زوجته إلى مخالعته لقوله تعالى : ) و لا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ( (2) .

وقد ثار خلاف فقهي بخصوص وجوب أو عدم وجوب الخلع عن طريـق القضاء ، بمعنى هل يمكن أن ينشئه الزوجان باتفاقهما و تراضيهما فقط ، أم لا بد لهما من الالتجاء إلى القضاء لاتمام إجراءاته ؟

نظرا لكون الطلاق بالخلع يعتبر كما سبقت الإشارة إلى ذلك نموذجا للطلاق الاتفاقي ، فان إيقاعه لا يقتصر فقط على اتفاق الزوجين على مبدأ الخلع ، بل لا بدا من لجوئهما إلى القضاء من خلال تقديمهما طلبا للتطليق مرفقا بالإذن بتوثيقه ، حيث تحاول المحكمة ما أمكن الإصلاح بينهما ، و إذا تعذر ذلك أذنت بالإشهاد علـى الطلاق و بوثيقة ، كذلك اتفق الزوجان على مبدأ الخلع و اختلفا في المقابل فان مدونة الأسرة في مادته 120 تنص على إمكانية رفع الأمر إلى المحكمة لمحاولة الصلح بينهما ، و إذا لم تنجح فيها حكمت بنفاذ الخلع بعد تقدير مقابله ، مراعية في ذلك مبلغ الصداق و فترة الزواج و أسباب طلب الخلع و الحالة المادية للزوجة .

أما إذا أصرت الزوجة على طلب الخلع و لم يستجب لها الزوج ، يمكن لها طبقا للمادة 120 من مدونة الأسرة اللجوء إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق ، لأن مطالبة المرأة بالخلع يؤكد وجود خلاف بينها و بين زوجها ، و هذا الخلاف قد يتحول إلى نزاع عميق و مستمر نتيجة عدم استجابة الزوج لذلك ، مما يجعلهما يعيشان حالة شقاق يتعذر معها استمرارية العلاقة الزوجية بينهما ، و الشقاق يفرض على المحكمة الحكـم بالتطليق لفائـدة الزوجـة بعد تأكدهـا من وجوده ، من خلال

 ـــــــــــــــــ

(1) بخصوص وسائل إثبات الضرر الدافع إلى الخلع ، أنظر محمد بن معجـوز مرجع سابق ، ص : 260 و ما بعدها .

(2) سورة النساء ، الآية : 9

 

30

 

 

قيامهـا بكل الإجراءات القانونية المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 من المدونـة .

و عليه فاللجـوء إلى مسطـرة الشقـاق في هذه الحالة يعتبـر حلا قانونيا بديلا ، أتاحه المشرع للزوجة قصد طلب تسوية النزاع القائم بينها و بين زوجها الذي يرفض طلب الخلع الذي تقدمت به و تصر عليه .

الفقـرة الرابعـة : رفـض الزوجـة  للرجعـة

ينقسم الطلاق شرعا و قانونا إلى رجعي و بائن ، و من آثار هذا التقسيم : أن الطلاق البائن ينهي العلاقة الزوجية بمجرد وقوعه ، بحيث يمنع على الزوج أن يراجع زوجته خلال فترة العدة إلا بعقد جديد تتوافر فيه كافة الشروط و الأركان المتطلبة في كل عقد زواج صحيح ، في حين أن الطلاق الرجعي لا ينهي العلاقة الزوجية حالا و إنما هو إنذار بهذا الإنهاء الذي يتحقق بانقطاع فترة العدة ، و هو ما يعطي للزوج خلالها الحق في أن يراجع زوجته المطلقة لاستئناف حياتهما الزوجية دون حاجة إلى عقد جديد .

و هذا الحق المخول للزوجة في الطلاق الرجعي هو الذي يصطلح عليه في الشرع و القانون بالرجعة ، حيث عرفها الفقيه ابن عرفة بقوله : » الرجعة رفع الزوج أو الحاكم حرمة المتعـة بالزوجة لطلاقهـا « (1) ، و هو حق ثابت في قوله تعالى : ) و بعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ( (2) .

و من المسائل الخلافية حول موضوع الرجعة مسألة الإشهاد عليها ، بحيث انقسم الفقهاء بشأنها إلى رأيين : الأول : يرى بأنه يجب على الزوج أن يشهد عدلين على الرجعـة و ذلك بقولـه تعالى : ) و أشهدوا ذوي عدل منكم ( (3) لأن الأمـر

إذا أطلق انصرف إلى الوجوب ، و الثاني و من أنصاره الإمام مالك رحمه الله  ــــــــــــــــ

(1) أشار إليه  ، محمد بن معجوز ، مرجع سابق ، ص : 302 .

(2) سورة البقرة ، الآية : 228 .

(3) سورة الطلاق ، الآية : 2 .

31

 

 

فيعتبر أن الإشهاد أمرا مندوبا لا واجبا ، و بذلك فلإشهاد على الرجعة أمرا مستحبا مثل الإشهاد على سائر الحقوق (1) .

هذا الخلاف الرائج في الفقه الإسلامي حول الإشهاد على الرجعة نجد تطبيقاته في العمل القضائي المغربي ، بحيث أن المجلس الأعلى باعتباره أعلى جهة قضائية ببلادنا لم يستقر على موقف موحد بخصوص هذا الموضوع ، كما تؤكد ذلك بعض قراراته ، حيث نجده تارة يتبنى الرأي القائل بوجوب الإشهاد على الرجعة بقضائـه : »  … و أن إعلام العدل السيد الفاسي للمطلوبة برجعتها و سكوتها على ذلك ، نعم أن ذلك على فرض ثبوته لا يفيـد مادام لم يتـم ذلك بحضور عدلي الإشهاد بالرجعـة ، لأن الرجعة كالنكاح لا تثبت إلا بعدلين « (2) ، و تارة أخرى يأخذ برأي الإمام مالك القاضي بعدم وجوب ذلك  كما جاء في قراره  : » بمقتضى المادة 68 من المدونة فان الزوج من الطلاق الرجعي أن يراجع مطلقته بدون صداق و لا ولي أثناء العـدة ، و بذلك فلمحكمة عندما ثبت لديهـا إرجاع الطاعن من خلال الوثائـق و سلطتها التقديرية لزوجته إلى بيت الزوجية ، لم تكن في حاجة إلى التأكد من رسم الرجوع ، لأنه كما ذهب إليه جمهور المالكية لا تجب الشهادة في الرجعة و إنما تستحب ، و لذلك لم تخرق الفصل 5 من مدونة الأحوال الشخصية الذي لا موجب لتطبيقه ، لأنه يتعلق بحالة إرجاع الزوج لزوجته المطلقة « (3) .

و لتجاوز هذا الخلاف نص المشرع في مدونة الأسرة على وجوب الإشهاد على الرجعة و إخضاعها لرقابة القضاء ، ضمانا لحقوق الزوجين و تفاديا لأي نزاع مستقبلي بينهما ، بحيث إن الزوج وفقا للمادة 24 إذا رغب في إرجاع زوجته المطلقة

ـــــــــــــــــ

(1) الشيخ خليل المالكي : مختصر خليل ، طبعة 1401 ه طبعة دار الفكر ، ص : 148 .

 (2) قرار عدد 150 الصادر بتاريخ 16 مارس 1981 في الملف الاجتماعي رقم 88867 ، منشور في مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 28 السنة السادسة ، دجنبر 1981 ، ص : 144 .

(3) قرار عدد 828 الصادر بتاريخ 7/02/1984  ( أشار إليه عبد المجيد غميجة في :" موقف المجلس الأعلى من ثنائية الفقه و القانون في مسائل الأحوال الشخصية " ، أطروحة الدكتوراه ، جامعة محمد الخامس أكدال ، السنة الجامعيـة 1999 / 2000 ، ص : 438–439 ) .

 

32

 

 

طلاقا رجعيا عليه أن يشهد على ذلك عدلين يقومان بإخطار القاضي بذلك ، و قبل خطاب هذا الأخير على وثيقة الرجعة يجب عليه استدعاء الزوجة المطلقة لإخبارها بما ينوي الزوج فعله لمعرفة موقفها ، فإذا وافقت على الرجوع إلي بيت الزوجية فلا إشكال يطرح ، أما إذا امتنعت و رفضت و أصرت على ذلك فان القانون خولها حق اللجوء إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق  ، قصد تسويـة هذا النـزاع و ضمان كافة حقوقها الشرعية و القانونية .

و إخضاع الرجعة لهذه الإجراءات القانونية التي يشرف عليها القضاء ، لا يعني إفراغها من غايتها الشرعية بقدر ما يعتبر ذلك استجابـة للحاجة الملحة التي أصبحت تفرض ضبط العلاقات الأسرية بالتوثيق ، حماية لحقوق أفراد الأسرة و توخيا للعدل و المساواة و المعاشرة بالمعروف ، كضوابط حرص المشرع على ضرورة مراعاتها في كل ما يتعلق بتطبيق مدونة الأسرة .

و هكذا يتضح من خلال دراستنا لهذه المبررات المتعلقة بتطبيق مسطرة الشقـاق ، أن المشرع المغربي توخى من خلالها معالجة أوضاع محددة و معقدة تنم عن وجود صعوبات حقيقية تواجهها الأسرة نتيجة النزاع القائم بين الزوجين ، و الذي إذا لم يتم تسويته قضائيا وفق إجراءات قانونية ستكون له لا محالة نتائج سلبية على أفرادها و على المجتمع برمته .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

33

 

 

الفصـل الثانـي : إجراءات تسويـة النزاعات الزوجيـة في دعــــاوي الشقـــــاق

 

نظرا لكون مسطرة الشقاق ترمي إلى معالجة الصعوبات التي تواجهها العلاقة الزوجة ، فان إجراءاتها تكتسي طابعا وقائيا ، حيث إن المحكمة المختصة ملتزمة قانونا قبل اللجوء إلى الفصل في دعاوي الشقاق المعروضة عليها عن طريق الحكم بالتطليق ، القيام بكافة المحاولات الرامية إلى تسويتها  وديا من خلال الصلح بين الزوجين .

و حيث إن الصلح في دعاوي الشقاق يشكل مبدئيا وسيلة وهدفا في نفس الآن لتسوية النزاعات الزوجية ، فإننا سنتعرض له باعتباره حلا بديلا للتطليق ( المبحث الأول ) تتوقف نتيجته على سلوك مسطرة خاصة ( المبحث الثاني ) .

 

المبحث الأول : الصلح حــل بديـــل للتطليـق في دعــاوي الشقـــاق

 

في ظل تنامي الوعي بأهمية الطرق البديلة لتسوية المنازعات  خاصة في مجال العلاقات الزوجية (1)، حظي الصلح باهتمام بالغ من طرف المشرع المغربي في مدونة الأسرة ، بجعله حلا بديلا للتطليق يسمح للزوجين بالمشاركة فيه حماية لاستمرارية علاقتهما الزوجية ، و تفاديا للآثار السلبية التي تنجـم عن تفكـك الأسرة ،حيث إن الحاجـة العمليـة اقتضت اللجوء إليه مراعاة لطبيعة العلاقة الزوجية التي يغلب عليها طابع السرية و الخصوصية … الخ .

ــــــــــــــــ

(1) محمد سلام : أهمية الصلح في النظام القضائي المغربي و المقارن ، مجلة المحاكم المغربية ، عدد 93 مارس/أبريل 2002 ، ص : 13 و ما بعدها .

 

 

34

 

 

و بناء عليه فدراسة الصلح كحل بديل للتطليق في دعاوي الشقاق يقتضي التعرض إلى خصائصه ( المطلب الأول ) ، وضمانات تفعيل إجراءاته ( المطلب الثاني ) .

 

المطلـب الأول : خصائـص إجــراء الصلـح في دعــــاوي الشقـــــاق

 

يتميز الصلح طبقا للمواد المنظمة له في مدونة الأسرة بمجموعة من الخصائص يشترك في بعضها مع  العقود المدنية الأخرى ، و البعض الآخر ينفرد به نظرا لخصوصية المجال الذي يجري فيه ، حيث يمكن إجمالها فيمـا يلـي :

- وقوع نزاع بين الزوجين و سبقية رفع دعوى الشقاق

- إلزاميـة القيـام بالصلـح من طـرف المحكمـة

- رضائيـة إجـراء الصلح في دعـاوي الشقـاق

الفقرة الأولى : وقوع نـزاع بين الزوجيـن و سبقية رفـع دعـوى الشقـاق

فلئن كان المشرع المغربي و على غرار باقي التشريعات الوضعية المقارنة يسمح في بعض الحالات خاصة في مجال عقود التجارة الدوليـة ، باللجوء إلى إجراءات الصلح لتفادي الآثار المستقبليـة التي قد تنجم عن كل نزاع متوقـع حدوثـه ، على اعتبار أن عقد الصلح طبقا للفصل 1098 ق . ل . ع  يرمي إلى السماح للمتعاقدين بحسم النزاع القائم بينهما أو الذي يتوقيان وقوعه (1) ، فان من الخصوصيات المميزة للصلح في دعاوي الشقاق كتدبير بديل لتسوية النزاعات الزوجية ، أن تفعيل إجراءاته يقتضي ضرورة وجود نزاع بين زوجيـن كيفما كانت

ــــــــــــــــــ

 (1) يجد هذا الفصل مصـدره في المادة 2044 من القانون المدني الفرنسي التي تعـرف الصلـح بما يلـي :

"La transaction est un contrat par la quel les parties terminent une contestation née ou préviennent une contestation à naitre "   .                                                               

35

 

 

 طبيعته و أسبابه ، أدى الخوف من تحويله إلى شقاق بينهما إلى لجوئهما معا أو أحدهما إلى القضاء ، لطلب حله وفق الإجراءات المسطرية المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 من مدونة الأسرة .

لذلك فمادامت غاية الصلح في دعاوي الشقاق محاولة تحقيق تسوية ودية للنزاعات الزوجية ، فان انتفاء النزاع بين الزوجين يعني بمفهوم المخالفة عدم الحاجة إلى إجرائه بينهما ، بحيث إن الصلح و النزاع في الشرع و القانون مرتبطان عمليا من حيث الوجود و العدم (1) .

غير أن اشتراط سبقية رفع دعوى الشقاق لإجراء الصلح بين الزوجين ، لا ينفي أحقيتها في اللجوء إليه مباشرة دون الالتجـاء إلى القضاء ، لما يتيحه ذلك لهمـا من إمكانية الحفاظ على أسرار علاقتهما الزوجية و عدم إفشائها في جلسات المحكمة ، خاصة و أن من مظاهر اهتمام الإسلام بالأسرة حرصه على أن تظل الخلافات التي تنشأ بين الزوجين محصورة في بيت الزوجية بقدر الإمكان ، من خلال السعي إلى حلها وفق المنهج الإسلامي لحل النزعات الزوجية الذي يقوم على أساس الصلح بينهما ، حيث يقول تعالى في كتابه العزيز : ) و اللاتي تخافون نشوزهن فعضوهن و اهجروهن في المضاجع و اضربهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ( ، و قوله سبحانه : ) و إن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا و الصلح خير و أحضرت الأنفس الشح و إن تحسنوا و تتقوا فان الله كان بما تعملون خبيرا ( (1) و قوله أيضا : و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيـرا ( ، فالمنهج

 ــــــــــــــــ

 (1) محمـود محجوب عبد النور : "الصلح و أثره في إنهاء الخصومة في الفقه الإسلامي "، الطبعة الأولى  1407ه / 1987 م ، ص : 34 .   

(2) سورة النساء ، الآية : 128 .

 

36

 

 

الإسلامي المتكامل بالنسبة لحل النزاعات الزوجية يقوم على أساس الصلح بين الزوجين لمجرد الخوف من وقوعها ، مما يعكس هاجسه في الحفاظ على استقـرار و تماسك الأسرة ، أما إذا فضل الزوجان أو أحدهما وفق مدونة الأسرة اللجوء إلى القضاء لطلب حل النزاع القائم بينهما ، فان تفعيل إجراءات الصلح بشأنه يتوقف على رفع الدعوى في الموضوع أمام المحكمة المختصة .

الفقـرة الثانيـة : إلزامية القيام بالصلح من طرف المحكمــة

إن أهمية الصلح النظرية و العملية في تسوية النزاعات الزوجية من حيث مساهمته في تخفيف العبء عن القضاء و الخصوم ، و تحقيق العدل و نشر السلم الاجتماعي بالمحافظة على استقرار الأسرة ، دفعت المشرع من خلال المدونة الجديدة إلى إضفاء الطابع الإلزامي عليه ، بحيث إن المحكمة ملزمة باللجوء إلى تفعيل إجراءاته بمجرد عرض النزاع عليها من طرف الزوجين أو أحدهما طبقا للمادة 94 التي تنص على أنه : » إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لاصلاح ذات البين طبقا لأحكام المادة 82 أعلاه « .

 و بذلك فإجراءات الصلح في دعاوي الشقاق مهمة و ضرورية ، لكونها من متعلقات النظام العام التي لا يجوز للمحكمة مخالفتها أو التغاضي عنها ، تحت طائلة بطلان الحكم الصادر في موضوع النزاع ، لما في ذلك من مس بحق من حقوق الدفاع التي حرص المشرع على أن يمارس من طرف القضاء لمصلحة طرفـي النزاع ، و هو ما أكده المجلس الأعلى في العديد من قراراته التي أصدرها في الموضوع ، منها قراره الصادر بتاريخ 19 أبريل 1980 الذي جاء فيه : » … أن إجراء التصالح من النظام العام … « (1) .

ـــــــــــــــــ

(1)قرار رقم 164 ، في الملف الاجتماعي عدد 153/81 ( أشار إليه محمد الكشبور في قانون الأحوال الشخصية – الزواج و الطلاق – الطبعة الأولى 1411ه/1991 م .ص : 243 ) .

 

 

37

 

 

و إذا كان المشرع المغربي قد حسم في المرحلة التي يجب أن يجرى فيها الصلح بين الزوجين في دعاوي الشقاق ، بعد إلغائه للطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة عن قضاء الأسرة ، في جانبها القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية طبقا للمادة 128 من المدونة (1) ، فان تلك المرحلة أثارت خلافا فقهيا و قضائيا في ظل التطبيق القضائي لمدونة الأحوال الشخصية حول مدى اقتصار إجراء الصلح بين الزوجين على المرحلة الابتدائية بعد إثارة دعوى التطليق ، أم يجب القيام به حتى بعد الطعن في الحكم الصادر فيها بالاستئناف ، حيث اقتضى حسمه تدخل المجلس الأعلى الذي قضى في بعض القرارات التي أصدرها بهذا الخصوص ، أن الصلح باعتباره إجراء أوليا و جوهريا إضافة لتعلقه بالنظام العام ، يجب تفعيل إجراءاته في جميع المراحل التي تمر منها الدعوى ابتدائيا و استئنافيا ، كما يستفاد من القرار الصادر بتاريخ 12 غشت 1983 الذي جاء فيه: » حيث تبين صدق ما نعته الوسيلة على القرار المطعون فيه ، ذلك أن الطاعن تمسك بهذا الدفع أما المحكمة الدرجة الثانية ، فأجابت عنه بأن هذا الإجراء لا يكون ضروريا إلا عند عدم قيام الحجة على الضرر في حين أنه سواء في ذلك مدونة الأحوال الشخصية أو قانون المسطرة المدنية في فصله الثاني عشر بعد المائتين جعلا من محاولة الإصلاح بين الزوجين إجراء جوهريا تفتح به دعوى التطليق « (2) .

وفي معرض رده على هذا التوجه الذي نحاه المجلس الأعلى بشأن إجراء الصلح من طرف محكمة الاستئناف أشار الأستاذ أحمد الخمليشي أن الصلح مأمور به قبل المرافعات القضائية ، لذلك إذا فشلت محاولاته في البداية و واصل الطرفان إجراءات التقاضي إلى أن صدر الحكم في الدعوى ، فلا تبقى فائدة في فرض الصلح من جهة على محكمة الاستئناف (3) .

ــــــــــــــــ

 (1) جاء في فقرتها الأولى : " المقررات القضائية الصادرة بالتطليق أو بالخلع أو بالفسخ طبقا لأحكام هذا الكتاب ، تكون غير قابلة لأي طعن في جزئها القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية " .

(2) هذا القرار منشور بمجلة القضاء و القانون عدد مزدوج 133-134 ص :190 و ما بعدها .

(3) أحمد الخمليشي : مرجع سابق ، ص : 405 .

38

 

 

و لأجل رقابة مدى احترام المحكمة المختصة لإجراءات الصلح ، فإنها ملزمة قانونا بالإشارة إلى نتيجته في الأحكام التي صدرها بخصوص دعاوي الشقاق ، لأن القضاة يعلنون معرفتهم للواقع و القانون في ورقة الحكم ، ومن خلال هذا الإعلان تتحدد المبررات و الأسباب التي تحمل نتيجة أحكامهم ، ذلك أن تسبيب الأحكام يعتبـر من القيود الأساسية المفروضة على سلطة المحكمة في تفعيلها لمسطرة الشقاق ، خاصة فيما يتعلق بقيامها بمحاولة الصلح بين الزوجين بناء على إرادتهـم و رضاهم .

الفقـرة الثالثـة : رضائيـة إجـراء الصلح فـي دعــاوي الشقــــاق

يشمل منهج التراضي طبقا للشرع و القانون جميع القضايا و المشاكل التي تمس الحياة الزوجية طيلة مراحلها ، فعلى ضوئه يمكن للزوجين أن يجتهدا في إيجاد الصيغ الملائمة لسعادتهما في إطار مقاصد عقد الزواج و نظامه ، بحيث إذا كان المشرع من خلال مدونة الأسرة قد خول للمحكمة صلاحيات مهمة بخصوص تفعيل إجراءات الصلح بين الزوجين في دعاوي الشقاق ، إلا أن نتيجة ذلك تبقى متوقفة على إرادتهما نظرا لكون الصلح يرتكز على أساسين : إرادة أطراف النزاع و إقرار المشرع لهذه الإرادة (1) .

فالصلح باعتبار الغاية منه رفع النزاع و قطع الخصومة بين المتصالحين برضاهما ، فان عنصر التراضي فيه ضـروري و لازم ، شأنه في ذلك شـأن باقـي العقود المدنية الأخرى ، مما يجعـل منه نموذجا لتطبيـق بعض القواعد المرتبطـة بنظرية العقد عليه ، بحيث إذا شابه عيب من عيوب الإرادة كالإكـراه أو

ـــــــــــــــــ

(1) يس محمد يحيـى : " عقد الصلح بين الشريعة الإسلاميـة و القانون المدني – دراسـة مقارنـة – فقهيـة ، قضائية ، تشريعية" ، دار الفكر العربي 1978 ، ص : 34 .

 

 

 

 

39

 

 

 التدليس ، يمكن نقضه من طرف الطرف المتضرر وفقا للقواعد القانونية المقررة لكل عيب من هذه العيوب  (1) .  

و من مظاهر رضائية إجراء الصلح بين الزوجين في دعاوي الشقاق ، أن العوض فيه يكون في شكل تنازل متبادل لكل منهما عن حقه في كل ما يدعيه بشأن النزاع القائم بينهما ، و تعهده على معاملة الآخر معاملة حسنة وفق ما تقتضيه المعاشرة بالمعروف ، عن طواعية و اختيار و على سبيل التسامح بينهما (2) ، فليس هناك في القانـون ما يفيد الوجوب في اللجوء إلى الصلح من طرف الزوجين ، لذلك فالمحكمة لا يمكنها أن تباشر محاولات إصلاح ذات البين بينهما إلا بعد استشارتهمـا و موافقتها و تأكدها من ذلك .

و مما يجدر بنا التأكد عليه أن إجراء الصلح طبقا للمنهج الإسلامي المتكامل بخصوص إنهاء النزاعات الزوجين ، يقوم على أساس مبدأ التراضي بينهما ، كما يستنتج ذك من قوله تعالى : ) فلا جناح عليهما  أن يصلحا بينهما صلحا، و الصلح خيرا ( و كذلك قوله سبحانه : ) إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ، إن الله كان عليما خبيرا (  فالآيتين الكريمتين تتضمنان ألفاظا توحي بتحبيب الصلح للزوجين لحل خلافاتهما وديا مع إزالة كل ما يشعر  بالإلزام في اللجوء إليه ، حتى تكون النفوس سمحة تريد أن تتصالح على الخير و مستحضرة لكل المشاكل الناجمة عن تفكك الأسرة ، مما يعكس سمو التشريع الإسلامي في معالجة النشوز و الشقاق بين الزوجين .

ـــــــــــــــــ

 (1) من المستجـدات التي جاءت بها مدونـة الأسرة إخضاعها عقد الزواج للقواعد المتعلقة بعيـوب الإرادة ، حيث تنص المادة 63 على أنه : " يمكن للمكره و المدلس عليه من الزوجين بوقائع كان التدليس بها هو الدافع الى قبول الزواج أو اشترطها صراحة في العقد ، أن يطلب فسخ الزواج قبل البناء و بعده خلال أجل يتعدى شهرين من يوم زوال الإكراه ، و من تاريخ العلم بالتدليس مع حقه في طلب التعويض" .

(2) هذا التنازل المتبادل بين الزوجين في حالة الصلح ، هو الذي يميـزه عن باقي التصريحات الحاسمـة و الواقعية للمنازعات كالإبراء و ترك الخصومة و اليمين الحاسمة … الخ .

 

 

40

 

 

المطب الثاني : ضمانات تفعيـل محاولات الصلح في دعاوي الشقـــاق

 

إن التوجه التشريعي الذي نحاه المشرع بخصوص تسوية النزعات الزوجية عن طريق الصلح بين الزوجين في دعاوي الشقاق ، يجد مبرراته انطلاقا من اهتمامه المتنامي بالأسرة للحفاظ على استقرارها و ضمان  استمراريتها في أداء وظيفتها داخل المجتمع باعتبارها نواته الأساسية ، و كذا تجنيب أفرادها كافة الآثار السلبية الناجمة عن تفككها ، لذلك فان ضمان تفعيل محاولاته وفق هذا المنظور اقتضى تخويل المحكمة سلطة توجيه مسطرة الشقاق ( الفقرة الثانية ) ، و ضرورة تبليغ الزوجين لحضور جلسة أو جلسات التسوية الودية التي تعقدها ( الفقرة الأولى ) .

الفقـــرة الأولـى : تبليـــغ الزوجيــن فــي دعــــاوي الشقـــاق

تحقيقا لمبدأ الوجاهية و الحضورية في التقاضي ، و احتراما لحقوق الدفاع التي تعتبر من أهم الضمانات الممنوحة للمتقاضين في إطار حسن سير العدالة ، فقد خول المشرع المغربي – شأنه في ذلك شأن باقي التشريعات الإجرائية المقارنة – لأطراف النزاع حق العلم بكافة الإجراءات القضائية المرتبطة بمركزهم القانوني في الدعاوي المرفوعة ، أو التي تتعلق بكل إجراء أولي لرفعها ، و ذلك بتبليغهم بها طبقا لمسطرة التبليغ المقررة قانونا .

فالتبليغ طبقا للقانون يعتبر إجراء قانونيا جوهريـا من إجراءات الدعوى القضائية ، إذ يلازمها طيلة مراحلها المسطرية المرتبطة بسريانها ، بدءا من افتتاحها و انتهاء بصدور الحكم فيها مـرورا بمختلف الإجراءات الأخرى التمهيدية والتحقيقيـة ، و لعل هذا ما دفع الفقه الإجرائي إلى اعتباره عماد المساطر القضائيـة (1) ، لما ينتجه من آثار قانونية هامة ترتبط بمبادئ لها علاقة بالسير الحسن للعدالة ، لذلك فمختلف الآجل القانونية في الدعاوي القضائية تبتدأ من تاريخ التبليغ أي من تاريخ إشعار أو إعلان الطرف المعني .

ــــــــــــــــ

(1) عبد الحميد أخريف : محاضرات في القانون القضائي الخاص ، طبعة 1425 – 2005 ، ص : 210 .

 

41

 

 

و قد نظم المشرع المغربي القواعد العمة للتبليغ في الفصول 37 و 38 و 39 من القانون المسطرة المدنية ، حيث أحاطه من خلالها بمجموعة من الضمانات ترتبط بطرق توجيه الاستدعاء (1) ، و المحل و الأشخاص الذين يصح لهم التبليغ و يصح لهم التسلم (2) ، و الوثائق التي يسلم بعضها إلى المبلغ إليه و يرجع ببعضها إلى المحكمة ، بما تتضمنه من بيانات قانونية لازمة يمكن الرجوع إليها عند الحاجة للتأكد من نجاعة عملية التبليغ .

إلا أنه رغم هذه الضمانات القانونية المرتبطة بالتبليغ  لأجل التفعيل المساطر القضائية ، فان الواقع العملي يثبت أن المشاكـل الإجرائية التي تـؤدي إلى البـطء و تعرقل عملية تسوية و تصفية النزاعات الأسرية بشكل خاص ، سببها معوقات التبليغ  القانونية منها و الواقية التي تكشف عن وجود خلل في النظام القانوني المنظم لإجراءاته ، مما يفتح باب المنازعة في قانونيتها للمطالبة ببطلانها (3) ، يزيد من حدة

ذلك عدم استقرار قضاء المجلس الأعلى بخصوص المشاكل القانونية التي تفرزها عملية التبليغ (4) .

ـــــــــــــــ

(1) ينص الفصل 37 من ق.م.م : "يوجه الاستدعاء بواسطة أحد أعوان كتابة الضبط ، أو عن طريق البريد برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل أو بالطريقة إدارية "، و إذا كان المرسل إليه يقطن خارج المغرب فان الاستدعاء يوجه إليه طبقا للفصل المذكور عن طريق السلم الإداري على الطريقة الدبلوماسية ، عدا إذا كانت مقتضيات الاتفاقية الدولية تقضي بغير ذلك ، كما ينص الفصل 2 من ظهير 25/12/1980 المنظم لمهنة الأعوان الفضائيين لدى المحاكم الابتدائية ينص على أن الأعوان القضائيين يختصون شخصيا بالقيام بعملية التبليغ الازمة للتحقيق في القضايا ، و يمكنهم أن يتكلفوا بتسليم استدعاءات التقاضي ضمن الشروط المقررة في قانون المسطرة المدنية ، بال إضافة إلي ذلك ينص الفصل 39 من هذا الأخير على إمكانية التبليغ عن طريق القيم عند تعذر الطرق الأخرى .

(2) يشير الفصل 38 من ق.م.م إلى أن الاستدعاء يسلم تسليما صحيحا إلي الشخص نفسه أو في موطنه إلى أقاربه أو خدمه أو لكل شخص آخر يسكن معه .

(3) حسن بويقين : إجراءات التبليغ فقها و قانونا ، مطبعة النجاح الجديدة ، الطبعة الأولى 2002 ص : 24 و ما بعدها .

(4) حول موقف المجلس الأعلى بشأن المشاكل القانونية ، يمكن الرجوع إلى : محمد بفقير : مبادئ التبليغ عل ضوء قضاء المجلس الأعلى ، الطبعة الأولى ، 1425 /2005 .

42

 

 

لذلك اعتبارا لكون التفعيل الإيجابي لمسطرة الشقاق يقتضي ضرورة تجاوز كل المشاكل الإجرائية المترتبة عن عملية التبليغ ، فقد حرص المشرع من خلال مدونة الأسرة على تعزيز التبليغ في دعاوي الشقاق بضمانة قانونية خاصة، تمكن المحكمة من اتخاذ كافة الإجراءات القانونيـة الضرورية لتسويـة النزاعـات المعروضة عليها ، من خلال إشراك النيابة العامة لتفعيل مسطرته ، و تحريك المتابعة الجنائية في حق الطرف المخل بتلك الضمانات .

فالتبليـغ فـي دعـاوي الشقـاق لا يخلـو من فرضيتين أساسيتين همـا :

الفرضيـة الأولـى : توصل الطـرف المعنـي بالتبليــغ

إن سريان تطبيق مسطرة الشقاق يتوقف قانونا على حضور طرفي النزاع لجلسات المحكمة تحقيقا للوجاهية و صيانة لحقوق الدفاع ، و كذلك تمكينا للمحكمة من اتخاذ الإجراءات الكفيلة لمعالجة الصعوبات التي تواجه الأسرة ، بفعل النزاع القائم بين الزوجين ، لذلك يتعين على الطرف المبادر إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق أن يمكن المحكمة من كافة البيانات و المعلومات الضرورية المرتبة بهويته و هوية الطرف الآخر ، خاصة فيما يتعلق بالاسم و العنوان الحقيقين و الكاملين ،حتى تكون المحكمة ملزمة قانونا بإخبارهما بكل إجراء مسطري يمكن أن تتخذه في مواجهتهما .

و إذا كان التطبيق القضائي لمسطرة الشقاق يقتضي الحضور الشخصي لطرفي النزاع لأجل تفعيل محاولات الصلح بينهما رغم انتـداب كل طرف محام ينـوب عنه ، فانه يستحسـن أن يتم التبليـغ في دعاوي الشقاق إلى الطـرف المعني شخصيا ، بعد التأكد من هوية الشخص متسلم الاستدعاء بواسطة الوثائق الإدارية المثبتة لها ، مع توقيعه أو بصمه إذا كان لا يعرف التوقيع ، و تنبيهه من طرف عون التبليغ أن كل تحايل أو تدليس من طرفه قد يعرضه لعقوبة جنائية ، بحيث إذا ثبت توصله شخصيا بالاستدعاء و لم يحضر و لم يمكن المحكمة من وسائل دفاعه في مذكرة مكتوبة ، يتم إشعاره من طرف النيابة العامة بأنها ستبت في الطلب في غيبتـه ، و إذا استمر في تخلفه عن الحضور رغم التوصل يمكنها عندئذ إصدار حكمها لحسم النزاع المعـروض عليه ، إذ مما جـاء في الحكـم القضائـي القاضي 

 

43

 

 

 بالتطليق للشقاق و الصادر عن ابتدائية تاونات – قسم قضاء الأسرة – مـا يلـي : » بناء على إدراج القضية بجلسة 27/07/2005 حضرتها المدعية و إلى جانبها دفاعها الذي أدلى بمذكرة مرفقة بوثائق الصفة و تخلف المدعى عليه رغم التوصل فتقرر إعادة استدعائه لجلسة الصلح بغرفة المشورة لجلسة 21/09/2005 التي حضرتها المدعية و تخلف عنها المدعى عليه رغم التوصل الشخصي و حضر إلى جانب المدعية دفاعها فصرحت بأن المدعى عليه يعنفها دائما بالضرب و لا ينفق عليها و لا يدفع مصاريف علاجها و لها منه أربعة أولاد يمسك عليهن النفقة و يهملها كما أنه لا يقوم بتمريضها رغم حاجتها ، لذلك فتقرر الإعلان عن فشل محاولة الصلح نظرا لتخلف المدعى عليه المتوالي فأكدت المدعية طلبها ، و ألقي بالملف مستنتجات النيابة العامة الرامية إلى تطبيق القانون ، لتقرر بذلك حجز القضية للمداولة … « (1) .

و للإشارة فالمشرع من خلال المواد المنظمة للتبليغ في مدونة الأسرة و خاصة المادتين 43 و 81 ، لم يلزم المحكمة باعتماد المسطرة العامة للتبليغ المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية ، لاستدعاء أطراف النزاع في دعاوي الشقاق ، مما يعني بمفهوم المخالفة إمكانية اعتمادها على مسطـرة خاصة للتبليغ تكون أكثر نجاعـة (2) ، خاصة و أن الغمـوض يجب أن يفسـر لما يحقـق مصلحة الأسـرة و الأطفال ، و ذلك حماية لقدسية الحياة الزوجية و حمايتها من التفكك و الانهيار .

ــــــــــــــــ

(1) حكم رقم 515 ، ملف عدد 431/2005 بتاريخ 5/10/2005 ، ( غير منشور ) .

(2) بالإضافة إلى الإجراءات العامة للتبليغ ، نظم المشرع المغربي بعض إجراءاته الخاصة بمقتضى نصوص قانونية أملتها طبيعة بعض القضايا ، منها على سبيل المثال ما يلي :

-          الإجراءات الخاصة لتبليغ من له حق الشفعة

-          الإجراءات الخاصة للتبليغ محضر عدم نجاح الصلح

-          إجراءات تبليغ ورثة المكتري

-          إجراءات تبليغ الأمر بالأداء

للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع انظر : محمد بفقير ، مرجع سابق ، ص : 159 و ما بعدها .

 

44

 

 

الفرضيـة الثانيـة : عدم توصل الطرف المعني بالتبليغ

كل المشاكل القانونيـة و الواقعية الناجمة عن عملية التبليغ ترتبط بهذه الفرضيـة ، على اعتبار أن تخلف المعني بالأمر نتيجة عدم توصله بالتبليغ ، يؤدي إلى تعطيل أو تأخير سريان المساطر القضائية ، لذلك بالنسبة لمسطرة الشقاق فحضور طرفي النزاع مسألة ضرورية ، بحيث إذا كان تخلف الطرف المبادر إلى رفع دعوى الشقاق يفهم منه ضمنيا تراجعه عن طلبه ، فان تخلف الطرف الآخر المعني بالتبليغ يعرقل عمل المحكمة بعدم تمكينها من الإحاطة بكل الجوانب المرتبطة بالنزاع ، و بالتالي القيام بكل محاولات الصلح بينهما ، باعتبـاره إجـراء قانونيـا و جوهريا يمكن للمحكمة على ضوئه إصدار حكم ملائم يراعي حقوق جميع أفراد الأسرة .

لذلك فعندما تستدعي المحكمة الطرف المعني ( الزوج أو الزوجة حسب الأحوال ) و يتعذر عليه الحضور ، فان النيابة العامة تتدخل للسهر على تبليغه بالاستدعاء ، من خلال البحث عن عنوانه قصد الوصول إلى الحقيقة بما يتوفر لديها من إمكانيات .

و إذا ثبت للمحكمة تحايل أحد طرفي النزاع بإدلائه متعمدا بمعلومات خاطئة عن هوية الطرف الآخر تخص اسمه و عنوانه بالأساس ، تحيل الوثائق المثبتة لذلك على النيابة العامة لتطبيق مقتضيات الفصل 361 من القانون الجنائي ، المتعلقة بجنحة التوصل بغير حق بوثيقة مزورة أو محاولة ذلك ، عن طريق الإدلاء ببيانات كاذبة أو انتحال اسم أو صفة أو تقديم معلومات أو إقرارات غير صحيحة ، إلا أن تحريك المتابعة يتوقف على تقديم شكاية من الطرف المتضرر ، على غرار باقي الجرائم ذات الطابع الأسري كالإهمال أو السرقة بين الأزواج … الخ .

و قد أحسن المشرع المغربي صنعا عندما رتب الجزاء الجنائي عن الإخلال بضمانات التبليغ ، في الدعاوي الرامية إلى تطبيق المساطر القضائية المنصوص عليها في مدونة الأسـرة ، لأن من شـأن ذلك أن يساهـم في التقليل من المشاكـل

 

45

 

 

القانونية و الواقعية التي تفرزها عملية التبليـغ ، و أن يمكن المحكمة من ممارسة سلطتها في مجال تسوية النزاعات الزوجية طبقا للقواعد القانونية المنظمة لها .

الفقـرة الثانيـة : سلطة المحكمة في توجيه مسطـرة الشقـــاق

إن تخويل القضاء سلطة تسيير و توجيه الخصومة ، يعكس بجلاء العلاقة الوطيدة بين قواعد الشكل و قواعد الموضوع في الدعاوي القضائية ، ذلك أن قيام القضاء بإضفاء الانسجام بينهما ، يهدف إلى ترتيب الآثار القانونية التي جعلها المشرع لكافة الإجراءات المسطرية قصد حل النزاعات المعروضة عليه .

فسلطة المحكمة في المجال الإجرائي تبرز الدور الهام الذي يقوم به القضاء لمنح الحماية القضائية ، التي بدونها تكون القاعدة القانونية عاجزة عن إنتاج الفعالية الكامنة فيها ، بحيث إن التدخل القضائي في توجيه الخصومة  يقوم على أساس أن المصلحة العامة تتطلب ذلك ، حفاظا على الضمانات الأساسية للتقاضي التي تحمي في مجملها مصالح الدولة من خلال الرقابة و الإشراف القضائي ، و مصالح المتقاضين عبر الحرص على احترام مبدأ الوجاهية و حقوق الدفاع ، لذلك فهو يشكل في الحقيقة مظهـرا من مظاهـر السلطة التقديريـة الممنوحة للقضاء ، الموجهـة و المؤطرة بالقواعد القانونية وفقا للمصلحة المحمية بهذه القواعـد عامة كانت أم خاصة (1) .

و التدخل القضائي في مجال تسير و توجيه الخصومة يقتضي تجاوز المفهوم التقليدي السلبي للحياد ، الذي يعني اكتفاء القاضي على تقدير ما يقدمه الخصوم من أدلة بالطرق و الإجراءات القانونية ، إلى الأخذ بمفهومه الإيجابي التدخلي الذي يعطي له إمكانية الاجتهاد بالبحث و التحري و المواجهة بين الأطراف المتنازعة ، اعتمـادا

 ــــــــــــــــ

(1) نبيل إسماعيل عمر : سلطة القاضي التقديرية في المواد المدنية و التجارية – دراسة تحليلية و تطبيقية – مطبعة المعا ريف الإسكندرية ، الطبعة الأولى 1984 ، ص : 205 .

 

 

 

46

 

 

على ما يخوله له القانـون من صلاحيات في هذا الإطـار لأجل توزيـع العدالة بينهـم (1) .

و يجدر بنا التأكيد إلى أن ما انتهت إليه التشريعات الوضعية بخصوص منح القضاء سلطة توجيه الخصومة ، سبقها إليه الفقه الإسلامي بإعطائه للقاضي صلاحيات مهمة في هذا المجال ، يقول ابن فرحون (2) : » إن نقص من دعواه ما  فيه بيان مطلبه أمره بتمامه ، و إن أتى بإشكال أمره ببيانه  فان صحت الدعوى سأل المطلوب عنها ، و إن أبهم المطلوب أمره بتفسيره حتى يرتفع الإشكال و قيد ذلك إن كان فيه طـول و التباس … « ثم يضيف :» و إن كانت مجملة سألهم عن تفسيرها و إن كانت غير كاملة أعرض عنها إعراضا جميلا ، فأعلم أن المدعـي لم يأت بشيء جديد و منها لا يسمع الدعـوى في الأشياء التافهة الحقيرة التي لا يتشاح العقـلاء فيها « .

و لما كان التوجه التشريعي المكرس في مدونة الأسرة ، يرمي إلى جعل كل القضايا المرتبطة بتطبيقها تخضع لرقابة و إشراف قضاء الأسرة ، و هو ما يمكن تسميته بالتدخل القضائي في مدونة الأسرة (Judiciarisation du code de La famille  ) ، فقد خول المشرع للمحكمة سلطة توجيه مسطرة الشقاق ، بحيث إن الفائدة العملية من ذلك تفعيل الضوابط الإجرائية وفقا لظروف كل قضية ، للحيلولة دون الظلم و التعسف في استعمال رخصة الالتجاء إلى طلب تطبيقها من خلال التحايل على القانون ، خاصة في ظل ضعف الوازع الديني و غياب الوعي القانوني

ـــــــــــــــــ

(1) هذا التدخل القضائي في تسيير و توجيه الخصومة ، يصلح عليه في بعض الأنظمة القانونية المقارنة " بإدارة الدعوى " أي مجموع الإجراءات التي تتم من طرف المحكمة أو تحت إشرافها منذ أول يوم تسجل فيه الدعوى إلى حين البت فيها ، ففي أمريكا مثلا يقوم بذلك قاض يسمى :" القاضي  المكلف بإدارة الدعوى " ، محمد سلام ، الطـرق البديلة لحل نزاعات : التجربة الأمريكية كنمـوذج ، ندوة : الطرق البديلة لتسوية المنازعات ، منشـورات جمعية النشر المعلومات القانونيـة و القضائية ، سلسلت النـدوات و أيام الدراسية ، العدد 2-2004 الطبعة الأولى ص : 76 .

(2) ابن فرحون : التبصرة ، الجزء الخامس ص : 48  .

 

47

 

 

حول المضامين الحقيقية لمسطرة الشقـاق ، لذلك فمصلحة الأسـرة بالدرجة الأولى و مصلحة أفرداها اقتضت تقييد حل النزاعات الزوجية برقابة و إشراف القضاء  .

و المحكمة أثناء ممارستها لوظيفتها القضائية المرتبطة بتفعيل مسطرة الشقاق تخضع لمجموعة من القيود و الضوابط القانونية ، منها ما هو عام يتعلق بجميع المساطر القضائية ، كاحترام موضوع النزاع طبقا لفصل 3 من قانون المسطرة المدنية ، و تسبيب الأحكام الذي يعتبر من أهم الضمانات التي فرضها القانون على القضاة للتأكد من مدى حسن تطبيقهم للقانون ، حيث إن التسبيب يضطلـع بـدور هام في تحقيق احترام القانون للمبادئ الإجرائية التي تكفل حياد القاضي بمفهومه العـام (1) ، و منها ما هو خاص بمسطرة الشقاق تتعلق أساسا بضرورة مراعاة مراحلها الإجرائية ، حيث إن المحكمة ملزمة بالقيام بكل المحاولات التي من شأنها أن تؤدي إلى التوفيق و إصلاح ذات البين بين الزوجين ، إذ لا يجوز لها أن تحكم بالتطليق إلا بعد استنفاذ كل تلك المحاولات ، و في حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين لما في ذلك من تفكيك للأسرة و الإضرار بالأطفال ( المادة 70 من مدونة الأسرة ) ، و كل ذلك مع احترام أجل البت في دعاوي الشقاق المحدد قانونا طبقا للمادة 97 من المدونة في ستة أشهر ، الذي تجاوز من خلاله المشرع الفراغ التشريعي الذي كان في ظل مدونة الأحوال الشخصية ، بخصوص أجل الفصل في القضايا المرتبطة بانحلال العلاقة الزوجية سواء عن طريق الطلاق أو التطليق ، حيث إن طول أجل التقاضي يعرض الأسرة للعديد من المشاكل نتيجة وضعية اللااستقرار التي تكون عليها .

ـــــــــــــــــ

(1) الطيب برادة : الحكم المدني و صياغته ، ص : 113 .

 

 

 

 

48

 

 

المبحث الثاني : مسطرة الصلـح في دعـاوي الشقـاق و أثرها في إنهاء النزعـات الزوجيـــة

إن تفعيل إجراءات الوساطة بين الزوجين قصد محاولة الصلح بينهما طبقا للمادة 82 من مدونة الأسرة ، يقتضي  اعتماد المسطرة القانونية الخاصة بتسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق ، و التي يختلف أثرها على وحدة الأسرة حسب النتيجة التي يخلص إليها من خلال ذلك .

و عليه سنقسـم هذا المبحث إلى مطلبيـن كمـا يلـي :

المطلب الأول : مسطرة الصلح بين الزوجين في دعاوي الشقاق .

المطلب الثاني : اثر إجراءات الصلح في إنهاء النزاعات الزوجية .

 

المطلـب الأول : مسطـرة الصلـح بيـن الزوجيـن في دعــاوي الشقــاق

 

في إطار السلطة المخولة لها لأجل تسوية النزاعات الزوجية من خلال توجيهها لمسطرة الشقاق ، تتمتع المحكمة بصلاحيات مهمة لتفعيل إجراءات الصلح بين الزوجين ، بحيث إن المشرع لم يقيد عملها بوجوب اعتماد إجراء معين أو احترام ترتيب محدد للقيام بذلك ، بل يمكنها اللجوء إلى أي إجراء من تلك الإجراءات ترى فيه إمكانية تحقيق تسوية ودية للنزاع المعروض عليها ، تجنيبا للأسرة من المخاطر الناجمة عن تفككها .

لذلك و من خلال استقرائنا للمواد المنظمة لمسطرة الشقاق في مدونة الأسرة يمكن التمييز بين نوعين من الوساطة لإجراء الصلح بين الزوجين ، الأولى قضائيـة و الثانية غير قضائية (1) .

ـــــــــــــــ

(1) اختلف الفقه حول معيار التمييز بين الصلح القضائي و الصلح الغير القضائي و انقسم إلى رأيين : الأول يرى أن معيار التمييز بينهما هو حصول الصلح في مجلس القضاء أو في عدم حصوله ، فيكون الصلح قضائيا إذا تم في مجلس القضاء و غير القضائي إذا جرى خارجه ، بينما يذهب الثاني إلى القول =

 

49

 

 

الفقـــــرة الأولـى : الوساطــــة القضائيـــــة

نظرا لأهمية الوساطة القضائية في إنهاء النزاعات الزوجية ، فإنها تحظى باهتمام الأنظمة القانونية المعاصرة (1) ، حيث تتمثل طبقا للقانون المغربي في تلك المساعي التي تبذلها المحكمة المختصة لأجل إيجاد تسوية ودية للنزاع المعروض عليها في دعاوي الشقاق ، تتم بحضور الزوجين – بعد استدعائهما وفق ضوابط التبليغ المشار إليها سابقا – شخصيا أو بواسطة دفاعهما في الجلسة الأولى التي تعقدها المحكمة ، حيث جاء في الفصل 180 من قانون المسطرة المدنية أنه : » يجب على الأطراف أن يحضروا شخصيا في هذه الجلسة الأولى أو بواسطة ممثلهم القانوني و تجرى دائما محاولة الصلح « ، و النص على إمكانية الاكتفاء بحضور محامي طرفي النزاع في الجلسة الأولى ، نابع من كون المحكمة غالبا ما تكتفي خلالها بالاستماع الأولي ، و المطالبة بتمكينها من البيانات الغير تامة و التي وقع إغفالها و الإدلاء بالوثائق اللازمة … ، مما يعني أن الحضور الشخصي للزوجين يبقى أمرا ضروريا في الجلسة الموالية لها ، و إذا تعذر ذلك تؤجل القضية إلى جلسة أخرى حتى يتأتى لهما ذلك ، أو اللجوء إلى إصدار حكم غيابي في حق الزوج الذي تخلف عن الحضور رغم توصله شخصيا بالاستدعاء ، لان في الحضور الشخصي تمكين للمحكمة من الشروع في تفعيل إجراءات الصلح القضائي المنصوص عليه في مدونة الأسرة ، و التي تعتبر ضرورية لتسوية النزاع القائم بينهما ، حيث لا يمكن اللجوء إليها في غيبتهما و لو عن طريق الوكالة .

 ـــــــــــــــــ

= أن ذلك المعيار يتحدد في قيام الدعوى من عدمه ، فإذا كانت هناك دعوى أمام القضاء و حصل بشأنها صلح كان صلحا قضائيا ، و إذا لم تكن هناك دعوى أمام القضاء و حصل صلح بين الطرفين حسم النـزاع بينما كان في هذه الحالة صلحا غير قضائي ، الوسيط في القانون المدني ، الشهوري ، الجزء الخامس ، ص : 564 ، و كذا يس محمد يحي ، مرجع سابق ، ص : 428 .

 (1) مثلا في القانون الفرنسي منظمة بمقتضى قانون 8 فبراير 1995 و المرسوم التطبيقي الصادر بتاريخ 22 يوليوز 1996 ، و كذا قانون 4 مارس 2002 :

Annie badu . Mediation familale regarde croises et perspectives . eres . 1997 . p 125                                                                                                                                                              50

 

 

فلئن كان المشرع في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، قد نظم الوكالة في الطلاق طبقا لفصلها 44 ، مجيزا بذلك للوكيل القيام بكل الإجراءات القانونية الضرورية في هذا الإطار نيابة عن موكله بما فيها محاولة الصلح (1) ، فانه سكت عن ذلك في المدونة الجديدة مكتفيا بتنظيمها في الزواج (2) ، و هذا السكون يفسر بحرصه على ضرورة الحضور الشخصي للزوجين لإجراء محاولـة صلـح حقيقيـة ، من شأنها أن تؤدي إلى الحفاظ على كيان الأسرة المهدد بالتفكك .

و بخصوص التطبيق القضائي لمبدأ الحضور الشخصي للزوجين في جلسة الصلح ، نورد حكما قضائيا صادرا عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية الحسيمة جاء فيه : » حيث أن التطليق للشقاق يقتضي حضور الطرفين شخصيا أمام المحكمة للوقوف على أسباب الشقاق و محاولة تقريب وجهة النظر المختلفة .

و حيث أنه أمام تعذر حضور المدعى عليها أمام المحكمة ، يتعذر معه معرفة الشقاق و أسبابه ، و كذلك سلوك المسطرة المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 من مدونة الأسرة .

ـــــــــــــــــ

(1) عبد الله روحمات : الوكالة في صلح الزوجين بين النص القانوني و الواقع العملي ، مقال منشور بمجلة الإشعار عدد 27 غشت 2003 ، ص : 109 و ما بعدها .

(2) تنص المادة 17 من مدونة الأسرة على أنه : "يتم عقد الزواج بحضور أطرافه ، غير أنه يمكن للتوكيل على إبرامه بإذن من قاضي الأسرة المكلف بالزواج وفق الشروط الآتية :

1-        وجود ظروف خاصة لا يتأتى معها للموكل أن يقوم بإبرام عقد الزواج بنفسه .

2-        تحرير وكالة عقد الزواج في ورقة رسمية أو عرفية مصادق عليها توقيع الموكل فيها .

3-        أن يكون الوكيل راشدا متمتعا بكامل أهليته المدنية ، و في حالة توكيله من الولي يجب أن تتوفر فيه شروط الولاية .

4-    أن يعين الوكيل اسم الزوج الآخر و مواصفاته ، و المعلومات المتعلقة بهويته ، و كل المعلومات التي يرى فائدة في ذكرها .

5-    أن تتضمن الوكالة قدر الصداق و عند الاقتضاء المعجل منه و المؤجل ، و للموكل أن يحدد الشروط التي يريد إدراجها في العقد و الشروط التي يقبلها من الطرف الآخر .

6-        أن يؤشر القاضي المذكور على الوكالة بعد التأكد من توفرها على الشروط المطلوبة " .

 

51

 

 

و حيث أنه إبقاء على العلل المذكورة أعلاه يكون طلب المدعي غير ذي أساس ينبغي التصريح بعدم قبوله « .

و بناء عليه فبعد حضور الزوجان و دفاعهما المنتدبان من طرفهما لجلسة الصلح تشرع المحكمة في تفعيل إجراءاته ، حيث تجرى المناقشات بغرفة المشورة التابعة لها (1) ، يتم خلالها الاستماع إليهما حول موضوع النزاع و أسبابه ، مع تعميق البحث و طرح الأسئلة الهادفة عليهما للإحاطة بكل جوانبه و بالتالي الوصول إلى حقيقته التي تمكنها في حالة فشل محاولة الصلح تحديد مسؤوليته المتسبب في الشقاق و استمراره و الباعث عليه ، لما يترتب عن ذلك من آثار عند الحكم بالتطليق (2) .

إن المحكمة و هي تقوم بالوساطة بين الزوجين لإجراء الصلح بينهما ، تضطلع بدور إنساني و اجتماعي جديد يضاف إلى دورها القضائي التقليدي ، لذلك إذا تبين لها من خلال المناقشات التي تجر بها أن المصلحة تقتضي تأخير القضية لجلسة لاحقة تلقائيا أو بناء على طلب الزوجين أو أحدهما ، فلها أن تفعل ذلك مع إشعار الطرفين بتاريخها ، كذلك يمكنها استدعاء كل من ترى فائدة في الاستماع إليه إذا اقتضت إجراءات الصلح ذلك ، مع مراعاة أجل الستة أشهر المحدد قانونا للبث في دعاوي الشقاق .

و إذا بدا لها أن سبب الامتناع عن الكشف عن أسباب الشقاق أمام هيئة الحكم الجماعية المكونة من ثلاثة قضاة و ممثل النيابة العامة و كاتب الضبط ، يرجع إلى تعلقها بأسرار الحياة الزوجية ، فانه يجوز لها أن تعين أحد أعضائها ليتولى الاستماع

ــــــــــــــــ

(1) غرفـة المشورة تعتبر من ضمن الغرف المشكلـة للمحاكم العاديـة في إطار التنظيم القضائي للمملكـة ، أحدثت نتيجة التقسيم الإداري الداخلي لتلك المحاكم أو سندت لها مهام ذات طبيعة خاصة تطلبت إحداثها تتعلق ببعض القضايا التي تتطلب السرية و السرعة .

و رغم أهميتها فان المشرع المغربي لم يفرد لها نصا قانونيا خاصا بها، و إنما اكتفى بالتعرض إلى الدور المنوط بها في عدة قوانين كالمسطرتين المدنية و الجنائية ، و قانون المحامات و مدونة التجارة و مدونة الأسرة …، للمزيد من التفاصيل حول غرفة المشورة انظر : " الطبيعة القانونية لغرفة المشورة " محمد بلهشمي التسولي ، الطبعة الأولى 1422 ه/2002 م المطبعة و الوراقة الوطنية ، مراكش .

(2) الحسن العلمي : مسطرة الشقاق في ظل مدونة الأسرة ، مجلة المعيار ، عدد 32 ، ص: 167 .

52

 

 

إلى الزوجين و الشهود بمكتبه ، حيث بعد قيامه بمهمته و إعداده لتقرير في الموضوع ، يعيد القضية إلى القضاء الجماعي بعد إشعار الطرفين بذلك ، ليواصل إجراءات الصلح بين الزوجين على ضوئه (1) ، وفي حالة وجود أطفال تقوم المحكمة بمحاولتين للصلح تفصل بينهما مدة لا تقل عن ثلاثين يوما ، حسب ما هو منصوص عليه في الفقرة الثانية من المادة 82 من مدونة الأسرة (2) .

و بذلك انطلاقا من الأهمية النظرية التي تكتسيها الوساطة القضائية لتسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق ، من خلال إجراء محاولات الصلح بين الزوجين ، فان التساؤل المطروح : إلى أي حد يتم تفعيلها عمليا من طرف قضاء الأسرة ؟ .

إن التجربة القضائية أثبت منذ دخول مدونة الأسرة حيز التطبيق إلى الآن ، عدم وجود توجه قضائي موحد بخصوص الكيفية التي يجب أن تجرى بها الوساطة القضائية بين الزوجين في دعاوي الشقاق ، كما يستنتج ذلك بوضوح  من خلال الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع ، حيث يمكن التمييز في هذا الصدد بين توجهين : الأول يعتمد الوساطة القضائية وفق الشكل المطلوب قانونا ، و مثاله الحكـم القضائي الصادر عن ابتدائية صفرو – قسم قضاء الأسرة – مما جاء فيه : » … و حيث أن المحكمة أدرجت القضية بغرفة المشورة بتاريخ 1/11 2004 حضرها الزوج و دفاعه و تخلفت الزوجة و حضر دفاعها ، و قررت المحكمة التأخير لجلسة 22/11/2004 اعلم بها الحاضرين .

و حيث أدرجت القضية للمرة الثانية بغرفة المشورة حضرتها الزوجة و تخلف الزوج رغم إعلامه بالحضور و صرحت الحاضرة أن المدعى عليه زوجها لمدة سنة

ـــــــــــــــــ

 (1) الحسن العلمي : مرجع سابق ، ص : 167 .

(2) يعتبر ذلك وعي المشرع بالآثار السلبية لانحلال العلاقة الزوجية بالنسبة للأطفال من خلال إعطاء الزوجين فرص أكثر لمحاولة تسوية نزاعاتهما وديا ، لكن الواقع العملي يؤكد صعوبة القيام بذلك خاصة بالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج الذين يتعذر عليهم حضور أكثر من مرة لجلسة الصلح التي تعقدها المحكمة ، نظرا لانشغالاتهم خارج أرض الوطن .

53

 

 

و لا أولاد لهما و أن سبب الطلاق يرجع إلى زوجها الذي يسيء معاملتها و يمنعها من زيارة أهلها و أنها توصلت بصداقها و أنها غير حامل .

و حيث أن المحكمة استمعت بغرفة المشورة للزوج بجلسة 29/11/2004 حضرها دفـاع الطرفيـن و نفى الزوج أن يكون يسـيء معاملة زوجته و يضربهـا ، و أضاف أنه قضى شهر مع زوجته و أنه لما علم عن طريق مكالمة هاتفية أن زوجته توجد بالمغرب ، و لما حاول زيارتها طلب منه عمها أن يفارقها .

و حيث أن المحكمة حاولت إجراء الصلح بواسطة الحكمين ، عن الزوجة أمها و عن الزوج أخوه ، انتهت بالفشل و أدليا بتقرير حول ذلك .

و حيث أن المادة 94 من مدونة الأسرة تنص على أنه إذا طلب الزوجان أو أحدهما من المحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق وجب عليها أن تقوم بكل المحاولات لاصلاح ذات البين ، كما أن المادة 95 من نفس المدونة تنص على أن يقوم الحكمان أومن في حكمها باستقصاء أسباب الخلاف ، و حيث أن محاولة الصلح باءت بالفشل … (1) .

أما التوجه القضائي الثاني  و يبدو أنه الغالب ، فيعتمد في تسبيب الأحكام الصادرة في الموضوع بالأساس النتيجة التي تسفـر عنها الوساطة الغيـر القضائيـة ، و إن كانت هنـاك إشارة للوساطة القضائية فإنهـا تكون جـد مختصرة ، حيث جاء في الحكم القضائي الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية تاونات : » … و حيث تلتمس المدعية الحكم بالتطليق للشقاق من المدعي .

و حيث انه طبقا للمادة 94 و 82 من مدونة الأسرة يلجأ إلى مسطرة الشقاق في الحالة التي يطلب الزوجان أو أحدهما من الحكمة حل نزاع بينهما يخاف منه الشقـاق ، و تقوم المحكمة بإجراء محاولة إصلاح ذات البين ، و ذلك بانتداب حكمين أو من تراه مؤهلا لذلك .

ــــــــــــــــ

(1) حكم رقم 53 ، ملف رقم 867/2004 ، بتاريخ 26/01/2005 ( غير منشور ) .

 

 

54

 

 

 

وحيث أن تطبيقا للمقتضيات المذكورة انتدبت المحكمة حكمين لمحاولة الإصلاح و التوفيق و استئصال أسباب الشقاق المتعددة بسبب تشبث الزوجة بموقفهـا .

وحيث يتضح من طرف النازلة وجود خلاف مستحكم و مستمر بين الزوجين ما دام لم يتم التوصل إلى أي إصلاح بينهما رغم انتداب حكمين لذلك ، الأمر الذي ينافي ما ينبغي من الزواج من ألفة و معاشرة بالمعروف … (1) .

ومما ورد كذلك وفق هذا التوجه في الحكم القضائي الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية قلعة السراغنـة :» … وحيث أن جميـع محاولات الصلـح والسداد بين الطرفين باءت كلها بالفشل رغم تعيين حكمين من أهلهما و بذلهما جميع المساعي نظرا لاحتدام النزاع بين الطرفين و إصرار الزوجة على طلبها … « (2) .

عموما فهذا الرصد للتوجه القضائي العام المعمول به في مجال تسوية النزاعات الزوجية عن طريق الوساطة القضائية ، ليس الهدف منه التأكيد على أن المحكمة ملزمة قانونا بالتركيز أساسا على وساطتها القضائيـة لإجـراء الصلح بين الزوجيـن ، ولكن بالمقابل التنبيه إلى عدم الجعل منها مرحلة شكلية يبتعد فيها القضاء عن دوره الإيجابي التدخلي ، المنوط به طبقا لمدونة الأسرة في مجال تفعيل مسطرة الشقاق، والذي يؤطره مبدئيا هاجس الحفاظ على كيان الأسرة من التفكـك والانهيار، من خلال القيام بكل الإجراءات القانونية الضرورية لإصلاح ذات البين بين الزوجين ، بما فيها تلك المتعلقة بالوساطة الغير القضائية  (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) حكم رقم 53 ، ملف رقم 867/2004 ، بتاريخ 26/01/2005 ( غير منشور ) .

(2)  ملف رقم 55362004/ بتاريخ 21 /12/2004 منشور بمجلة قضاء الأسرة العدد الأول يوليوز 2005 ص:98-106.

(3) إضافة إلى ما سبق بخصوص الوساطة القضائية في دعاوي الشقاق ، تجب الإشارة إلى آلية أساسية من آلياتها و المرتبطة كذلك بالوساطة الغير القضائية عن طريق التحكيم ، هي ما يصطلـح عليها بالبحث الإضافي ، حيث تنص المادة 96 من مدونة الأسرة أنه :" إذا اختلف الحكمان في مضمون التقرير أو في تحديد المسؤولية ، أو لم يقدماه خلال الأجل المحدد لهما ، أمكن للمحكمة أن تجرى بحثا إضافيا بالوسيلة  =       

 

 

55

 

 

الفقـرة الثانيــة : الوساطـــة غيــــر القضائيــــة

فلئن كانت الوساطة القضائية تتم مباشرة من طرف المحكمة فان الوساطة غير القضائية تتم تحت إشرافها ، حيث تتمثل في تلك الإجراءات التي تلجأ إليها في حالة عدم استطاعتها الإصلاح بين الزوجين ، بغية الإبقاء على الأمل في إمكانية تسوية النزاع القائم بينهما وديا (1) .

ــــــــــــــــ

= التي ترها ملائمة " ، و الملاحظ أن إجراء البحث الإضافي يشبه إلى حد كبير التحقيق التكميلي في القضايا الجنائية طبقا للمادة 282 من قانون المسطرة الجنائية ، حيث رغم أهميته فان المشرع في مدونة الأسرة لم يحدد مضمونه و وسائل تفعيلـه ، بل اكتفى بإعطاء المحكمة صلاحيـات واسعة في هذا المجـال ، و لعل هذا ما يبرر عدم اللجوء إليه في دعاوي الشقاق .

 (1) يعرف المجلس الاستشاري للوساطة الأسرية بفرنسا الوساطة الأسرية بأنها :" عملية مندمجة لبناء أو لاعادة البناء روابط عائلية متمحورة حول استقلالية و مسؤولية الأشخاص المعنيين بأوضاع انفصال العلاقة أو بانفصال الزوجين ، يقوم خلالها شخص محايد أو مستقل مؤهل دون أن يملك سلطة القرار – هو الوسيط الأسري – بإتاحة الفرصة للطرفين عبر جلسات حوار سرية للتواصل وتدبير نزاعاتهم في مجال الأسرة بما هو مجال متنوع و في تطور مستمر .

و قد نشأت الوساطة الأسرية بصيغتها الحديثة بالولايات المتحدة الأمريكية حيث يصطلح عليها بنظام التقييم المحايد ، و منها انتقلت إلى فرنسا في نهاية الثمانينات من القرن الماضي بوصفها مقاربة جديدة و مكملة للقانون في مجال تسوية المنازعات الأسرة المرتبطة بالطلاق أو انفصال الأزواج .

عموما ما انتهت اله التشريعات الوضعية العربية منها و الغربية في مجال الوساطة الأسرية سبق إليها الفقه الإسلامي ، بحيث إنها متجذرة في ثقافتنا العربية الإسلامية و مجتمعنا المغربي ، حول هذا الموضوع انظر : رابطة التربية على حقوق الإنسان " أوراق في الوساطة الأسرة " ، الحلقة الدراسية الجهوية المنظمة لفائدة قضاة الأسرة حول موضوع : " مدونة الأسرة و دور الوساطة في تفعيل مسطرة الصلح " ، تطوان 5 –6-7-8 دجنبر 2005 ، منشورات وزارة العدل و المعهد العالي للقضاء بتعاون مع رابطة التربية على حقوق الإنسان .

 

 

 

 

 

 

56

 

 

و تتحدد تلك الإجراءات طبقا للمادة 82 من مدونة الأسرة ، في انتداب المحكمة حكمين من أهل الزوجين أو مجلس العائلة أو من تراه مؤهلا للقيام بذلك (1) .

أولا : انتـــداب الحكميــــن

التحكيم نظام ذو بعد اجتماعي و إنساني أقره الشرع الإسلامي و تقره القوانين الوضعية الحديثة ، لأجل حل النزاعات التي تنشأ بين الأفراد و أحيانا حتى بين الدـول ، حيث يضطلع بدور هام في تخفيف العبء عن القضاء و اختصار معاناة الأطراف .

و من القضايا التي حث فيها الشرع الإسلامي على اللجوء إلى التحكيم مجرد الخوف من حدوث الشقاق بين الزوجين ، لقوله تعالى : ) و إن خفتم شقاقا بينهما فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها ( ، كما أن معظم القوانين العربية تبعا لذلك نصت على مسألة بعث الحكمين في دعاوي الشقاق و الضرر ، لعل في ذلك رجاء الإصلاح بين الزوجين المتخاصمين (2) .

ـــــــــــــــ

(1) لم يحدد المشرع المقصود بعبارة " من تراه مؤهلا لذلك " هل يعني ذلك إمكانية استعانة المحكمة بالخبراء الاجتماعيين و النفسيين ؟ ، فذلك يعتبر أمرا محمودا لكونه يتماشى مع أحكام الشريعة الإسلامية ، حيث يقول تعالى :" فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، و أهل الذكر في مسائل الخلافات الأسرية هم خبراء علم الاجتماع و علم النفس ، ذلك أن وجود خبير اجتماعي أو نفسي من المسائل المهمة التي تنص عليها المادة 2 من القانون المصري رقم 10 لسنة 2004  المحدث لمحكمة الأسرة ، حيث يقوم بدراسة نقاط الخلاف و الاتفاق داخل الأسرة ، و محاولة التقريب بينهما و رأب الصدع ، كما يكون له دور مهم في اختيار الحكمين من أهل الزوجين ، و هذا من شأنه أن يساعد المحكمة في النهاية للتوفيق و الإصلاح بدلا من الشقاق الذي يؤدي إلى  الانفصال و ما يترب عنه من آثار و خيمة على أفراد الأسرة و المجتمع .

(2) بعض القوانين  العربية تمنع القاضي من التفريق بين الزوجين و لو عجز عن الإصلاح بينهما قبل بحث الحكمين ، حيث تنص المادة 40 من القانون العراقي للأحوال الشخصية في فقرته الثانية أنه : " على القاضي قيل إصدار الحكم بالتفريق أن يعين حكما من أهل الزوجة و حكما من أهل الزوج للنظر في إصلاح البين بينهما " و كذا المادة 96 من القانون الأردني في فقرتها الثانية تنص على أنه :"إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالها يجوز لها أن تطلب من القاضي التفريق ، و حينئذ على القاضي بعد التثبت من النزاع و الشقاق و عجزه عن الإصلاح بينهما بعث حكمين"

 

57

 

 

فما هي شروط الحكمين ؟ و ما هي الصلاحيات المخولة لهما لاصلاح ذات البين بين الزوجين ؟

1- شـــــروط الحكميــــن

لضمان قيام الحكمين بالمهمة المنوطة بهما من طرف المحكمة على أحسن وجه و المتمثلـة في معرفة أسباب النزاع القائم بين الزوجيـن و محاولة الإصلاح بينهمـا ، يتعين أن يتوفر فيهما طبقا للشرع و القانون شرطين أساسين إضافة إلى الشروط العامة الأخرى (1) ، و هما شرط القرابة و شرط العدد ، حيث يقول تعالى : ) فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها  ( ، فالنص عليهما في هذه الآية الكريمة مما لا شك فيه له مغزى و معنى عميقين ، إذ لا يتصور ذكرهما دون أن يكون لهما مقصد شرعي ، و هذا ما يتعين  معه القول بالحرص مبدئيا على وجوب بعث الحكمين من أهل الزوجين لأن كونهما قريبيـن منهما أدرى من غيرهما بأحوالهمـا و أقدر بذلك على الإصلاح بينهما ، كما يجعل الزوجين بعيدين عن كل حرج في التصريح أمامهما بأمور تتعلق بأسرار علاقتهما الزوجيـة ، التي قد لا يرغبان في إذاعتها أمام القضاء أو أمام أي شخص آخر أجنبي عنهما ، حيث بقول ابن العربي : » المسألة التاسعة : الأصل في الحكمين أن يكونا من الأهل ، و الحكمة في ذلك أن الأهل أعرف بأحوال الزوجين و أقرب إلى أن يرجع الزوجان إليهما ، فأحكم الله سبحانه الأمر بأهله « (2) ، كما ذكر السيد قطب : » إن عنصر القرابة يجعل الحرج

ــــــــــــــــ

 (1) وقع بشأن هذه الشروط خلاف فقهي ، حيث ذهـب بعض الفقهاء إلى الاشتـراط فيهما الفقـه و العلم بأحكام النشوز و الأحكام الشرعية و الاجتهاد ، إلى غير ذلك من الشروط التي تعتبر من منظور الواقع المجتمع الحالي تعجيزية نظرا لانتشار الأمية و الجهل ، مما قد يؤدي في حالة التمسك بها من طرف القضاء إلى تعطيل مهمة التحكيم بين الزوجين ، لذلك ينبغي توخي المرونة بشأن ذلك انطلاقا من السلطة التقديرية المخولة للمحكمة لاختياري من تراه مؤهلا للتحكيم بين الزوجين ، إذ يكفي أن تتوفر فيهم الحد الأدنى المقبول من تلك الشروط ، مادام أن الغاية من بعث الحكمين محاولة إصلاح ذات البين بينهما  . 

(2) أحكام القرآن ، الجزء الأول ، ص : 426 .

 

58

 

 

 

مرفوعا و النفـس أكثر اطمئنانـا ، و الأسرار أكثر صونـا و حفاظا من الذيـوع و الانتشار … « (1) .

و في حالة عدم تحقق هذا الشرط بأن لم يكن للزوجين معا أو أحدهما قريب يمكن أن يتولى مهمة التحكيم بينهما ، أو وجد و لكن لا تتوفر فيه الشروط الضروريـة ، يجوز للمحكمة أن تعين شخصين أجنبيين ( أو شخص أجنبي حسب الأحوال ) مؤهلين للقيام بذلك بمقتضى المجاورة أو المخالطة أو الاطلاع ، يقول ابن العربي : » قال علماؤنا : فان لم يكن لهما أهل أو كانا و لم يكن فيهما من يصلح لذلك لعدم العدالة أو غير ذلك من المعاني ، فان الحاكم يختار حكمين عدلين من المسلمين « (2) و جاء في بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد : » اتفق على جواز بحث الحكمين في التشاجر و أجمعوا على أن الحكمين لا يكونان إلا أن يوجد في  أهلهما من لا يصلح لذلك  فيرسل غيرهما « (3) .

إذا كان المشرع المغربي في مدونة الأسرة لم ينص صراحة على شرط القرابة في إجراء التحكيم في دعاوي الشقاق ، فان بعض القوانين العربية بخلاف ذلك ، مثل القانون اللبناني للأحوال الشخصية الذي ينص في مادته 130 على أنه : » إذا ظهر نزاع بين الزوجين وراجع أحدهما الحاكـم ، فالحاكم يعيـن من عائلة الطرفين حكمـا ، و إذا لم يوجد شخص لتعيينه حكما من عائلة الطرفين أو أحدهما  أو وجد لكن غير حائز أوصاف الحكم يعين من يناسبهم من الخارج … « ، و كذا القانون المصري رقم 25 لسنة 1929 المعدل بموجب القانون 100 لسنة 1985 بنصه في المادة 7 على أنه : » يشترط في الحكمين أن يكونا عدلين من أهل الزوجين إن أمكن و إلا فمن غيرهم ، مما لهم خبرة بحالهما و قدرة على الإصلاح بينهما « .

ـــــــــــــــ

 (1) السيد قطب : في ظلال القرآن ، الجزء الخامس ، مطبعة دار إحياء التراث العربي 1961 ، ص : 67 (2) مرجع سابق : ص : 426 .

(3) الجزء الثاني : ص : 74 .

 

59

 

 

و  لئن كان يجوز التحكيم من شخص واحد في بعض القضايا المدنية ، التي لا يتعلق بها حق من حقوق الله ، فانه بالنظـر لخصوصية النـزاع في دعاوي الشقـاق ، يتعيـن احترام شرط العـدد ، كما يستفاد ذلك من قوله تعالى : ) فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها ( ، و كذا من النصوص القانونية المتعلقة بالتحكيم بين الزوجين الواردة في معظم القوانين العربية ،منها المادتين 82 و 95 من مدونة الأسرة ، لذلك لا يجوز التحكيم في دعاوي الشقاق إلا من طرف شخصين أحدهما يمثـل الـزوج و الثاني يمثل الزوجة ، و لا يشترط فيهما الذكورة بل يمكن للمرأة أن تتولى تلك المهمة ، حيث جاء في الحكم القضائـي الصادر عن ابتدائية صفـرو ما يلي : » … و قررت المحكمة انتداب حكمين لتقصي أسباب الشقاق و أن يكون ذلك بتقرير مكتوب ، و كلفت المحكمة أم الزوجة بإعداد تقرير مع أخ الزوج أعلم لها الحاضرين … « (1) .

2- صلاحيـات الحكميـن

يتمتع الحكمين في مجال التحكيم بين الزوجين في دعاوي الشقاق ، بصلاحيات مهمة لأجل محاولة التوفيق و الإصلاح بينهما ، فقد ورد في المادة 95 من مدونة الأسرة أنه : " يقوم الحكمان أو من في حكمهما باستقصاء أسباب الخلاف بين الزوجين و بذل جهدهما لإنهاء النزاع " ، حيث  لا يتقيدان أثناء قيامهما بمهمتهما تلك بأوضاع المرافعات و قواعد القانون ، و إنما يتقيدان فقط بالقواعد الخاصة الواردة في باب التحكيم بين الزوجين ،من بذل الجهد لتقصي الحقائق و التعرف على أسباب النزاع القائم بينهما ودوافعه و خلفياته ، و وضع تقرير بخصوص ذلك يتم رفعه إلى المحكمة في الأجل المحدد من طرفها (2) .

ــــــــــــــــ

(1) حكم رقم 53 ، ملف رقم 867/2004 ، صادر بتاريخ 26/01/2005 ( غير منشور )

(2) أحمد أبو الوفا :التحكيم بالقضاء و الصلح ، منشأة المعارف ، الطبعـة الأولى ، 1964  ص : 19 .

 

 

60

 

 

و عليه يجوز للحكمين اختيار الطريقة المثلى التي من شأنها أن تمكنهم من القيام بمهمتهم ، بما في ذلك الانتقال إلى منزل الزوجين للاجتماع بهما معا أو ينفرد كل حكم بالطرف الذي هو من أهله و الاطلاع على أحوالهما ، و كذا الاستماع إلى أقوالهما لتكوين فكرة أولية عن أسباب النزاع و المتسبب فيه ، مع إمكانية التردد عليهما بين الفينة و الأخرى قصد إتاحة الفرصة لهما عساهما أن يتصالحا و يعيدا علاقتهما الزوجية إلى حالتها الطبيعية ، ثم عقـب ذلك يجتمع الحكمان و يتـداولان و يتبادلان المعلومات بينهما ، حول  النتائج المستنتجة من خلال الحديث الذي أجرياه معا أو أجراه كل واحد منهما مع أحد الزوجين الذي يعنيه .

و لتسهيل مهمتهما و تحقيق غايتها للحكمين أن يذكرا الزوجين بما يجب التذكير به من حقوقهما و واجباتهما المتبادلة ، و وجوب حسن المعاشرة ، و العواقب الوخيمـة التي قد تنتـج عن تفكـك الأسـرة بالنسبـة لهما و لأطفالهمـا إن وجـدوا ، و إشعارهما بأن هذا الخلاف يعتبر من الأمور العادية التي لا يخلو كل بيت منها ، إلى غير ذك من الأمور التي يجب أن يعتمد فيها الحكمان على أسلوب الترغيب و الترهيب ، لتحقيق الغاية التي من أجلها تم انتدابهما في دعاوي الشقاق .

لكن التساؤل المطروح هل تلك الصلاحيات المخولة نظريا للحكمين يتم تفعيلها عمليا ؟ .

إن ما يجري به العمل بخصوص محاولات الصلح بين الزوجين عن طريق التحكيم ، يبرز مما لإيداع مجالا للشك عدم إدراك مضامينها و أهدافها ، بحيث انه في ظل ارتفاع نسبة التطليق للشقـاق منذ دخول مدونة الأسرة حيز التطبيـق إلى الآن ، نتيجـة الإصرار مبدئيـا على طلبه و التشبث به ( خاصة من جانـب المـرأة ) ، و رفض كل المساعي الرامية إلى إجراء الصلح بين الزوجين التي تقوم بها المحكمة ، يجعل مهمة الحكمين تنتهي قبل أن تبدأ ، ذلك أن اللجوء إليهما من طرف المحكمة يكون له عمليا طابعا شكليا لأجل فقط الاستئناس و احترام الإجراءات المسطرية لدعاوي الشقاق ، أما نتيجة النزاع فغالبا يتم الحسم فيها مسبقا في الجلسـة

الأولى التي تعقدها .

61

 

 

عموما في حالة فشل الحكمين إصلاح ذات البيـن بين الزوجيـن أو اختلفـا في مضمون التقريـر أو في تحديد المسؤوليـة ، أو لم يقدماه خلال الأجل المحدد لهما ، فانهما يرفعان الأمر إلى المحكمة لاتخاذ ما تراه مناسبا لتسوية النزاع المعروض عليها (1) ، من خلال إجراء بحث إضافي حوله بالوسيلة التي تراها ملائمة ( المادة 96 مدونة الأسرة ) ، و نفـس هذا المقتضى تنص عليه بعض القوانيـن العربيـة ، كالمجلة التونسية للأحوال الشخصية التي تنص في فصلها 25 على أنه :

ــــــــــــــــ

(1) اختلف الفقهاء حول نطاق صلاحيات الحكمين بين اقتصارها على الإصلاح بين الزوجين أو تمديدها إلى التفريق بينهما ، حيث ذهب فريق منهم إلى القول أن مهمة الحكمين الإصلاح و التوفيق و ليس لهما التفريق  إلا إذا كان وكيلين عن الزوجين بذلك ، و من أصحابـه هذا الرأي الحسن البصـري و عطـاء و قتادة و إليه ذهب أبو حنيفة و الشافعي في القول الثاني ، و ابن حنبل و الظاهريه  ، و أدلتهم في ذلك قوله تعالى " إن يريد إصلاحا يوفق الله بينهما و لم يقل أن يريدا فرقته فإبقاء الحكمين هو لوعظ الظالم من الزوجين و إعلام الحاكم بذلك ليأخذ على يده ، و قال آخرون أن مهمة الحكمين إيجاد حل للشقاق الواقع بين الزوجين ، فان تم الصلح بينهما و التوفيق فذاك و إلا فرقا بينهما لأنه لا يجوز ترك الزوجين ، يعيشان حالة شقاق بل يتعين علاجه و لو عن طريـق التفريـق بينهما عند الاقتضاء ، و قد قال بهذا الرأي سعيـد بن المسيب و اله ذهب الإمام مالك و و الأوزاع و الشافعي في أحـد قوليه و ابن حنبل في أحد الروايتيـن ، و دليلهم في ذلك أن الله تعالى حين قال : " فابعثوا حكما من أهله و حكما من أهلها " دل على أنهما حكمان و لو كان وكيلين لقال ابعثوا و كيلا عن الزوجة و وكيلا عن الزوج ، و لهذا لا يعتبر رضا الزوجين لأن الحاكم يحكم بما يراه من المصلحة ، فان وفق الحكمان إلى الإصلاح كان خيرا و إلا فلهما التفريق بين الزوجين ، فقد أخرج التباري في تفسيره عن ابن عباس في الحكمين أنه قال : " فان اجتمعا أمرهما على أن يفرقا أو يجتمعا فأمرهما جائز " ( الجزء 8 ص : 324 ) .، و مبنى الخلاف بين الرأيين أن الرأي الأول يعتمد على أن الحكم وكيلا و ليس للوكيل تجاوز ما وكل به فان وكل الزوجان أو القاضي الحكمين بالتفريق فرقا و إلا فمهمتهما الإصلاح فقط ، و الرأي الثاني يقول أن الحكمين حاكمان أرسلهما القاضي لحل النزاع القائم بين الزوجين ، و الحاكم يفعل ما يرى به المصلحة في حل النزاع إصلاحا أو توفيقا .

و بذلك يلاحظ أن مدونة الأسرة خالفت رأي المالكية بهذا الخصوص متبنية الرأي الأول القائل باقتصار مهمة الحكمين على الإصلاح دون تجاوز ذلك إلى التفريق بين الزوجين ، الذي يبقى طبقا للمادة 97 من اختصاص المحكمة .

 

 

62

 

 

 » إذا اشتكى أحد الزوجيـن من الإضرار به ، و لا بينة له و أشكل على الحاكم تعيين الضرر بصاحبه يعين حكمين ، و على الحكمين أن ينظرا ، فان قدرا على الإصلاح أصلحا ، و يرفعان الأمر إلى الحاكم في كل الأحوال « .

و كذلك من الوسائل التي يمكن للمحكمة اللجوء إليها لإجراء الصلح بين الزوجين أو للقيام بالبحث الإضافي طبقا للمادتين 82 و 96 من مدونة الأسرة ، ما يصطلح عليه بمجلس العائلة .

ثانيــا : مجلـــــس العائلـــــة

إن إحداث مجلس العائلة يعكس هاجس تدعيم أواصر القرابة التي تجمع بين أفراد العائلة ، لما يتيحه لهم من إمكانية التعاون على خيرها و صلاحها ، باعتباره إطارا عائليا غايته إيجاد حلولا للخلافات التي تنشأ داخل مؤسسة الأسرة ، لحماية  أفرادها من الانعكاسات السلبية التي تترتب عن انحلالها .

و مجلس العائلة منظم بمقتضى المرسوم الوزاري رقم 88-04-2 الصادر بتاريخ 25 ربيع الآخر 1425 ( 14 يونيو 2004 ) بشأن تكوينيـه و تحديـد مهامـه ، حيث تبرز أهميته من خلال تشكيلته المكونة طبقا لمادته الأولى من القاضي بصفته رئيسا ، و الأب أو الأم أو الوصي أو المقدم ، و أربعة أعضاء يعينهم رئيس مجلس العائلة بين الأقارب أو الأصهار بالتساوي بين جهة الأب و جهة الأم  أو جهة واحدة ، و حتى يمكن للمجلس أن يضطلع بالمهام المنوطة به على الوجه المطلوب ، فان الرئيس يراعـي في اختيار أعضائه الذين يشتـرط فيهم أن يكونـوا كاملـي الأهليـة ، درجـة القرابـة و مكـان إقامتهـم وسطتهـم و مؤهلاتهــم و علاقتهـم بالأسـرة ، و مدى استعدادهـم للعناية بشؤونهـا و حرصهم على مصلحتها ( المادة 2 ) ، كما يمكنه تغييرهم أو تغيير أحدهم إذا ثبت له ما يبـرر ذلك ( المادة 3 ) .

 

 

 

63

 

 

أما مهامه رغم أهميتها المنبثقة من تكوينه فإنها تبقى استشارية ، و تتمثل في قيامه بالتحكيم لاصلاح ذات البن بين الزوجين المتخاصمين ، و إبداء رأيه في كل ما له علاقة بشؤون الأسـرة ( المادة 7 ) و يجتمع لهذا الغرض بمبادرة من طرف رئيسه ، أو بطلب من الأم أو القاصر أو المحجور أو أحد أعضائه الآخرين كلما دعت الضرورة لذلك ، كوجود نزاع بين الزوجين ، أو إهمال الأسرة … الخ ، حيث يستدعي الرئيس أعضاء المجلس قبل التاريـخ المحـدد للاجتماع مع بيان موضوعـه ، و يوم وقوعه و مكان انعقاده ، بمعنى أن استدعاء أعضاء مجلس العائلة يتم طبقا لقواعد التبليغ المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية و مدونة الأسـرة ، و إذا تعذر عليهم الحضور يمكنهم أن ينتدبواغيرهم من الأقارب أو الأصهار بإذن من القاضي بعد تأكده من توفرهم على الشروط الضرورية المشار إليها سلفا .

و كما هو الشأن بالنسبة للتحكيم تدون نتائج أعماله في محضر يحرره كاتب الضبط الذي يحضر الاجتماع و يدون  في سجل خاص ، يوقعه الرئيس و الأعضاء و يشار فيه إلى الامتناع عن التوقيع أو تعذر ذلك .

و إذا كان يبدو نظريا أن الاستعانة بمجلس العائلة من طرف المحكمة يبدو مفيدا لتسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق بالنظر لتكوينه و مهامه ، فان اللجوء إليه عمليا تعترضه مجموعة من الصعوبات تحد من أهميته و فعاليته ، تتحدد أساسا في صعوبة اختيار أعضائه و تجميعهم في اجتماع واحد ، حيث إذا كان يتعذر على المحكمة في أحيان كثيرة الجمع بين الزوجين المعنيين مباشرة بالنزاع القائم بينهما في جلسة واحدة ، فبالأحرى بالنسبة لمجلس يتشكل من تسعة أعضاء ، و لعل هذا ما يبرر اكتفائها بانتداب الحكمين الذي لا يخلو هو  الآخر من صعوبات و مشاكل تجرد مهمة التحكيم المسندة إليهما من محتواهـا و غايتها .

 

 

 

 

64

 

 

لذلك و لضمان التفعيل الإيجابي لمحاولات الصلح بين الزوجين في دعاوي الشقاق ، يمكن على غرار بعض الأنظمة القانونية المعاصرة تعزيز آليات الوساطة الغير القضائية بإحداث أجهزة مستقلة تتكلف بالتحكيم بين الزوجين و معالجة كافة المشاكل التي تواجهها الأسرة ، مع الحرص على أن تكون قادرة على تأدية مهمتها بكل وعي و مسؤولية ، و متمكنة من الوسائل التي تؤهلها للقيام بذلك ،  حيث يمكن للمحكمة أن تحيل عليها النزاعات الزوجية المعروضة أمامها للنظر فيها و محاولة إنهائها ، كما أن تلك الأجهزة تسمح للزوجين باللجوء إليها لتسوية النزاع القائم بينهما دون الالتجاء إلى القضاء ، الذي يقتصر دوره في هذا الإطار على مراقبة مدى احترامها للضوابط القانونية المنظمة لعملها ، و كذا الإشراف على تنفيذ الحكم الصادر عنها من خلال تذييله بالصيغة التنفيذية ، و هذا من شأنه أن يساهم في نشر ثقافة التسوية التصالحية للنزاعات الزوجية لدى الأسر المغربية (1) .

 

المطلـب الثانـي : أثـر إجـراءات الصلـح في إنهـاء النزاعــات الزوجيـــة

 

إن النتيجة التي تنتهي إليها المحكمة بعد قيامها بمحاولات الصلح بين الزوجين طبقا للمادتين 94 و 82 من مدونة الأسرة لا تخلو من أمرين ، إما أن تتكلل بالنجاح مما يعني استمرارية العلاقة الزوجية ( الفقرة الأولى ) أو أنها تبوء بالفشل حيث تضطر المحكمة عندئذ للحكم بالتطليق ( الفقرة الثانية ) .

ــــــــــــــــ

(1) مثلا نموذج كبيك (Qvebec  ) حيث دخل القانون المتعلق بالوساطة الأسرية حيز التنفيذ في فاتح شتنبر 1997 ، و هو قانون يتيح للأزواج – خاصة ذوي الأطفال – الاستفادة من خدمات وسيط محترف  أثناء التفاوض و تسوية طلب الطلاق أو حضانة الأبناء أو النفقة أو مراجعة حكم سابـق ، فهذا القانون يتيح للزوجين الذين يرغبان في تسوية النزاع القائم بينهما بالاتفـاق و التفاوض على حل مرض بحضور وسيـط ، كما يتيح لهما إمكانية اللجوء إلى الوساطة قبل اتباع المسطرة القضائية أو أثناءها .

 

65

 

 

الفقـرة الأولـى : نجـاح محـاولات الصلـح بين الزوجيـــن

تتجلى أهمية الطرق البديلة لتسوية المنازعات بصورة واضحة في النزاعات الزوجية ، حيث يعتبر الصلح فيها أمرا محبذا و إجراء ضروريا يتعين على المحكمة طبقا للقانون القيام بمحاولاته قبل لجوئها إلى الحكم بالتطليق بينهما ، فهو بهذا المعنى يشكل مبدئيا وسيلة و هدفا في نفس الآن لحل هدا النوع من النزاعات .

إن الصلح بين الزوجين كما أكدنا ذلك سلفا يحبذه ديننا الحنيف ، و خصص له الفقه الإسلامي جانبا كبيرا من اهتمامه ، و حث عليه المشرع المغربي في قضايا الطلاق و التطليق طبقا لمدونة الأسرة ، لما في تحقيقه من آثار إيجابية تجنب الأسرة كافة المخاطر التي ترتب عن تفككها ، كما أن حسمه للنزاع القائم بينهما أدعى إلى تحقيق العدل و الإنصاف ، الذي قد لا يحققه الحكم القضائي الصادر بالطلاق أو التطليق فقد يكون أحدهما ألحن بحجته من خصمه و أقدر على التحايل في الخصومة و هو في الحقيقة غير محق فيما يدعيه ، حيث روى أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : » إنما أنا بشر مثلكم و أنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له بنحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخـذ منه شيئـا فإنما أقطـع له قطعـة من نـار « (1) ، و الله تعالى يحث الزوجين على حل خلافاتهما وديا بطريقة تحافظ على وحدة الأسرة و تحفظ لهما كرامتهما ، حيث قال : ) فلا جناح عليهما أن يصلحا و الصلح خير ( ، و قال أيضا : ) إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ( ، ذلك أن المنهج الإسلامي بخصوص معالجة النشوز و الشقاق بين الزوجين يقوم على أساسا مبدأ الصلح بينهما ، لأنه و كما يقال في المأثور الصلح السيء خير من الخصومة الجيدة              " Une mauvaise Transaction vieux qu`un bon proces'' .

ـــــــــــــــــ

(1) أخرجه مسلم في صحيحه ، كتاب الأقضية ، الجزء الرابع ، ص : 302-303 .

 

 

66

 

 

من هذا المنطلق فالهاجس الأساسي الذي يؤطر عمل المحكمة و هي بصدد تسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق ، محاولة تحقيق الصلح بين الزوجين من خلال قيامها بكل المساعي الرامية إلى ذلك ، حيث إذا توفقت فيها في جلسة التسوية الودية التي تعقدها بغرفة المشورة فإنها تصدر أمرا تضمنه في محضر تنتهي به إجراءات الدعـوى على اعتبار أن الغايـة من الصلح إنهاء النزاع و قطـع الخصومة ، كما تنص على ذلك المادة 82 من مدونة الأسرة المحال عليها في المادة 94 منها حيث جاء فيها : » إذا تم الصلاح بين الزوجين حرر به محضر و تم الإشهاد به من طرف المحكمة  «، و نفس هذا المقتضى كان منصوص عليه بكيفية أكثر دقة في الفصل 212 من ق.م.م في فقرته الملغاة بقتضي قانون 72-03 الصادر موازاة للمدونة الجديدة للأسرة ، و ذلك كما يلي : » يستدعي القاضي بعد تقييد المقال الزوجين قصد محاولة التصالح بينهما ، إذا تم التوفيق بينهما أثبت القاضي  ذلك بأمر تنتهي به إجراءات الدعوى « .

أما في حالة انتداب الحكمين و هذا هو المعمول به في الغالب بعد فشل الوساطة القضائية و تمكنهما من إصلاح ذات البين بين الزوجين ، فانهما طبقا للمواد 95 من مدونة الأسرة يحرران مضمون الصلح في تقرير من ثلاث نسـخ يوقعهـا الحكمان و الزوجـان ، و يرفعانها إلى المحكمة التي تسلم لكل واحد من الزوجين نسخـة منه و تحفظ الثالثة بالملف حيث يتم الإشهاد على ذلك من طرفها .

و إشهاد المحكمة على محضر الصلح طبقا للمادتين 82 و 95 من مدونة الأسرة ، الغاية منه إضفاء الحجية عليه حيث تحل في ذلك محل الموثق ، مما يخضع الصلح المصادق عليه من طرفها لكافة القواعد الموضوعية لعقد الصلح ، و هذا المحضر لا يعد حكما و إنما ورقة رسمية أي بمثابة سند تنفيذي لتصديـق المحكمـة

 

 

 

 

67

 

 

عليه ، حيث تطبق عليه قواعد تفسير العقود و ليس قواعد تفسير الأحكام (1) ، لذلك لا يجوز نقض الصلح بعد إجرائه و إشهاد المحكمة عليه ، لأن العودة إلى الخصومة بعد ذلك يفقده أهميته في مجال تسوية النزاعات الزوجية ، و يؤثر سلبا على مصداقية عمل المحكمة بهذا الخصوص ، فلا يحق للزوجين الإقدام على ذلك إلا إذا قام أحدهما بتصرف يناقض ما وقع الصلح من أجله ، حيث يمكنه و الحالة هذه اللجوء إلى القضاء من جديد لطلب الحكم له بالتطليق .

و رغم أهمية نجاح محاولات الصلح بين الزوجيـن للاعتبارات المشار إليها سلفا ، فان واقع عمل قضاء الأسرة بخصوص  تطبيق مسطرة الشقاق ، يؤكد أن النتيجة التي يخلص إليها بخصوص دعاوي الشقاق ، تكون عادة هي فشل تلك المحاولات و ما يترتب عن ذلك من آثار .

الفقـرة الثانيـة : فشـل محــــاولات الصلح بيــن الزوجيــــن

إذا تعذر على المحكمة أثناء تفعيلها لمسطرة الشقاق إجراء تسوية ودية للنزاع المعروض عليها بإصلاح ذات البين بين الزوجين ، فإنها تلجأ إلى تصفيته قضائيا عن طريق الحكم بالتطليق و بالمستحقات طبقا للمادة 97 من مدونة الأسرة ، التي تنص على أنه : » في حالة تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق تثبت المحكمة ذلك في محضر و تحكم بالتطليق و بالمستحقات … « ، حيث تضع بذلك حدا لسريان إجراءات دعوى الشقاق عكس ما كان معمول به في ضل النظام القانوني السابق ، إذ رغم فشل محاولات الصلح بين الزوجين فان دعوى التطليق كانت تأخذ طريقها العادي ، و كل الطرفين يقدم وسائل دفاعه أمام القضاء الذي له أن يحكم بالتطليق أو

 ـــــــــــــــ

(1) بعض القوانين المقارنة كالقانـون البلجيكي ، تجعل المصالحة و الوساطة في النزاعات الأسرية ضروريا ، و عند حصول الاتفاق عليه يتم تحرير محضر و يصدر حكم بذلك ، أنظر :

Marie these Meulders – klein : les modes alternatifs de Réglement des conflits en matiere familiale , Analyse comparative Revue internationale de droit comparer , N 2 / 1997. p . 383 . ets .

 

 

68

 

 

بعدمه بناء على ما توصل إليه و اقتنع به ، كما يتضح طبقا لمقتضيات  الفصل 212 من ق.م.م في صياغته القديمة – قبل تعديله في مقتضى قانون 03-72 – و ذلك بنصه على ما يلي : » إذا فشلت المحاولة أو بعد استدعاء الطرفين و تخلف الزوجين أو أحدهما عن الحضور أصدر القاضي أمرا بعدم التصالح و يأذن للمدعي بمواصلة الدعوى « ، فمحاولة الصلح كانت تعتبر فقط إجـراء أوليـا تفتتح به دعوى التطليـق ، في حين أنها في دعوى الشقاق تطغى على كل مراحلها الإجرائية إلى حين حسمها بإشهاد المحكمة على محضر الصلح أو حكمها بالتطليق و بالمستحقات .

و إذا كان فشل محاولات الصلح بين الزوجين يمثل النتيجة التي يخلص إليها قضاء الأسرة في معظم دعاوي الشقاق التي تعرض عليه، كما تأكد ذلك الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع ،فان ذلك يرجع من حيث القانون و الواقع إلي مجموعة من الأسباب المتداخلة فيما بينها ، و التي تؤدي في مجملها إلى تجريد مسطرة الشقاق من طابعها الوقائي المومأ إليه سابقا ، مكرسة بذلك تلك الهوة الموجودة بين القانون و الواقع في الكثير من المجالات ، و تتمثل أساسا في سوء فهم مضامينها الحقيقية من جهـة و ضعف أو بالأحـرى تعطـل عمل آليـات الصلـح و الوساطة من جهة أخرى ، بحيث إن الدافع الأساسي الذي يكمن وراء لجوء الزوجة إلى طلب تطبيق مسطرة الشقاق – مادام ذلك يقترن عمليا بحقها –  اعتبارها وسيلة سهلة و مرنة لا تحتاج إلى إثبـات ما تدعيه للحصول على التطليق في أقـل وقـت و بأبسط الإجراءات ، إذ يكفي أن تتمسك به أمام القضاء رافضة لكل المساعي الرامية إلى إجراء الصلح بينها و بين زوجها ، فالاعتقاد السائد بخصوص مسطرة الشقاق أنها تمثل توسيعا لحالات حق طلب التطليق المخول للزوجة مقابل الطلاق الذي هو من حق الزوج ، ولعل هذا ما يفسر العدد الهائل من طلبات التطليق للشقاق المقدمة من طرف الزوجات منذ دخول المدونة حيز التطبيق ، مقارنة مع طلبات التطليق المؤسسة على أحد الأسباب المنصوص عليها في المادة 98 منها .

 

 

69

 

 

لذلك فالتشبث بطلب التطليق الذي يعتبر موضوعا و هدفا في نفس الآن في دعاوي الشقاق ، يجعل المحكمة تصطدم عمليا بصعوبة القيام بمحاولات الصلح بين الزوجين ، لأجل تسوية النزاع القائم بينهما وديـا بدل حسمه عن طريق الحكم بالتطليق ، حيث إن الواقع العملي يؤكد أن الزوجة بالخصوص لا تلجأ إلى القضاء إلا بعد أن تستنفذ كل محاولات لم الشمل و التفاهم مع زوجها ، و بالتالي فان إقدامها على ذلك لا يكون إلا بعد اتخاذها قرار الانفصال عنه ، مما يجعل القضاء يقتنع مسبقا بعدم جدوى أي محاولـة يمكن القيـام بها لحملها على الرجـوع عن قرارهـا ، حفاظا على كيان الأسرة من التفكك و الانهيار .

هذا ، ناهيك عن صعوبة التوفيق بين تطبيق المحكمة للقانون و في نفس الوقت القيـام بعملية الصلح التي تحتاج إلى تقنية عالية ، و خبـرة واسعة ، و طـول النفس ، من خلال الإحاطة بكل جوانب النزاع القانونية و غير القانونية ، فالقاضي في هذا الإطار  بالإضافة إلى تكوينه القانوني يجب أن تكون له دراية واسعة بكل الفـروع العلمية التي لها علاقـة بالأسرة ، كعلـم الاجتماع الأسري و علـم النفس و أنتربلوجيا الأسرة … ، بل حتى في حالة لجوئها إلى تفعيل آليات الوساطة الغير القضائية عن طريق التحكيم ، فمهمة الحكمين تبوء بالفشل لعدم توفر فيهما الشروط الضرورية التي تؤهلهما للقيام بذلك ، إضافة إلى عدم فهمهما جيدا المقصود من مهمتهما و كيفية أدائها ، حيث يكتفيان أمام القضاء بترديد كل واحد منهما لادعاء الطرف الذي هو من أهله و الدفاع عنه ، و بدل القيام بمهمة الاصطلاح بين الزوجين يؤججان النزاع القائم بينهما و الدفع به نحو حسمه عن طريق الحكم بالتطليق .

كل ذلك يجعل من إجراءات التسوية الودية في دعاوي الشقاق ، مجرد إجراءات شكلية ( روتينية ) ، الغاية من تفعيلها احترام القضاء للقانون الذي يحكم النزاع المعروض عليه ، خاصة و أن الصلـح في القضايا المرتبطة بتطبيـق مدونـة الأسرة ، يعتبر من متعلقات النظام العام الذي لا يجوز خرقه تحت طائلة بطلان الحكم الصادر في موضوعها ، الأمر الذي يبرر ضرورة مراجعـة نظـام تكويـن

 

70

 

 

القضاة العاملين في أقسام قضاء الأسرة ، و تعزيـز آليات الوساطـة و المصالحـة و التحكيم في هذه القضايا ، و ذلك لمواكبة الإصلاحات المهمة التي جاءت بها المدونة الجديدة لفائدة الأسرة المغربية سيما في مجال تنظيم العلاقات بين أفرادها .

عموما كيفما كانت طبيعة الأسباب المفضية إلى فشل محاولات الصلح بين الزوجين ، فان ما يجري به العمل القضائي أن المحكمة إذا ثبت لها وجود الشقـاق و استمراريته بينهما – و رفعا للحرج و الضيق – تحكم بالتطليق طبقا للقانون ، لأنه لا يمكن للقضاء أن يرغم الزوجان على الاستمرار في الحياة الزوجية رغم الشقاق الحاصل بينهما ، لما في ذلك من أضرار كثيرة لا يقتصر أثراها عليهما بل تمتد لتشمل أطفالهما و المجتمع برمته ، لأن عدم الوئام و التنافر و الرغبة الملحة في الافتراق ، كثيرا ما ترجع إلى أسباب شخصية و معايير ذاتية تنبعث من تقدير شخصي للزوج أو الزوجة ، و هذا ما تأخذ به بعض القوانين الوضعية المقارنة مثل القانون السوري لسنة 1953 المعدل بقانون 34/1975 الذي يجعل من الشقـاق بين الزوجين أهم الأسباب المبررة لانحلال العلاقة الزوجية عن طريق القضاء ، حيث تنص المادة 128 منه على أن : » لكل من الزوجين إذا ادعى إضرار الآخر بما لا يستطاع معه دوام العشرة ، يجوز له أن يطلب من القاضي التفريق و لا يشترط الإساءة للسير في الدعوى ، بل بمجرد الادعاء كاف للتحريك المتابعة « ، كذلك الاتجاه الذي أضحت تنهجه معظم القوانين الغربية بخصوص أسباب التطليق يتسم بالمرونة ، باختزالها في سبب وحيد و عام هو الشقاق المستمر بين الزوجين (1) .

و إذا كان التطليق في دعاوي الشـقاق يتسم طبقا للمادة 70 من مدونة الأسرة بطابعه الاستثنائـي ، إذ لا يجـوز للمحكمة اللجوء إليه إلا بعـد تعـذر الإصـلاح و استمرار الشقاق بين الزوجين ، فان تطبيقه في حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين يقتضي منها مراعاة الآثار المترتبة عنه في مواجهة حقوق جميع أفراد الأسرة .

ــــــــــــــــ

(1) DC FOKKEMA . " Mariage famille en question " , edition , CNRSF P .1980 .P 146 .

 

71

 

      

                

القسم الثاني : آثار الطليق للشقاق على حقــوق أفــــراد الأســــرة

 

نظرا لكون آثار الحكم بالتطليق للشقاق لا تقتصر فقط على الزوجين ، و إنما تمتد لتشمل ما تنسل منهما من أطفال ، فان من الضوابط الأساسية المقيدة لسلطة المحكمة في تفعيلها لمسطرة الشقاق ، ضرورة مراعاة حقوق جميع أفراد الأسرة ضمن الحكم الصادر بالتطليق ، و التي تتمثل طبقا للمادة 97 من مدونة الأسرة في حقوق الزوجة المطلقة و الأطفال و كذا حق الزوج في التعويض عند الاقتضاء ، مع الاشار إلى قابلية هذا الحكم للطعن في جزئه المتعلق بالمستحقات المالية طبقا للإجراءات العادية طبقا للمادة 180 من المدونة .

 

و بنـاء عليـه سنقسـم هذا القسـم إلى فصليـن كالأتـي :

 

الفصل الأول : حقـوق الزوجـة المطلقـة و الأطفـال .

 

الفصل الثاني : حـق الـزوج في التعويـض عن التطليـق للشقـاق .

 

 

 

 

 

 

 

 

72

 

 

 

الفصل الأول : حقـوق الزوجــة المطلقـة و الأطفـــال

 

تستأثر حقوق الزوجة المطلقة و الأطفال باهتمام المشرع المغربي في المدونة الجديدة للأسرة ، ليس فقط بعد صدور الحكم بالطلاق أو التطليق في الدعاوي الرامية إلى طلب ذلك ، بل حتى أثناء سريانها من خلال تخويله للمحكمة عند الاقتضاء سلطة اتخاذ ما تراه مناسبا من تدابير مؤقتة لفائدتهم (1) .

و من تطبيقات الحماية القانونية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال ، أن المحكمة المختصة بتطبيق مسطرة الشقاق ملزمة طبقا للمادة 97 من المدونة بتحديد و تقدير مستحقاتهم في الحكم المتضمن للتطليق للشقاق ( المبحث الأول ) ، و التي يتوقف استفائهم لها على تفعيل الحماية القضائية المضمنة فيه ( المبحث الثاني ) .

 

المبحــث الأول : مستحقــــــات الزوجــــة و الأطفــــــال

 

يعتبر تحديد و تقدير مستحقات الزوجة و الأطفال في دعاوي التطليق للشقاق انطلاقا من المواد المنظمة لها في مدونة الأسرة ، من المواضيع التي تقضي اجتهاد المحكمة في إطار السلطة المخولة لها ، لأجل جمع الأدلة و العناصر الضرورية التي تمكنها من القيام بذلك ، نظرا لكثرة الإحالات بشأنها في تلك المواد و تشتتها في ثناياها ، إضافة إلى أن طبيعة و خصوصية الحقوق الأسرية يجعلان من الصعب الفصل بين الجوانب المادية و المعنوية في كل ما يتعلق بمستحقات الزوجة ( المطلب الأول ) و مستحقات الأطفال ( المطلب الثاني ) .

ـــــــــــــــــ

(1) تنص المادة 121 من مدونة الأسرة على أنه : " في حالة عرض النـزاع بين الزوجيـن على القضاء و تعذر المساكنة بينهما ، للمحكمة أن تتخذ التدابير المؤقتة التي تراها مناسبة بالنسبة للزوجة و الأطفال تلقائيا أو بناء على طلب ، و ذلك في انتظار سدور الحكم في الموضوع ، بما فيها اختيار السكن مع أحد أقاربها أو أقارب الزوج ، و تنفذ تلك التدابير على الأصل عن طريق النيابة العامة " .

 

73

 

 

المطلـــب الأول : مستحقــــات الزوجـــــة المطلقـــــة

 

لقد أثارت حقوق الزوجة المطلقة في ظل التطليق القضائي لمدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، نقاشا فقهيا و قضائيا نتيجة الصعوبات القانونية و الواقعية التي كانت تحول دون الاستفادة منها ، حيث إن تنظيمها لم يكن يتلاءم مع الواقع الاجتماعي و الاقتصادي الذي تعيش فيه ، مما دفع العديـد من المنظمات النسائيـة و الجمعيات الحقوقية إلى رفع شعار تحسين وضعية المرأة بشكل عام ، و المطالبة بضرورة إنصاف الزوجة المطلقـة بتمكينها من كافة حقوقهـا الأساسية بشكـل خاص ، انطلاقا من تعديل و مراجعة النصوص القانونية المرتبطة بها ، و هو ما استجاب له المشرع المغربي في مدونة الأسرة .

فمستحقات الزوجة المطلقة مضمونة و منظمة بمقتضى المادة 97 التي تحيل على المادة 84 المحددة لمشتملاتها ، و المرتبطة بدورها من حيث تطبيقها بمواد أخرى من نفس المدونة ، لذلك فالقضاء يجد نفسه حيالها أمام لوحة متشابكة من الحقوق ، يتعين عليه الحرص ما أمكن على حسن قراءتها ، و هي تتمثل طبقا للمادة 84 أعلاه في مؤخر الصداق أو ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالكالئ ، إضافة إلى النفقة و السكنى أثناء العدة .

و نظرا لكون حق الزوجة المطلقة في الصداق المؤخر لا يطرح أمام القضاء الأسري أي إشكال قانوني أو واقعي ، مما يفسر عدم الالتفات إليه ، في معظم الأحكام القضائية التي أصدرها في الموضوع ،  فإننا سوف نقتصر في دراستنا لمستحقات الزوجة المطلقـة في دعـاوي الشقـاق على حقها في النفقـة و السكنى ( الفقرة الأولى ) و حقها في المتعة ( الفقرة الثانية ) .

الفقرة الأولى : حق الزوجة المطلقة في النفقة و السكنى أثناء العدة

إن النفقة تكليف مادي يجب على الزوج نحو زوجته بمستوى الكفاية ، حيث إن مناط التكليف بها الزوجية مطلقـا سواء كانت نفقة زواج أو نفقـة عدة الطلاق ، فقد

 

74

 

 

اتفق الفقهاء في جميع المذاهب الإسلامية على وجوبها و إن اختلفوا في معايير تحديدها ، ذلك أنه إذا كان الأصل في الفقه الإسلامي أن النفقة تقدر بالاعتماد على الوضعية المالية للزوج انطلاقا من قوله تعالى : ) لينفق ذو سعة من سعته ( ، فان الاختلاف يكمن في مدى مراعاة حال الزوجة كذلك (1) .

و نظرا للطابع المعيشي لمشتملات نفقة الزوجة المطلقة ، و المتمثلة طبقـا للمادة 189 من مدونة الأسرة الغذاء و الكسـوة و العلاج و ما يعتبر من الضروريات (2) ، فقد أحاطها المشرع في هذه المـادة بالعديد من الضمانات الأساسيـة ، تتعلق بالمعايير و العناصر الواجب مراعاتها من طرف المحكمة عند تقريرها لها ، و هي التوسط ودخل الملزم بها ( الزوج ) و حال الزوجة و مستوى الأسعار و الأعراف و التقاليد السائدة في الوسط الذي تفرض فيه ، و ذلك تحقيقا للغاية من سنها و رعيا لمبدأ لا ضرر و لا ضرار .

فهذه العناصر تستأنس بها المحكمة أثناء تقديرها لنفقة الزوجة المطلقة بناء على ما خوله لها القانون من سلطة تقديرية في هذا الإطار ، و التي سبق للمجلس الأعلى أن خولها لقضاة الموضوع كما جاء ف قراره الآتي : » أن المطلوبة في النقض لما تركت أمر تحديد النفقة التي تطالب بها إلى المحكمة ، تكون قد طبقت القانون خاصة فصل المدونة 119 الذي لا يتعارض مع الفصلين 3 و 32 من ق.م.م ، و قضاة الموضوع لهم الصلاحية في تحديد قدر النفقة بعد أن تتوفر لهم العناصر الدافعة إلى اعتبار الأسعار و عادات أهل البلد و أهل الطرفين ، كما أنهم غير مجبرين بالأخذ بالقدر المطالب به ، إذ بوسعهم الحكم بأقل منه أو أكثر « (3) .

ـــــــــــــــــ

(1) الشيخ عارف البصري : نفقات الزوجة في التشريع الإسلامي ، الدار الإسلامية ، ص : 16 .

(2) من خلال الصياغة المرنة للمادة 119 من مدونة الأسرة يعطي المشرع للمحكمة المختصة سلطة تحديد مشتملات النفقة و قدرها على ضوء متطلبات الحياة ، بما يكفل إشباع الحاجات العادية و الضرورية لمستحقيها .

(3) قرار صادر عن غرفة الأحوال الشخصية في ملف رقم 7236/88 بتاريخ 03/04/1990 منشور بمجلة الإشعاع عدد 5 ص :185 .

75

 

 

و لإضفاء نوع من الموضوعية في تقرير نفقـة الزوجـة المطلقة ، يتعيـن على المحكمـة أن تراعـي طبقـا للمادة 190من المدونـة تصريحـات الطرفيـن و حججهما ، كدخل الملزم بالنفقة كيفما كان مصدره وظيفـة أو فلاحـة أو تجـارة أو عمل أو ريـع أي منقول أو عقـار ، و أن تطالبهمـا بالإدلاء بما يثبت ادعائهمـا ، و التعرف على الحالة الاجتماعية للزوجة و عن موقف كل طرف من تصريح الطرف الآخر ، حيث إذا ثبت للمحكمة وجود تضارب في تصريحاتهما حول الدخل ، و تعذر عليها معرفة الدخل الحقيقي الذي يمكن على ضوئه تقدير مبلغ النفقة لفائدة الزوجة المطلقة خلال عدتها ، يمكن لها أن تستعين بالخبراء في هذا الإطار  كحل تشريعي انفتح من خلاله المشرع على مجالات أخرى ترتبط بالواقع ، على اعتبار أن الخبرة تعتبر إجراء من إجراءات التحقيق المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية (1) .

بعد هذه التوطئة ، يجدر بنا التأكيد على أنه رغم كون النفقة تعتبر من مستحقات الزوجة المطلقة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة ، فإنها تسقط عن كاهل الزوج بمجرد الحكم بالتطليق للشقاق من طرف المحكمة ، لان هذا النوع من الطلاق يقع بائنا حسب المادة 122 منها التي جاء فيها : » كل طلاق قضت به المحكمة فهو بائـن ، إلا في حالتي التطليق للايلاء و عدم الإنفاق « ، لذلك فهي لا تستحق أبه نفقة إلا إذا كانت حاملا لقوله تعالى : ) و إن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ( (2) و يقول بن جزي الفقيه المالكي الأندلسي : » المطلقة إذا كانـت

ــــــــــــــــــ

(1) إن النص على اللجوء إلى الخبرة لتحديد مبلغ النفقة ، لا يعتبر جديد في مدونة الأسرة اللهم ما يتعلق بالإحالة عليها باللفظ الصريح ، لأن الفصل 119 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة كان ينص على أنه :" و يستند في تقديرها ( النفقة ) لمن يعينه القاضي " ، كما سبق للمجلس الأعلى أن قضى في أحد قراراته بأنه : " يجب على المحكمة قبل أن تحكم على الزوج بنفقة الزوجة أن تأمر بإجراء بحث حول وضعية الزوج المالية و حالة الزوجة الاجتماعية و إلا تعرض حكمها للنقض " ، قرار عدد 134 الصادر بتاريخ 12/07/1972 ، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 25 ص : 143 .

(2) سورة الطلاق ، الآية : 6 .

76

 

 

رجعية فلها النفقـة في العـدة ، وان كانت بائنة فليس لها نفقـة إلا إذا كانت حامـلا « (1) ، و هذا ما أكدته المادة 196 من المدونـة الجديدة بنصهـا على أن : » المطلقة طلاقا بائنا إذا كانت حاملا تستحق نفقتها إلى أن تضع حملها ، و إذا لم تكن حاملا يستمر حقها في السكنى فقط إلى أن تنتهي عدتها « ، بمعنى أن المطلقة غير الحامل في الطلاق البائن الذي يحكم به القضاء كما هو الشأن بالنسبة للتطليق بسبب الشقاق ، يبقى من حقها فقط الاستمرار في السكنى خلال فترة العدة ، ببقائها في بيت الزوجة أو للضرورة في مسكن ملائم لها و للوضعية المادية للزوج يهيئ لها لهذه  الغاية ، بحيث إذا تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودعه الزوج كذلك ضمن المستحقات بكتابة الضبط ، أما النفقة فإنها تسقط عن كاهله ، حيث جاء في الحكم القضائي الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية بالحسيمة ما يلي : » … و حيث أن التطليق للشقاق هو طلاق بائن ، و حيث أن الزوجة غير الحامل في الطلاق البائن يسقط حقها في النفقـة حسب مقتضيات المـادة 196 من مدونة الأسرة ، الأمر الذي يتعين معه رفض طلبها بخصوص هذا الشق … « (2) .

و يقول ابن رشد الحفيد بخصوص سكنى المبتوتـة و نفقتهـا ما يلي : » … و اختلفوا – أي الفقهاء – في سكنى المبتوتة و نفقتها إذا لم تكن حاملا على ثلاثة أقوال : أحدهما أن لها السكنى و النفقة و هو قول الكوفيين ، و القول الثاني أنه لا سكنى لها و لا نفقة و هو قول أحمد و داود و أبي ثور و إسحاق و جماعة ، و الثالث أن لها السكنى و لا نفقة و هو قول مالك و الشافعي و جماعة ، و سبب اختلافهم هو اختلاف الرواية في حديث فاطمة بنت قيس و معارضة ظاهر الكتاب له ، فاستدل من يوجب لها نفقة و لا سكنى بما روي في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت : " طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله  عليه و سلم فأتيت النبي صلى الله عليـه

و سلم ، فلم يجعل لي سكنى و لا نفقة " أخرجه مسلم ، و في بعض الروايات أن ــــــــــــــــــ

(1) ابن جزي : القوانين الفقهية ، مكتبة الرشاد الدار البيضاء ص : 146

(2) حكم عدد 193 بتاريخ 29/03/2005 ( غير منشورة ) .

77

 

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما السكنى و النفقة لمن لزوجها عليها الرجعة " ، و هذا القول مروي عن علي و ابن عباس و جابر بن عبد الله ، و أما الذين أوجبوا لها السكنى دون النفقة فانهم احتجوا بما رواه مالك في موطئه من حديث فاطمة المذكور فيه : " فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ليس لك عليه نفقة " : و أمرها أن تعتد في بيت أم مكتوم و لم يذكر فيها إسقاط السكنى ، فيبقى على عمومه في قوله تعالى : ) اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ( و صاروا إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوجوب الإسكان في الرجعة و في الحامل و في نفس الزوجية بالجملة ، فحيثما و جبت السكنى في الشرع و جبت النفقة ، وروي عن عمر أنه قال في حديث فاطمة هذا ، لا ندع كتاب نبينا و سنته لقول امرأة ، يريد قوله تعالى : ) اسكنوهن من حيث سكنتم من وحيكم ( ، و لان المعروف من سنته عليه السلام أنه واجب النفقة حيث تجب السكنى ، فذلك الأولى في هذه المسألة أن يقال لها الأمرين جميعا … « (1) .

و بذلك يكون المشرع المغربي في مدونة الأسرة قد تبنى رأي الإمام مالك بخصوص استحقاق المطلقة طلاقا بائنا حق السكنى فقط دون حقها في النفقة خلال فترة العدة ، لكون الطلاق البائن ينهي الزوجية حالا بمجرد وقوعه ، عكس الطلاق الرجعي الذي تبقى فيه مستمرة إلى حين انتهاء عدة المطلقة مما يجعلها تستحق فيه النفقة و السكنى معا .

لكن إذا كان التوجه العام الذي تأخذ به جل أقسام قضاء الأسرة عدم استحقاق المطلقة بسبب الشقاق للنفقة ، كما تؤكد ذلك العديد من الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع ، فان هناك من يحدوا عنه كما هو الشأن بالنسبة لقسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية تاونات ، حيث يجعل النفقة أثناء العدة من ضمن المستحقات التي يحكم بها لفائدة الزوجة المطلقة في دعاوي الشقاق ، فمما جاء في الحكم القضائي الصادر عنه بتاريخ 05/10/2005 ما يلي : » … حول النفقة أثناء العدة :

ـــــــــــــــــ

(1) ابن رشد : مرجع سابق ، ص : 71-72 .

78

 

 

و حيث أن نفقة المطلقة تبقى في مال مطلقها فترة عدتها مع اعتبار حاله و قد ارتأت المحكمة تحديدها في مبلغ 9000 درهم … « (1) .

الفقـــرة الثانيــــة : حــــق الزوجـــة المطلقــة في المتعــة

تعد المتعة من الحقوق الماليـة التي تحكم بها المحكمة لفائـدة الزوجة المطلقـة ، جبرا لخاطرها و تعويضا لها عما لحق بها من ضرر معنوي بسبب انحلال العلاقة الزوجية عن طريق الطلاق أو التطليق ، حيث تجد سندها الشرعي في قولـه تعالى : ) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة و متعوهن على الموسع قدره و على المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنيـن و للمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ( (2) ، و قوله تعالى : )  يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المومنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن و سرحوهن سراحا جميلا ( (3) ، ذلك أنه إذا كان المذهب المالكي بالخصوص يترك للزوج حرية منح المتعة لزوجته المطلقة حسب إرادته، إن شاء تطوع و إن شاء امتنـع على اعتبار أنها مندوبة و ليست واجبـة في حق كل مطلقـة ، إلا التي تطلق قبل الدخول و قد سمي لها صداقها لأن نصف الصداق الذي تستحقه يقوم مقام المتعة ، فإنها في مدونة الأسرة تكتسي طابعا إلزاميا ، باعتبارها من مشتملات مستحقات الزوجة المطلقة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة ، حيث تراعي المحكمة في تقديرها عدة عناصر منها فترة الزواج و أسباب الطلاق وحـال

ــــــــــــــــــ

(1) حكم رقم 515 في ملف عدد 431/05 ( غير منشور ) ، مع الإشارة إلى أن المطلقة حسب الوقائع الواردة فيه غير حامل حتى تستحق النفقة أثناء العدة .

(2) سورة البقرة ، الآية : 236 .

(3) سورة الأحزاب ، الآية : 49 .

 

 

79

 

 

 

الزوجة إضافة إلى الوضعية المالية للزوج (1) ، مع مراعاة مسؤولية الزوج المتسبب

في الشقاق الذي أدى إلى تفكك الأسرة ، و ذلك تكريسا لطابعها التعويضي لفائدة الزوجة المطلقة ، حيث تنص المادة 84 أعلاه على أنه : » … و المتعة التي يراعي في تقدرها فترة الزواج و الوضعية المالية للزوج ، و أسباب الطلاق ، و مدى تعسف الزوج في توقيعه … « كما تنص كذلك المادة 97 من المدونة على أن المحكمة عند حكمها بالمستحقات تراعي مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدر ما يمكن أن تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الآخر ، لكن التساؤل الذي يطرح بإلحاح في هذا الصدد : كيف يمكن الحكم بالمتعة لفائدة الزوجة رغم ثبوت مسؤوليتها في الشقاق الذي أفضى إلى الحكم بالتطليق ؟ .

من الإشكاليات العملية التي أسفرت عنها التطليق القضائي لمدونة الأسرة بخصوص التطليق للشقاق ، أن الزوجة قد تتقدم بالدعوى و عند إجراء المحكمة لمحاولات الصلح بين طرفي النزاع ، يتبين لها أنها هي التي ساهمت بشكل مباشر فيما قد يترتب عنه من آثار تؤدي إلى تفكك الأسرة ، ومع ذلك تحكم لها بالمتعة رغم الأضرار المادية و المعنوية التي تصيب الزوج من جراء ذلك ، و إن كان القانون بالمقابل يخول له حق المطالبة بالتعويض ، مما يعكس التناقض الحاصل في مدونة الأسرة على هذا مستوى ، حيث كيف يمكن للشخص نفسه أن يكون دائنا و مدينا في نفس الدعوى ؟ لذلك يبقى الحل في اعتقادنا تحقيقا للعدل و الإنصاف جعل مبلغ المتعة بسيط جدا يكون له بعد رمزي أكثر منه تعويضي ، فقط حفاظا على طابعها الإلزامي الذي يدفع المحكمة إلى الحكم بها في إطار احترام القضاء لمبدأ سيادة القانون .

ــــــــــــــــ

(1) يرى المالكية أن المتعة تقدر بالنظر الى حال الزوج فقط و لا يدخل في تقديرها حال الزوجة ، و حيث إذا كان الزوج غنيا و زوجته فقيرة فان المتعة تقدر باعتبار حاله و لا ينظر فيها لحال الزوجة ، لأن الزوج مادام هو الذي تسبب في الطلاق فعليه أن يؤدي لها متعة تخفف عنها الضرر الذي أصاب من جراء ذلك الطلاق ، كما أن المتعة في رأي المالكية تستحقها الزوجة فقط عندما يكون الزوج هو المبادر إلى إيقاع الطلاق .

 

80

 

 

هذه إذن هي أهم المستحقات التي يحكم بها لفائدة الزوجة المطلقة في دعاوي الشقاق طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة ، أما باقي حقوقها الأخرى الغير المنصوص أو المحال عليها في هذه المادة ، كأجرة الرضاع أو الحضانة و ما يتبعها من أجـرة و مصاريف (1) ، فان عدم الالتفات إليها من طرف المحكمة يرجع إما لطابعها التبرعي أو لكون الحكم بها يتوقف على تقديم طلب بشأنها أمام القضاء ، إضافة إلي أن البعض الآخر تستفيد منه المطلقة لارتباط حقها بحق المحضون كما هو الشأن بالنسبة للحق في السكنى ، و عموما يبقى للمحكمة المختصة في إطار السلطة المخولـة لها كامل الصلاحية في تحديد و تقدير المستحقات الزوجة المطلقة طبقا للقانون ، و في ضوء الوقائع المعروضة عليها و المعطيات المتوفرة لديها .

أما بخصوص مسألـة ضرورة مراعـاة القضاء لحق الكـد و السعاية الواجـب للمرأة كحق من حقوقها المالية الجاري به العمل في بعض المناطق المغربيـة (2) ، نشيـر إلي التـردد و التضارب الذي انتاب العمـل القضائي بشأنـه ، إضافة إلى الغموض الذي يعتريه داخل المجتمع المغربي ، و ما تترتب عن ذلك من دعوة بعض المنظمات النسائية إلى وجوب الاعتراف للمرأة المطلقة بحقها في الاستفادة من نصف ما تم اكتسابـه خلال فترة الحياة الزوجيـة (3) ، كل هذا دفع

ـــــــــــــــــ

(1) في الفقه المالكي المسألة فيه تفصيل ، حيث يجب التمييز عادة بين مجرد الحضانة و خدمة المحضون كنشاطين مختلفين ، يقول ميارة الفاسي في هذا الشأن : " … قولهم لا أجرة للحاضنة على المشهور معناه لا أجر لها على مجرد الحضانة ، و أما خدمتها للمحضون كطبخ طعامه و طحن دقيقه و غسل ثيابه فان لها الأجرة على ذلك ، و لهذا زاد الشيخ بعد قوله و لا شيء للحاضن فتنبيه به على أن عدم استحقاقها للأجرة إنما هو إذا لم يكن لها عمل سوى الحضانة وحدها ، و هي النظر في مصالح ذات المحضون  كما تقدم … " ، شرح ميارة على تحفة الحكام ، دار الفكر بيروت ، ص : 120 .

(2) حق الكد و السعاية يجري به العمل في مناطق سوس ، أكادير ، تزنيت ، كلميم ، ورزازات ، تارودانت ، أسفي ، حيث ان المحاكم فيها استأثرت بنسبة مهمة من القضايا المعروضة عليها بهذا الخصوص ، حول هذا الموضوع انظـر : الملكي الحسيـن : من الحقوق الماليـة للمـرأة نظـام الكـد و السعايـة ، الجزء الثاني ، الطبعة الأولى 2001 .

(3) عبد الكبير العلوي المدغري : المرأة بناء أحكام الفقه و الدعوة إلى التغيير ، طبعة 1999 ص : 197 .

 

81

 

 

المشرع في المادة 49 من مدونة الأسرة إلى تنظيم الذمة المالية للزوجين ، حيث يعتبر الأصل فيها طبقا لنظامها القانوني الاستقلال أي : أن لكل منهما ذمته المالية المستقلة عن الآخر إذ لا ولاية للزوج على مال زوجته و العكس صحيح ، و استثناء يجوز لهما  في إطار النظام التعاقدي للأموال المشتركة المسموح به قانونا ، الاتفاق على كيفية تدبير الأموال التي سيكتسبانها أثناء قيام الزوجية عن طريق استثمارها أو توزيعها ، و يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج لإضفاء الحجية عليه كوسيلة إثبات ، يمكن الرجوع إليها عند الاقتضاء من طرف الزوجين معا أو أحدهما خاصة في حالة قيام نزاع بينهما حول تلك الأموال ، و إلا يرجع عند انعدام العقد المالي إلى القواعد العامة للإثبات ، مع مراعاة عمل كل واحد منهما و ما قدمه من مجهودات و تحمله من أعباء في سبيل تنمية أموال الأسرة .

و رغم أهمية أحكام هذه المادة فان المشرع لم ينص على ضرورة مراعاتها من طرف المحكمة عند تحديدها لمستحقات الزوجة .

 

المطلــــب الثانـــي : مستحقــــات الأطفــــــــال

 

مما لا شك فيه أن الأطفال إن وجدوا يشكلون الضحية الأكثر تضررا من جراء انحلال العلاقة الزوجية ، لذلك فقد بادر المشرع المغربي إلى تنظيم حقوقهم في المدونة الجديدة للأسرة ، تكريسا و تتويجا للتوجه الذي نحاه بخصوص تغزيز حماية حقوق الطفل و مركزه القانوني خاصة في حالة تفكك الأسرة ، ذلك أن المحكمة المختصة في قضايا التطليق للشقاق ملزمة قانونا قبل الحكم بالتفريق بين الزوجين -  و على غرار مستحقات الزوجة – حماية مستحقات الأطفال .

و يلاحظ أن هذه المستحقات طبقا للمـادة 84 التي تحيل على المادتيـن 168 و 190 من مدونة الأسرة ، تتحـدد في حق الطفل المحضون في النفقـة و السكنـى ( الفقرة الأولى ) ، و الحال أن حقه في الرعاية الأسرية الذي يؤطر باقي حقوقه الأخرى المادية و المعنوية ، يقتضي ضرورة تمتيعه و إحاطته بالرعاية الأبوية كمظهر من مظاهرها بعد انحال العلاقة الزوجية ( الفقرة الثانية ) .

82

 

 

الفقرة الأولى : حق الطفل المحضون في النفقة و السكنى

من الالتزامات المالية المترتبـة بسبب القرابة واجب انفـاق الآباء على أبنائهـم ، حيث تنص المادة 197 من مدونة الأسرة أن : » النفقة على الأقارب تجب على الأولاد للوالدين و على الأبوين لأولادهما طبقا لأحكام هذه المدونة « ، فالطفل المحضون يستحق على أبيه نفقة معيشية و تغذية و كسوته و تمريضه ، و كل ما يتطلبه نموه و تربيته و تعليمه ، مع مراعـاة حال أبيه المنفـق و عوائـد المجتمع و الوضعية المعيشية و التعليمية التي كانوا عليها قبل الحكم بالتطليق للشقاق ، ضمانا لحقهم المكتسب في العيش الكريم و التعلم الملائم و اللائق ، خاصة إذا كان يتابع دراسته في مؤسسة من مؤسسات التعليم الحر ، الذي يتطلب مصاريف إضافية تختلف تماما عن مصاريف التعليم   العمومي المتسم بالمجانية ، ذلك أن الأباء ملزمين نحو أبنائهم قدر المستطاع بتهييىء الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري و البدني ، قصد تأهيلهم للحياة العملية و العضوية النافعة في المجتمع « (1) .

و تتحدد فترة نفقة الأطفال بمقتضى المادة 198 من مدونـة الأسرة من الميـلاد إلى بلوغه سن الرشد (2) ، مع إمكانيـة تمديدها لأحد الأسبـاب الآتيـة : الدراسة ، الزواج ، الإعاقة ، و العجز عن الكسب ، حيث إذا كان الطفل يتابع دراسته فانفاق أبيه عليه يستمر إلى حين بلوغه سن الخامسة و العشرين ، بمعنى أن النفقة تتوقف عنه قانونـا بمجرد بلوغه هذا السـن و لو كـان لا زال يتابع دراستـه ، و هذا لا يتناسب مع ما يجري به العمل من كون الدراسة الجامعية خاصة منها العليا ينتهي منها الطالب أو الطالبة في الغالب بعد ذلك السن ، و لحسن الحظ أن الناس لا يسايرون القانون في حياتهم الواقعية بخصوص إنفاقهم على أبنائهـم الذيـن

ــــــــــــــــ

(1) أحمد اليعقوبي : حق الطفل في التعليم : أية حماية ؟ ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص ، كلية الحقوق فاس ، السنة الجامعية 2002/2003 ص : 76 .

(2) الأب ملزم بالإنفاق على ابنه حتى قبل ميلاده بأدائه نفقة مطلقته الحامل كما سبقت الإشارة إلى ذلك سابقا عند حديثنا عن نفقة الزوجة المطلقة .

83

 

 

يتابعون دراستهم الجامعية ، لذلك كان حريا بالمشرع أن يقرن توقف الأب عن نفقة أبنائه بعد انتهاء دراستهم ، شريطة أن يكونوا جديين فيها غير مكتفين بشهادة التسجيل السنوية (1) ، و بالنسبة للفتاة فان نفقتها على أبيها تستمر إلى حين زواجها ، إذ تجب النفقة على الزوج بالدخول أو الدعوى إليه (2) ، و في جميع الأحوال تجب نفقة الأب على أبنائه العاجزين عن الكسب أو المصابين بإعاقة ، بحيث إذا كان العجز كليا الزم بكل النفقة أما إذا كان جزئيا لحصولهم على دخل غير كاف كمنحة جامعية ، فالأب يتحمل الجزء الباقي من النفقة حسب تقرير المحكمة وفقا لظروف و ملابسات كل قضية و وضعية الطرفين ، و بخصوص الأطفال المصابين بإعاقة فان النص على إلزام الأب صراحة بالإنفاق عليهم يندرج في إطار تكريس حقهم الطبيعي في الحماية القانونية الخاصة ، باعتبارهم من ذوي الاحتياجات الخاصة التي يسعى المشرع إلى تمتيعهم بها في كل الفروع القانونية .

و إذا كانت هذه المقتضيات التي تتضمنها مدونة الأسرة بخصوص نفقـة الأبنـاء ، لا تثير أي إشكال متى كان الأب المحكوم عليه قادرا على تنفيذ واجباته نحوهم ، فان وجه الصعوبة يكمن في حالة عجزه عن القيام بذلك ، خاصة و أن المادة 188 من نفس المدونة تنص على أنه : » لا تجب على الإنسان نفقة غيره إلا بعد أن يكون له مقدار نفقة نفسه و تفترض الملاءة إلى أن يثبت العكس « ، لذلك حماية لحقوق الأطفال المحضونين فان المسؤولية الإنفاق عليهم تنتقل استثناء إلى الأم إذا كانت موسرة ، حيث تنص المادة 199 من المدونة على ما يلي : » إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق  على أولاده و كانت الأم موسرة ، و جبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب « ، لكـن التسـاؤل الذي يطـرح في هذا الصدد : ما مصير الأبناء في حالة عجز الأم هي الأخرى عن الإنفاق عليهم بسبب عسرها ؟ .

ــــــــــــــــ

(1) أحمد الخميلشي : مرجع سابق ، ص : 260 –261

(2) تنص المادة 194 على أنه : " تجب نفقة الزوجة على زوجها لمجرد البناء و كذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد إليها " .

 

84

 

 

الأكيد أن معظم المشاكل التي تواجه الأطفال في سنهم المبكرة ، و تجعل منهم ضحايا مختلف أشكال الاستغلال و سوء المعاملة سببها الحاجـة و الإهمـال الأسري ، نظرا لعدم قدرة الأبوين على الوفاء بالتزاماتهما تجاههما ، سيما في حالة انفصالهما عن بعضهما نتيجة الطلاق أو التطليق ، لذلك مادامت الدولة طبقا للمادة 54 من مدونة الأسرة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال و ضمان حقوقهم و رعايتهم حسب القانون ، نتساءل لماذا لم تبادر إلى إحداث صندوق التكافل العائلي الذي من شأنه أن يحل العديد من المشاكل المرتبطة بقضايا الأسرة ، خاصة في حالة عجز الأبوين عن الاتفاق على أبنائهما بعد الانحلال علاقتهما الزوجية ؟ .

إضافة إلى ما سبق فان من واجبات النفقة طبقا للمادة 171 من مدونة الأسرة توفير سكن لائق للمحضون ، الذي كان يعتبر في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة عنصرا من عناصر النفقة على المشهور في المذهب المالكي ، حيث يقـول ابن جزي ما يلي : » … كراء المسكن للحاضنة و المحضونون على والدهم في المشهور ، و قيل تؤدى حصتها من الكراء … « (1) ، فالأب ملزم بتهييئ لأولاده محلا لسكناهم سواء كان بيت الزوجية أو مسكن آخر يعد لهذا الغرض ، و إذا تعذر ذلك عليه أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه ، و ذلك بشكل مستقل عن باقي التزاماته المالية ، و في جميع الأحوال لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكناه ( المادة 168 من مدونة الأسرة ) ، حيث تظل الزوجة الحاضنة تشغل هي و أبنائها ذلك المسكن خلال فترة الحضانة (2) ، و نفس هذا المقتضى ينص عليه القانون المصري في الفقرتين الأولى و الرابعة من المـادة

ـــــــــــــــــ

(1) ابن جزي : مرجع سابق ، ص : 120 .

(2) يميز الفقه الإسلامي بخصوص انتهاء الحضانة بين الذكر و الأنثى ، فبالنسبة للذكر تنتهي ببلوغه إما الأنثى فتمتد إلى حين دخول الزوج بها ، و هو ما كان ينص عليها الفصل 102 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، الذي عدل بالمادة 166 من مدونة الأسرة بنصها على أنه : " تستمر الحضانة إلى بلوغ سن الرشد القانوني للذكر و الأنثى على حد سواء " ، حيث كرس من خلالها المشرع مبدأ المساواة بين الجنسين على هذا المستوى .

 

85

 

 

18 مكرر ثالثا من المرسوم بمثابة قانون رقم 25 لسنة 1929 المعدلة بقانون 100 لسنة 1985 ، حيث جاء فيها : » على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقتـه و لحاضنتهم المسكن المستقل المناسب ، فإذا لم يفعل خلال مدة العدة استمروا في شغل مسكن الزوجية المؤجر دون المطلق مدة الحضانة … فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود إلى المسكن « .

و لأجل ضمان توفير سكن لائق و مناسب للأطفال ، يمكن للمحكمة طبقا للمادة 172 و في إطار السلطة المخولة لها لحماية حقوقهم ، أن تستعين بمساعدة اجتماعية تتولى مهمة مراقبة موقع و طبيعة سكن الحاضن ، و ما يوفره للمحضون من الحاجيات الضرورية سواء المادية منها أو المعنوية ، باعتبار السكن مكـان للراحـة و الاستقرار و فضاء طبيعي للتربية و التنشئة الاجتماعية ، حيث تقوم بإنجاز تقرير مفصل حول ذلك تحيله على المحكمة التي انتدبتها لاتخاذ ما تراه مناسبا ، إلا أنه في ظل غياب إطار قانوني ينظم عمل المساعدة الاجتماعية ، من خلال تحديد صلاحياتها و مسؤولياتها كما هو معمول به في بعض القوانين المقارنة ، فان مقتضيات المادة 172 من مدونة الأسرة تظل معطلة .

الفقرة الثانية : حـق الطفـل المحضـون في الرعايـة الأبوية

تمثل الأسرة بالنسبة للطفل إطـارا اجتماعيا يـزوده بعناصر التنشئة و التكوين و الأمان ، و هي عناصر متداخلة يتوقف نموه السليم و المتكامل على تفاعلها ، حيث إن انحلال العلاقة الزوجية يحرمه من حقه في الأسرة ، مع كل ما يترتب عن ذلك من حرمانه من العيش في فضاء الأسري تبنى على أساسه شخصيته المتزنة في جميع جوانبها النفسية و العقلية و السلوكية (1) ، ذلك أن العديـد من الدراسات التـي

ـــــــــــــــــ

(1) محمد كرادة : الحق في الأسرة :محاولة في التأسيس و الحماية ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة ، كلية الحقوق بفاس السنة الجامعية 2002/2003 ص : 116 .

 

 

86

 

 

 

 أنجزت حول الوضعية الصعبة التي تعيشها بعض الأطفال ، أكدت أن سببها الرئيسي يكمن في حرمانهم من حقهم من الأسرة نتيجة التفكك الأسر (1) .

فالطفل في ظل الوضع الأسري الذي يعيشه بعد انفصال أبويه عن بعضهما بسبب التطليق للشقاق ، يحتاج إلى العناية و الرعايـة الأبويـة التي تلبي حاجياتـه و تجنبه المخاطر التي قد يتعرض لها نتيجة ذلك ، خاصة و أنه لازال في طور النمو و يفتقد للمناعة الذاتية التي تحميه من كل ما من شأنـه أن يؤثـر سلبا على بقائـه و نمائـه ، لذلك فقد بادر المشرع المغربي إلى تنظيم حقوقه و الحرص على ضمان احترامها ، كما يتجلى ذلك من خلال المقتضيات المنظمة للحضانة و تنظيم حق الزيارة في مدونة الأسرة ، حيث أحاط ذلك بالعديد من الضمانات يؤطرها مبدأ المصلحة الفضلى للطفل ، تماشيا مع تعاليم الإسلام الحنيف التي تعتبر المعيار الأكثر ملاءمة في مجال أحكام الفضيلة المنظمة للعلاقات الأسرية ، خاصة في شقها المتعلق بعلاقة الأباء مع أبنائهم ، و كذلك انفتاحا على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الصادر سنة 1989 في إطار ملاءمة القوانين الداخلية مع مقتضياتها (2) ، إذ تنص في المادة الثالثة على أنه : » في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال ، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة ، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية ، يولى الاعتبار الأول لمصلحة الطفل الفضلى « .

إن حضانة الطفل انطلاق من المبدأ العام المؤطر لحقوقه ، تعني في جوهرها رعايته و تربيته و حمايته ، حيث عرفها الفقيه ابن عرفة بقوله : » … حفظ الولد في مبيته و مؤونته و طعامه و لباسه و مضجعه و تنظيف جسمه … « (3) ، و نفس هذا التعريف تقريبا أورده المشرع في المادة 163 من مدونة الأسرة بنصها على أن :

ـــــــــــــــــ

(1) عبد الرحمان مصلح شرادي : انحراف الأحداث في القانون المغربي و المقارن ، ص :

(2) محمد ناصر متيوي : موقع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في النظام القانوني المغربي ، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية : عدد 54-55 2004 ص : 192 .

(3) أشار إليه محمد الكشبور في : أحكام الحضانة – دراسة في الفقه المالكي و في مدونة الأسرة – الطبعة الأولى  2004 ، ص : 16 .

87

 

 

» الحضانة حفظ الولد مما قد يضره و القيام بتربيته و مصالحه « ، و الحضانة تسند مبدئيا طبقا للشرع و القانون إلى الأم (1) ، باعتبارها أشفق على المحضون و أصبر و أقدره على القيام بجميع شؤونه الضرورية التي يعجز عنها بسبب صغر سنه ، من تغذية و فراش و نظافة و تمريض ، إضافة إلى توجيـه و إعداد للحياة بكل تشعباتهـا ، ذلك أنه إذا كان الأصل في الحضانة مصلحة المحضون فإنها بالنسبة للحاضنة يتداخل فيها الحق بالواجب ، لذلك يتعين عليها القيام بقدر الإمكان بكل الإجراءات اللازمة لحفظه و سلامته في جسمه و نفسه ، إلى حين بلوغه سن الرشد الذي تنتهي فيه الحضانة ، أو تفضيله الانفصال عنها بعد بلوغ السن الخامسة عشرة من عمره طبقا للمادة 166 من مدونة الأسرة .

و حتى يتأتى للطفل المحضون الاستفادة من حقه الكامـل في الرعايـة الأبويـة ، يجب الحفاظ ما أمكن على استمرارية روابطه مع أبويه و محيطه العائلـي ، لما في ذلك من إشباع لحاجيات العاطفية و المعنوية التي هو في أمس الحاجة إليها في ظل الوضع الأسري الذي يعيشه ، حيث تنص المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الطفل في فقرتها الثالثة على أنه : » تحترم الدول الأطراف حق الطفل المنفصل عن والديه أو عن أحدهما في الاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصيـة

و اتصالات مباشرة بكلا والديـه ، إلا إذا تعـارض ذلك مع مصالح الطفـل الفضلى « ، ذلك أن الطرف الذي حرم بمقتضى القانون من حق الحضانة ، يبقى له طبقا لنفس القانون في زيارته ابنه خلال فتـرات تحدد مبدئيا بناء على اتفاق الأبويـن ، أو عند الاقتضاء بتدخل من القضاء الذي يبادر في قرار إسناد الحضانة إلى ضبط وقت و مكان إجراء الزيارة ، مع إمكانية تضمينه شرط عـدم منع السفـر

ـــــــــــــــــ

(1) يتمثل السند الشرعي لحق الأم في الحضانة في ما رواه ابن عمر من أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت : " يا رسول الله هذا ابني كان بطني له وعاء و حجري له حواء ثدي له سقاء و إن أباه طلقني و أراد أن ينتزعـه مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلـم : " أنت أحق به ما لم تنكحـي " ، أما السند القانوني فيتجلى في المادة 171 في مدونة السرة التي تجعل الأم في مقدمـة ترتيب الحاضنيـن  .

 

88

 

 

بالمحضون خارج المغرب دون موافقة نائبه الشرعي ، حيث تتولى النيابة العامة تبليغ مقرر المنع إلى الجهات المختصة لاتخاذ ما تراه مناسبا من إجراءات لضمان تنفيذه ، و كل ذلك تراعي فيه المحكمة ظروف الأطراف و الملابسات الخاصة بكل قضية تجنبا لكل تحايل في التنفيذ (1) ، ذلك أن من الإشكاليات العملية المرتبطة بحقي الحضانة و الزيارة – خاصة في إطار الزواج المختلط – ما يصطلح عليه بالاختطاف أو النقل غير المشروع للأطفال (2) ، فبعد الحسم في مسألة الحضانة بإسنادها إلى أحد

الأبوين ، يعمد الطرف الآخر إلى تحايل الفرص لأجل لانفراد بالطفل أثناء ممارسته لحقه الطبيعي و القانوني في زيارته ، لارتكابه فعله المجرم قانونا عن طريق نقله بطريقة غير مشروعة إلى مكان أو بلد آخر غير المكان أو البلد الذي يقيم فيه من له

ـــــــــــــــــ

(1) رغم أهمية المقتضيات التي جاءت بها مدونة الأسرة بخصوص تنظيم حق الزيارة ،فان القضاء الأسري لازال ينتابه التردد بشأن تفعيلها ، كما يتضح ذلك من خلال الأحكام القضائية الصادرة عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية فاس ، حيث نجده تارة يحدد اليوم و الوقت الذي يمارس فيه ، كما هو الشأن بالنسبة للحكم رقم 3099 في ملف رقم 829/2004 الصادر بتاريخ 27 يونيو 2005 ، حيث ورد فيه : " يحكم على المدعى عليها … تمكين المدعي … من ابنته قصد صلة الرحم بها يوم الأحد في كل أسبوع من الساعة التاسعة صباحا الى غاية الخامسة مساء … " ، و تارة أخرى يكتفي فقط بتقرير حق الزيارة دون تحديد مكان أو على الأقل زمن ممارسته ، فمما جاء في الحكم رقم 237 في ملف رقم 2616/04 الصادر بتاريخ 17 يناير 2005 ما يلي : " و حيث أن طلب صلة الرحم طلب في محله و يتعين الاستجابة له وفقا لقانون مدونة الأسرة … حكمت المحكمة … على المدعى عليها بتمكين المدعي من صلة الرحم مع ابنه مرة واحدة كل أسبوع " .

(2) تعرف المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي لسنة 1985 حول الأوجه المدنية للاختطاف الدولي للأطفال ، لنقل غير المشروع للأطفال بأنه : " كل انتهاك لحق الحضانة الممنوح لشخص أو مؤسسة أو أي جهاز آخر بواسطة قانون الدولة التي كان يقيم فيها الطفل بصفة اعتيادية مباشرة قبل نقله أو عدم إرجاعه " ن كما تعرفه المادة 7 من الاتفاقية المغربية الإسبانية بشأن التعاون القضائي و الاعتراف و تنفيذ المقررات القضائية في مادة الحضانة وحق الزيارة ، الموقع عليها بتاريخ 30 ماي 1997، كما يلي : " … كل نقل تم خرقا المقرر قضائي صدر حضوريا و أصبح قابلا للتنفيذ فوق التراب الدولة الطالبة … أو لحق الحضانة الممنوح للأب وحده أو للأم وحدها بمقتضى الدولة التي ينتمي إليها " .

 

 

89

 

 

حق حضانته (1) ، حيث يصبح الطفـل في هذه الحالـة وسيلـة للضغط و الانتقـام و تصفية الحسابات بين الأبوين .

و لأجل تعزيز حق الطفل في الرعاية الأبوية تنص المادة 185 من مدونة الأسرة على أن صلة الرحم لا تنقطع بمجرد وفاة أحد والديه ، بل تستمر بحلول جده أو جدته من جهة أبيه أو أمه ، لكن رغم أهمية هذا المقتضى فانه يبدو غير ملائم مع العادات و التقاليد السائدة في المجتمع المغربي بخصوص الروابط العائلية ، حيث كان حريصا بالمشرع أن يشمل حق الزيارة جميع أقارب المحضون وفق ما تقضيه مصلحته الفضلى ، انسجاما مع التوجه المعمول به في بعض القوانين المقارنة من تعويض مصطلح السلطة الأبويـة ( Puissance Parternelle ) بولايـة القرابـة ( L'autorité Parentele ) ، كمـا فـي القانـون الهولنـدي ( تعديـل 1970 )  و القانون السويسري ( تعديل 1972 و 1976 ) و القانـون الفرنسـي الصادر في 04/06/1974 الذي ينص في مادته السادسة على أنه : » في جميع النصوص التي وردت فيها عبارة السلطة الأبوية تعوض بولاية القرابة « ، ذلك أن  الهدف من ذلك إخضاع الطفل في كل ما يتعلق بتربيته و حمايته إلى سلطة الأبوين معا رغم التطليق

الحاصل بينهما أو في حالات أخرى إلى سلطة أحد أفراد العائلة إذا كانت مصلحته تقتضي ذلك ، إضافة إلى جعل الصلاحيات المرتبطة بولاية القرابة محدودة ، حيث أن القانون يتدخل لحماية مصالح الأطفال حتى ضد أبويهم .

عموما  فالحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال طبقا للمقتضيات القانونية المنصوص عليها في مدونة الأسرة ، تبقى قاصرة إذا لم يتم تفعيلها .

ــــــــــــــــ

(1) تنص المادة 477 من القانون الجنائي المغربي على ما يلي : " إذا صدر حكم قضائي و كان نهائيا أو نافذا بصفة مؤقتة ، فان الأب أو الأم أو أي شخص يمتنع عن تقديم القاصر لمن له الحق في المطالبة بذلـك ، و كذلك إذا اختطفه أو غرر به و لو دون تدليس أو عنف أو حمل غيره على التغرير به أو اختطافه ممن عهد إليه بحضانته أو من المكان الذي وضعه فيه ، فانه يعاقب بالحبـس من شهر إلى سنـة و غرامة من مائة و عشرين إلى ألف درهم ، أم إذا كان مرتكب الجريمة قد حرم من الولاية الأبوية على القاصر فان الحبس يمكن يصل إلى ثلاث سنوات " .

 

90

 

 

المبحث الثاني : تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال

إن المشرع المغربي في المواد المنظمة لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال المحضونين ، لم يكتفي فقط بالحرص على تنظيمها نظريا ، بل تجاوز ذلك إلى النص على مجموعة من الضمانات القانونية الكفيلة بتفعيلها عمليا ، من خلال تخويله للمحكمة المختصة إمكانية اتخاذ ما تراه ضروريا من وسائل و إجراءات لتنفيذ الحكم البات فيها ( المطلب الأول ) ، و التي تواجهها من الناحية الواقعية بعض الصعوبات تقتضي ضرورة تجاوزها انسجاما مع طبيعة و خصوصية الحقوق الرامية إلى حمايتها ، ( المطلب الثاني ) .

 

المطلب الأول : وسائل و إجراءات تنفيذ الحكم القضائي المتضمن لمستحقات الزوجــــة و الأطفــــــال

من المؤكد أن الحماية القضائية للحقوق المضمنة في الأحكام و القرارات القضائية الصادرة عن المحاكم – باعتبارها أهم السندات التنفيذية الحائزة لقوة الشيء المقضي به – تظل قاصرة و عاجزة عن تحقيـق العدالة الواقعيـة إذا لم يتم تنفيذهـا ، فهذا الأخير يشكل التجسيد الفعلي لمنطوق تلك الأحكام و القرارات بنقلها من مجالها النظري إلى واقعها العملي ، بحيث إن الفعالية الكامنة فيها يتوقف تفعيلها على هذه المرحلة بالذات ، لذلك أولت الأنظمة القانونية المعاصرة أهميـة بالغة للتنفيذ ، بجعله مؤسسة قانونيـة و قضائية تشـرف على مباشرة إجراءاته طبقا للقانون (1) .

ـــــــــــــــــ

(1) نظم المشرع المغربي الإجراءات العامة للتنفيذ في الفصول 411 إلى 510 من قانون المسطرة المدنيـة ، إضافة إلى بعض الإجراءات الخاصة الواردة في مدونة التجارة ، و ظهير 12 نونبر 1956 بشأن رهن أدوات و معدات التجهيز ، و المرسوم الملكي المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة المـؤرخ في يونيــو 1915 ، و المرســوم المـؤرخ في 17 دجنبــر 1968 المتعلـق بالقـرض العقـاري و السياحـي ، و قانون إحداث المحاكم التجارية ، و قانون إحداث المحاكم الإدارية ، ثم القانون المتعلق بصدور مدونة الأسرة … الخ .

91

 

 

 

و مهمة التنفيذ التي أناطها المشرع المغربي بجهاز كتابة الضبط تكتسي أهميـة و خطورة في نفس الوقت (2) ، نظرا للصعوبات القانونية و الواقعية التي تفرزها إجراءاته ، و التي تشكل عبئا إضافيا و عقبة في طريق توصل المحكوم لهم بحقوقهـم ، حيث يقول في هذا الإطار محمد سلام بأن التنفيذ : » يتسم بالصبغة القانونية و القضائية و نعيشهـا يوميا في الحياة العمليـة بالمحاكـم بكل تشعباتهـا و تعقيداتها معا ، لدرجة أصبح العقبة العظمى التي يحسب لها المتقاضون ألـف حساب ، سواء كانوا طالبين أو مطلوبين فيه ، و كثيرا ما شكل المادة الخام لإلصاق التهم بالمؤسسات القضائية عموما ، أو بكتابـة الضبط خاصة تلك التي تهم التأخيـر و التماطل و التسويف ، بل أحيانا التلاعب و التآمر على الحقوق « (3) .

من هذا المنطلق ، و نظرا لكون المقتضيات القانونية التي كانت في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، لم تكن كافية لضمان تنفيذ الأحكام الصادرة بخصوص مستحقـات الزوجـة المطلقـة و الأطفـال بالشكـل الذي يتناسـب مع طبيعتهـا و خصوصياتها ، فقد كان من الضـروري أن يبـادر المشرع المغربـي في إطـار

ـــــــــــــــــ

(1) نظم المشـرع المغربي الإجراءات العامة للتنفيذ في الفصول 411 إلى 510 من قانون المسطرة المدنيـة ، إضافة إلى بعض الإجراءات الخاصة الواردة في مدونة التجارة ، و ظهير 12 نونبر 1956 بشأن رهن أدوات و معدات التجهيز ، و المرسوم الملكي المحدد للتشريع المطبق على العقارات المحفظة المـؤرخ في يونيــو 1915 ، و المرســوم المـؤرخ في 17 دجنبــر 1968 المتعلـق بالقـرض العقـاري و السياحـي ، و قانون إحداث المحاكم التجارية ، و قانون إحداث المحاكم الإدارية ، ثم القانون المتعلق بصدور مدونة الأسرة … الخ .

(2) جاء في خطاب للمرحوم الملك الحسن الثاني بمناسبة استقباله لأعضاء الحكومة و كبار رجـال القضاء و المحامين و بعض العدول بتاريخ 21 مارس 1982 ما يلي : " على المغرب أن يجعل من العدل الأساس لحياته اليومية و الأساس لفضيلته التربويـة … مسؤولية القاضي ليست أجسم من مسؤوليـة كاتب الضبـط ، و مسؤولية المحامي ليس أقل من مسؤولية القاضي ، و مسؤولية التنفيذ هي أعتقد شخصيا أكبر المسؤوليات … فعدم التنفيذ أو التماطل في التنفيذ يجر المرء إلى تفكير آخر هو انحلال الدولة … حذار من العدل الظالم … " .

(3) محمد سلام : مسطرة التنفيذ الجبري و إجراءاته ، مجلة الملحق القضائي ، العدد 20 ، ص : 97 . 

 

92

 

 

المستجدات التي جاء بها في مدونة الأسرة ، إلى سن قواعد خاصة بتنفيذ تلك الأحكام تحقق حماية أفضل لأصحابها ، من بينها ما تنص عليه المادة 168 كمــا يلــي :

» لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون ، على المحكمة أن تحدد في حكمها  الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذ الحكم من قبل الأب المحكوم عليه « ، كذلك تنص المـادة 191 علـى أنـه : » تحدد المحكمة وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة و تكاليف السكنى على أموال المحكوم عليـه ، أو اقتطاع النفقة من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه ، و تقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفيلة باستمرار أداء النفقة … « .

فالمحكمة طبقا لهذه المقتضيات و هي بصدد البت في المستحقات خاصة المتعلقة بالأطفال ، تكون ملزمة حسب صياغة المادتين أعلاه ( تحدد المحكمة و سائل تنفيذ الحكم … ، على المحكمة أن تحدد في حكمها الإجراءات …) بتضمين الأحكام القضائية الصادرة بشأن التطليق للشقاق و المتضمنة لها ، الوسائل و الإجراءات الكفيلة بضمان تنفيذها و الاستمرار فيه ، مثل الأمر بالتنفيذ المباشر على أموال الأب المحكوم عليه الموجود في البنك ، أو الاقتطاع من منبع الريع أو الأجـر الذي يتقاضاه (1) أو من مدينه كالمكتري ، أو بحجز بعض أمواله إذا لم ينفذ الحكم داخل فترة من صدوره مادام الحكم حضوريا ، حيث يمكن للمحكمة كما كان منصوص عليه في الفصل 435 ق.م.م المعدل أن تطلب من المحكوم عليه تنفيذ الحكم طوعيـا

ــــــــــــــــــ

(1)من التطبيقات القضائيـة لهذه الإجراءات المرتبطة بتنفيذ الحكم القضائي البـات في مستحقـات الأطفال ، الحكم القضائي الصادر عن قضاء الأسرة بالحسيمة رقم 193 بتاريخ 29/03/2005 ، حيث قضى باقتطاع نفقة الأبناء و أجرة السكن مباشرة من أجر المحكوم عليه ، إلا أن طريقة اقتطاع واجب النفقة من المنبع ، يصادف في بعض الحالات وجود بعض الصناديق:مثل الصندوق المغربي للتقاعد أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، بها نظام الأداءات عند نهاية كل ثلاثة أشهر و ليس في نهاية كل شهر ، و هو ما ينتج عنه عدة مشاكل خاصة عند الدخول المدرسي أو في بعض المناسبات الدينية أو في حالة مرض أحد الأبناء ، فضلا عن كون نظام الأداءات على رأس كل ثلاثة أشهر لا يساعد على برمجة المصاريف اليومية للأطفال .

 

93

 

 

أو تقديم عروض ، مع مراعاة أحكام المادتين 458 و 488 من ق.م.م بخصوص الأشياء التي يصرح القانون بعدم قابليتها للحجز .

و تفاديا لأي تماطل أو تحايل في التنفيذ من طرف الأب المحكوم عليه ، يمكن للمحكمة عند الاقتضاء أن تقرر بعض الضمانات في الحكم الذي تصدره ، مثل تضمين قرار إسناد الحضانة منع السفر بالمحضون إلى خارج المغرب إذا كان هو الحاضن ، أو حجز جواز سفره إذا كان مقيما في الخارج ، أو استصدار قرارا تمهيدا قبل الحكم بالتطليق للشقاق يأمر الزوج إذا كان مدعيا بإيداع المستحقات بصندوق المحكمة ( داخل أجل أو بدونه ) ، و إلا اعتبر متراجعا عن طلبه ، إلى غير ذلك من الضمانات التي يمكن للمحكمة أن تقررها لضمان تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال المقررة ضمن الأحكام التي تصدها و التي غالبا ما تكون مشمولة بالنفاذ المعجل في شقها المتعلق بالنفقة و السكنى .

فهذه المقتضيات الاستثنائية التي يمكن للمحكمة أن تضمنها في الأحكام الصادرة بخصوص مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال في دعاوي الشقاق ، رغم أهميتها باعتبار أن تفعيلها من شأنه أن يخفف على الأقل من حدة المشاكل القانونية و الواقعية التي تفروها القواعد العامة للتنفيذ المدني ، فان واقع العمل القضائي يؤكد وجود صعوبات لازالت تعترض تنفيذ تلك الأحكام .

الفقرة الثانية : صعوبـات تنفيـذ الحكم القضائي المتضمن لمستحقـات الزوجة المطلقة و الأطفـــال و آليــــات تجاوزهـــــا

تواجه أحكام التطليـق للشقـاق الباتة كذلك في مستحقـات الزوجة المطلقـة و الأطفال – على غرار باقي الأحكام الأخـرى – العديـد من الصعوبات أثناء تنفيذها ، تختلف من حيث أشكالهـا و يتدخـل فيها ما هو قانونـي بما هو اقتصادي

و اجتماعي نظرا لخصوصيتها و طبيعتها ، ذلك أن الصعوبة في التنفيذ كما يقول أحمد النويضي : » من أكثر الاشكالات المعروضة على القضاء باستمرار ، بحيث لا يكاد يخلو ملف تنفيذي من إثارة هذا الإشكال ، إلى درجة أصبح معها هذا الموضوع

 

94

 

 

 

 ملفتا للنظر من قبل الفقه و القضاء على حد سواء « (1) ، كما يعرفه عبد الله الشرقاوي بأنه : » المنازعة القانونية و الواقعية التي يثيرها المهدد بالتنفيذ أو المنفذ ضده ، أو أي طرف يمس التنفيذ بمصالحه بناء على ادعاءات يتمسك بها بحيث لو صحت لأثرت في التنفيذ ، فيصبح التنفيذ جائزا أو غير صحيح أو باطلا يمكن الاستمرار فيه أو يوقف السير فيه « (2) .

فقد تثار تلك الصعوبات قبل الشروع في عملية التنفيذ ، خاصة عندما يصدر الحكم غيابيا أي دون حضور الزوج المحكوم عليه ، حيث يتعين و الحالة هذه اللجوء إلى القواعد العامة للتنفيذ الذي يعتبر الأصل فيها طبقا للمادة 44 ق.م.م الاعذار مع التبليغ بنصها : » يبلغ عون التنفيذ إلى الطرف المحكوم عليه  الحكـم المكلف بتنفيـذه ، و يعذره بأن يفي بما قضى به الحكم حالا أو بتعريفه بنواياه « ، لأن الأصل في التنفيذ إعطاء المنفذ عليه فرصة القيام بالوفاء اختياريا تفاديا للجوء إلى التنفيذ الجبري ، فتبليغ الحكم و الاغدار بالوفاء ضروريان حتى يتأتى لمأمور الإجراءات التنفيذية أن يعرف نية المدين و اتخاذ ما يراه موافقا للقانون ، حيث إن تماديه في الامتناع عن التنفيذ رغم كل ذلك ، يبرر للمحكمة القيام بالتنفيذ الجبري القضائي الذي لا يخلو هو الآخر من صعوبات .

و قد تثار بعد الشروع في التنفيذ حيث تكون الرقابة القضائية لاحقة لذلك ، كما إذا طرأت ظروف استثنائية جعلت تنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في الحكم القضائي متعذرة مما يتعين تعديله و مراجعته .

و من تطبيقات ذلك أن المشرع في المادة 183 من مدونة الأسرة ، خول للمحكمة إمكانيـة مراجعة و تعديـل تنظيـم حق الزيـارة المقرر باتفاق الأبوين أو

بالمقـرر القضائي ، إذا استجدت ظروف أصبح معها ضارا بأحد الأطراف أو ـــــــــــــــــ

(1) أحمـد النويضي : القضاء المغربي و اشكالات التنفيذ الجبري للأحكام ، مطبعـة وراقـة الكتاب بفـاس ، الطبعة الأولى مارس 1995 ، ص : 31 .

(2) عبد الله الشرقاوي : صعوبات التنفيذ ، مجلة القضاء و القانون ، عدد 28 ص : 20 .

 

95

 

 

المحضون ، و نفس هذا المقتضى يمكن تطبيقه إذا لمراجعة مبلغ نفقة و أجرة سكن المحضون … الخ .

و بذلك ففي حالة وجود مثل هذه الصعوبات يمكن للمنفذ له أو نائبه إذا كان قاصرا ، أو المحكوم عليه أو العون المكلف بتبليغ و تنفيذ الحكم القضائي ، إثارتها أمام رئيس المحكمة الابتدائية أو بالنيابة أمام رئيس قسم قضاء الأسرة التي يجري بدائرتها التنفيذ (1) ، من خلال تقديم مقال استعجالي طبقا للفصل 149 ق.م.م ، حيث يقوم رئيس المحكمة أو نائبه باستدعاء الطرفين و الاستماع إليهما شريطة توفر عنصر الاستعجال الذي يتوقف عليه اختصاصه كقاض للمستعجلات ، حيث يمكنه رفض الطلب إذا ثبت له انتفاءه .

و نظرا لحجم المسؤوليات المنوطة برئيس المحكمة الابتدائية سواء الولائية منها أو القضائية ، فان إسناد النظر له في الصعوبات التي تواجه تنفيذ الأحكام الصادرة بخصوص مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال إضافة إلى الأحكام الأخرى قد يشكل عبئا عليه ، مما يتعين معه إحداث منصب قاضي التنفيذ في كل قسم من أقسام قضاء الأسرة مستقل عن المحكمة الابتدائية بما يتلاءم مع النظام القضائي المغربي ، تكون له مهمة الإشراف الفعال و المتواصل على سائر إجراءات التنفيذ ، بدءا من فتح ملف التنفيذ إلى إيصال الحق لصاحبه ، بتنسيق مع القائمين به من أعوان التنفيذ و النيابة العامة ، خاصة و أن المشرع في إطار وعيه بالمشاكل القانونية و الواقعية التي تفرزها عملية التنفيذ في المجالين المدني و الجنائي ، عمل على إحداث منصب قاضي التنفيذ في القضايـا التجاريـة ( المادة 2 من قانـون إحداث المحاكم التجاريـة ) ، وقاضي تطبيق العقوبة طبقا لقانون المسطرة الجنائية الجديد ، فذلك سيعزز لا محالة الضمانات القانونية و القضائية لحسن تنفيذ مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال ، المحددة في الأحكام الصادرة بخصوص التطليق للشقاق .

ـــــــــــــــــ

(1) محمد النجاري : اختصاص المكان في دعاوي إشكالية التنفيذ المؤقتة ، مجلة الملحق القضائي ، عدد 22 ، ص : 155-166 .

 

96

 

 

الفصل الثاني : حق الزوج في التعويض عن التطليق للشـقـــــــاق

 

من المفارقات التي تميز انحلالا العلاقة الزوجية عن طريق الطلاق ، سواء في ظل التطليق القضائي لمدونـة الأحوال الشخصية الملغاة أو في مدونة الجديدة للأسـرة ، أن الزوج هو الذي يتحمل وحده كامل المسؤولية المادية المترتبة عن الحكم به ، من نفقة و أجرة حضانة و متعة بما تكتسيه من صبغة تعويضية لفائدة الزوجة (1) … الخ ، حيث يتم التغافل عن الحالات الأخرى التي يكون فيها هذه الأخيرة هي التي دفعته إلى طلاقها و ما أكثرها في الواقع .

 لذلك مراعاة للعدل و الإنصاف و تكريسا لمبدأ المساواة بين الزوجين في تحمل تبعات تفكك الأسرة متى تبتت مسؤولية أحدهم ، كان من الضروري أن يتدخل المشرع المغربي من خلال سنه لمسطرة الشقاق ، لاعطاء الزوج الحق في التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء الحكم بالتطليق عندما تكون الزوجة حسب قناعة المحكمة هي السبب فيه ، و ذلك بغض النظر عن الطرف المبادر إلى إثارة تطبيقها سواء كانا معا أو أحدهما فقط طبقا للمادة 94 من مدونة الأسرة .

 

و بنـاء عليه سنقسـم هذا الفصل إلى مبحثيـن على النحو التالـي :

 

المبحث الأول : مبدأ تعويض الزوج المتضرر بسبب التطليق للشقاق .

 

المبحث الثاني : التطبيق القضائي لحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق .

ــــــــــــــــ

(1) من العناصر التي تراعها المحكمة عند تقديرها لمبلغ المتعة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة ، مدى تعسف الزوج في الطلاق و كذا مدى مسؤوليته في الشقاق المفضي للحكم بالتطليق ( المادة 97 ) .

 

 

97

 

 

المبحـث الأول : مبــــدأ تعويــــض الــــزوج المتضرر بسبــــب التطليــــق للشقــــــــاق

 

للإحاطة بكل الجوانب المترتبطة بحق الزوج في التعويض عن الضرر الذي لحقه جراء الحكم بالتطليق للشقاق الذي تسببت فيه زوجته ، سنتعرض لتأصيله الفقهي ( المطلب الأول ) ثم لأساسه القانوني ( المطلب الثاني ) .

 

المطلـب الأول : التأصيـــل الفقهـــي لحــق الـــزوج فــي التعويـــض عـــن التطليــــق للشقــــــــاق

 

لقد أولى الإسلام عناية فائقة لسلامة الأسرة ودعم استقرارها و الحفاظ على استمراريتها في الزمن ، من خلال حثه للزوجين على المعاشرة بالمعروف و تبادل الاحترام و المودة و الرحمة و الحرص على العمل لما فيه خيرها ، حيث يقول تعالى في كتابه العزيز : ) و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة ( ، فالتوجـه الإسلامي المنظم لأحكام الفضيلة المترتبة بالأسـرة ، ينبذ كل ما من شأنه أن يفرغ مقاصد و أهداف عقد الزواج من محتواها الشرعي و يعبث بقدسيته ، خاصة من خلال الاستهتـار بالعلاقة الزوجية بالمبالغـة و التعسف في استعمال حق اللجوء إلى الطلاق أو التطليق حسب الأحوال من طرف أحد الزوجين ، أو أن يكون سلوكات و تصرفات أحدهما المتسمة بالتعسف هي التي حملت الآخر على اللجوء إلى ذلك .

فالإسلام من هذا المنطلق يبغض الطلاق بمفهومـه العام و ينفـر المسلميـن منه ، بوضع العراقيل أمام الرجل كي لا يقدم على طلاق زوجته منه مثل تحريمه أثناء الحيض أو في طهر جمعها فيه أو وقوعه أكثر من مرة في وقت واحد … ، كما

 

98

 

 

 

وعد الزوجة التي تطلب الطلاق من زوجها بدون سبب يبرره  بحرمانها من رائحة الجنة ، حيث يقول r :» إن أبغض الحلال عند الله الطلاق « ، و قـال عليه السلام : » أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بـأس فحرام عليها رائحة الجنة « ، ذلك أن الطلاق في الإسلام غير مطلق بل مفيد بالحاجة إليه ، فلا يجوز اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى التي يراعي فيها حدود الله ، حيث تكون الغاية المتوخاة منه الوقاية من الأضرار التي قد تنشأ عن الاستمرار في علاقة زوجية لا خير يرجى من استمراريتها ، و علاج للمشاكل القائمة بين الزوجين ، إذ أن انحلال العلاقة الزوجية وفق ضوابطه الشرعية يندرج ضمن مبدأ التيسير و رفع الحرج عنهما ، مادام أنه يستند على سبب معقول و مقبول شرعا يبعده عن وصف التعسف في استعماله و الكفر بنعمة الزواج (1) .

و مما لا يخفى على كل لب حصيف أن الحقوق الممنوحة للأفراد في الشريعة الإسلامية ، وسيلة لتحقيق المصالح أو درء المفاسد و ليست غاية في حد ذاتها ، حيث إن الفقهاء يجمعون على أنها مقيدة بحدود السلامة بالمجتمع و الأفراد ، لذلك فاستعمال أي حق منها رهين بتحقيق الغاية من إقراره إلا اعتبر تعسفا و انحرافا عن حدوده وعن نطاق مشروعيته ، مما يستوجب الضمان لفائدة المضرور عما لحقه من إساءة ، استنادا إلى نظرية التعسف في استعمال الحق التي تجد أصولها في الفقه الإسلامي من خلال الحديث النبوي الشريف : » لا ضرر و لا ضرار « ، حيث يستفاد منه تأكيد الشرع الإسلامي على حظر الأفعال و التصرفات التي تؤدي إلى إلحاق أضرار بالأفراد ، و لو كانت تستند أحيانا على حق القائم بها ، لأن مناط الحظر فيها هو ما تتسبب فيه من أضرار في مواجهة الغير بغض النظر عن كونها مشروعة أم لا (2) .

ـــــــــــــــــ

(1) عبد الرحمان الجزيـري : كتاب الفقه على المذاهـب الأربعة ( قسم أحوال شخصية ) ، المجلد الرابـع ، دار إحياء التراث العربي بيروت 1980 ، ص : 296 .

(2) بدران أبو العينين بدران : الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة السنية و المذهب الجعفري و القانون ، الجزء الأول ( الزواج و الطلاق ) ،طبعة 1967 ، ص : 310 .

99

 

 

و هكذا فان القول الراجح عند الفقهاء أن الأصل في الطلاق الحظر ، بحيث إن اللجوء إليه ينبغي أن يكون في إطار الغاية التي شرعه الله من أجلها ، بناء على أسباب معقولة و مقبولة من الناحية الشرعية ، و لم يحد عن ذلك إلا البعض الذي ذهب إلى اعتبار أن الحق في الطلاق مطلق و غير مقيد بسبب الحاجة إليه ، بمعنى أن للرجل حسب أصحاب هذا الرأي الأخير أن يطلق زوجته لمجرد الرغبة في التخلص منها ، و نفس الشيء بالنسبة للزوجة التي تملك هذا الحق لأي سبب من الأسباب (1) .

عموما يعتبر التعسف في اللجوء إلى الطلاق من طرف أحد الزوجين ، مبررا من الناحية الشرعية للحق في الضمان ( التعويض ) لفائدة الزوج الآخر ، جبرا لخاطره و تعويضا له عما لحقه من ضرر من جراء ذلك ، حيث يقول الإمام العزالي في هذا الشأن : » و هو مباح ( أي الطلاق ) إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل ، و مهما طلقها فقد أذاها و لا يباح إيذاء الغيـر إلا بحاجة من جانبهـا أو ضرورة من جانبـه « (2) ، فهذا القول إذا كان ينطبق على طلاق الزوج لزوجته ، فانه بمفهوم المخالفة ينطبق من باب أولى على الطلاق الذي تطلبه الزوجة ضد زوجها ، و منه التطليق التعسفي للشقاق كتطبيق من تطبيقاته ، كما خلص الفقيه ابن العربي المعافري المالكي الأندلسي في مقابلة منطقية أجرها بين عقود الأموال و عقود الأبدان إلى القول : » … فأما عقود الأبدان فلا تتم إلا باتفاق و التآلف و حسن التعاشر ، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه ، و كانت المصلحة في الفرقة و بأي وجه رأياها ( يقصد الحكمين ) ، في المتاركة ( أي بدون تعويض ) أو أخذ شيء من الـزوج أو الزوجة ( أي فرض تعويض لفائدة الطرف المتضرر عما لحق به من ضرر ) « (3) .

ــــــــــــــــــ

(1) بدران أبو العينين بدران : مرجع سابق ، ص : 311

(2) نقلا عن المرحوم علال الفاسي : النقد الذاتي ، مطبعة الدار البيضاء ، ص :290 .

(3) ابن العربي : مرجع سابق ، ص : 176 .

 

 

100

 

 

نافلة القول ، أن الإسلام أحاط العلاقة الزوجية بسياج من الضوابط الشرعية التي تنظمها و تحكمها وفق ما تقتضيه مقاصد عقد الزواج و نظامه الشرعي ، بحيث أن كل إخلال بها من طرف الزوجة عن طريق تعسفها في اللجوء إلى طلب الطلاق أو التطليق حسب الأحوال ، أو أن سلوكاتها المتسمة بالتعسف كانت هي السبب المباشر في الشقاق الحاصل بينها و بين زوجها ، اضطر معها هذا الأخير إلى تطليقها ، يبرر حق الزوج في التعويض عما لحقه من ضرر في إطار ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالضمان الـذي يتأسس في تطليـق أحكامه على قاعـدة : » لا ضرر و لا ضرار و أن الضرر يزال « .

إذا ثبت ذلك ، فما هو الأساس القانوني الذي يبرر حق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق ؟ .

 

المطلـب الثانـي : الأســاس القانونــي لحـــق الـــزوج في التعويــض عــن التطليــــق الشقــــــاق

 

مما لا شك فيه أن التعويض عن الأضرار التي تلحـق مقومات الأفراد المادية و المعنوية ، تكتسي أهمية بالغة ليس فقط من حيث  تنظيم سلوكاتهم و تصرفاتهم  داخل المجتمع من خلال حفظ حقوقهم و مصالحهم الخاصة ، بل كذلك من حيث إقامة العدالة الاجتماعية التي ترمي إلى إحقاق الحق و رفع الظلم ، بما يتطلبه ذلك من تحميل المسؤولة لكل من تسبب في إلحاق ضررا بالغير و إرغامه على تعويضه جبرا لخاطره (1) .

فقد ازدادت أهميـة الضمان في عصرنا الحاضر نتيجـة تشعب أنماط الحيـاة و تعقدها و تنوع متطلباتها ، إضافة إلى غلبة المصالح الخاصة على المصالح العامة

ـــــــــــــــــ

(1) خديجة عشور : الحماية القانونية للمقومات المادية و المعنوية للشخصية الإنسانية ، أطروحة لنيل الدكتوراه القانون الخاص ، كلية الحقوق أكدال الرباط ، السنة الجامعية 1998/1999 ، ص : 284 .

 

101

 

 

 و ما ترتب عن ذلك من تزايد حالات الإساءة بالغير ، خاصة في ظل تراجع الوازع الديني و تنامي التحايل على القيم الأخلاقية و الضوابط القانونية سيما في حالة وجود أحيانا الفراغ القانوني ، للعبث بالحقوق و لو تعلقت بحق بغيض عند الله تعالى الذي هو الطلاق أو التطليق حسب الأحوال .

لذلك فان تحقيق التفاعل بين القانون و الواقع ، اقتضى تدخل المشرع في المدونة الجديدة للأسرة لتطعيم مقتضياتها بمضامين جديدة ، انفتح من خلالها على باقي الفروع القانونية الأخرى خاصة القانون المدني ، كما يتضح ذلك من خلال إقراره لحق الزوجيـن في التعويض متى ثبتت مسؤوليـة أحدهما في التطليق للشقـاق ، إذ تنص في مادتها 97 على أنه : » في حالة تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق تثبت المحكمة ذلك في محضر و تحكم بالتطليق و بالمستحقات … مراعية مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدير ما يمكن أن تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الآخر « ، حيث أن القانون المغربي بهذا المقتضى يتفاعل مع بعض الأنظمة القانونية  المقارنة التي تقر حق التعويض لفائدة أحد الزوجين في حالات الطلاق ، كالقانون الفرنسي في المادتيـن 242 و 280 من القانـون المدني و المادة 700 من القانون الجديد للمسطرة المدنية (1) ، و كذا القانون المصري رقم 25 لسنة 1929 المعدل بقانون 100 لسنة 1985 ، حيث جاء في مادته العاشرة ما يلي : » إذا عجز الحكمان عن الإصلاح :

أ – فإذا كانت الإساءة كلها من جانب الزوج اقترح الحكمان التطليق بطلقة بائنة دون مساس بشيء من حقوق الزوجة المترتبة عن الزواج و الطلاق .

ب- إذا كانت الإساءة كلها من جانب الزوجة اقترحا التطليق نظير بدل مناسب يقدر أنه تلتزم به الزوجة .

ج- إذا كانت الإساءة مشتركة اقترحا التطليق دون بدل أو ببدل يتناسب مع نسبة الإساءة .

ـــــــــــــــــ

(1) Cathelineau . Indemnité exeptionnelle . edition 1994 . P . 148

102

 

 

و تجب الإشارة إلى أن التعويض عن انحلال العلاقة الزوجية خاصة عن طريق الطلاق ، أثار في البداية خلافا فقهيا و قضائيا يتراوح بين رأيين : الأول يرفضه استنادا إلى ما يسمى بالحق التقديري لصاحبه يمارسه وفق إرادته بحيث لا يوصف بالتعسف في جميع الأحوال ، و الثاني يوجبه بدعوى أن الطلاق الذي يتم بدون سبب معقول و مقبول ينطوي في الحقيقة على إساءة في استعمال الحق المخول لصاحبه شرعا و قانونا ، مما يلزم معه تعويض المضرور عنا لحقه من ضرر ماديا كان أو معنويا (1) .

و عليه بعدما حسم المشرع في مسألة التعويض لفائدة الزوج متى ثبتت مسؤولية الزوجية عن سبب الفراق ، و نظرا لكون التعويض يستلزم عنصر الضرر لنشوئه في ذمة المضرور ، فإننا نتساءل عن فحوى و طبيعة الضرر الذي يصيب الزوج بسبب التطليق للشقاق ؟ .

مادام الزوج هو الذي يتحمل كافة الالتزامات المالية المترتبة عن عقد الزواج باعتباره صاحب الحق في القوامة ، فان انحلاله يضر به خاصة عندما تكون الزوجة هي المتسببة فيه ، و لو كان هو المبادر مكرها إلى طلبه بفعل سلوكاتها و تصرفاتها المتسمة بالمبالغة و التعسف ، حيث يصبح بعد واقعة التطليق في وضعية صعبة من حيث التكاليف و التابعات الناجمة ، أو من حيث تربيـة أبنائه بعيـدا عنه ، إضافة إلى المشاكل النفسيـة التي قد يعاني منها نتيجة عـدم الاستقرار الأسري الذي يعيشـه ، … الخ ، مما يجعل من تلك الواقعة من أبرز المحطات السلبية التي تؤثر على حياة كثير من الأزواج و تغير مجرى حياتهم ، و بذلك فالضرر الذي يلحق الزوج من جراء التطليق للشقاق يتداخل فيه ما هو مادي بما هو معنوي ، مما يجعل حقه في التعويض مبررا شرعا و قانونا ، لكن ما هو الأساس القانوني الذي يمكن على ضوئه الحكم له به ؟ هل على أساس قواعد المسؤولية المدنيـة التقصيريـة ؟ أم على أساس نظرية التعسف في استعمال الحق ؟ .

ـــــــــــــــــ

(1) بدران أبو العينين بدران : مرجع سابق ، ص : 320 .

 

103

 

 

إن التعويض طبقا لقواعد المسؤولية المدنية التقصيرية يقتضي توافر عناصر الخطأ و الضرر و العلاقة السببية ، حيث ينص الفصل 77 من ق.ل.ع على أنـه : » كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة و اختيار ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر « ، كما ينص الفصل 78 منه أيضا على أن : » كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه لا بفعله و لكن بخطئه « ، و بذلك فهذين الفصلين يفصحان عن حكم عام يقرر وجوب التعويض عن كل ما من يأتي فعلا يلحق أضرار بالغير سواء كانت مادية أو معنوية ، غير أن الإشكال القانوني الذي يثار بمناسبة تفعيل هذه القواعد يتعلق بصعوبة إثبات العلاقة السببية بين الخطأ و الضرر و الذي يقع عبؤه على المضرور طالب التعويض (1) ، في حين أن الخطأ لا يتوفر في الحالات التي يستعمل فيها الإنسان حقا له من دون أن يتجاوز الحدود المرسومة لهذا الحق ، حيث جاء في الفصل 94 من ق.ل.ع ما يلي : » لا محل للمسؤولية المدنية إذا فعل شخص بغير الإضرار ما كان له الحق في فعله « ، و ذلك باستثناء الحالات الأخرى التي قد يكون فيها استعمال الحق ينطوي على الخطأ ، و هذا ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالإساءة أو التعسف في استعمال الحق (2) ، الذي يمكن أن ندرج ضمن تطبيقاته المعاصرة تعسف الزوجة في طلب التطليق للشقاق ، حيث يمكن للمحكمة في إطار السلطة التقديرية المخولة لها أن تحكم عليها بالتعويض لفائدة زوجها المتضرر من جراء ذلك ، خاصة و أن الفصل 5 من ق.م.م ينص على أنه : » يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا القواعد حسن النية « ، و التعسف في استعمال حق طلب التطليق للشقاق مظهـرا من مظاهر سوء نيـة الزوج ، و التي يمكـن للمحكمة أن

ــــــــــــــــــ

(1) سعدون العامري : تعويض الضرر في المسؤولية التقصيرية ، الجزء الثاني ، منشورات مركز البحوث القانونية بغداد ، ص : 99 .

(2) مأمون الكزبري : نظرية الالتزامـات  في ضوء قانـون الالتزامات و العقود المغربي ، الجـزء الأول ، ص : 448 – 449 .

 

104

 

 

تستشفها كذلك حتى عندما يكون الزوج هو المبادر إلى رفع دعوى الشقاق ، عندما ترفض الزوجة كل المحاولات الرامية إلى إصلاح ذات البين بينها و بين زوجها (1) .

و يبدو أن نظرية التعسف في استعمال الحق هو التوجه الذي تأخذ به جل أقسام قضاء الأسرة بالمملكة ، للحكم بالتعويض لفائدة الزوج  خاصة عندما تكون الزوجة هي المبادرة إلى رفع دعوى التطليق للشقاق ، فمما جاء في الحكم القضائي الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية الحسيمة ما يلي : » … 2 – في الطلب المقابـل : حيث يهدف المدعى إلى الحكم على المدعى عليها بإبدائها له 40.000 درهم كتعويض عن الضرر اللاحـق به للتعسف الذي لحقه من زوجته طالبة التطليـق ، و حيث إن المحكمة استنتجت من خلال ظروف النازلة و ملابساتها أن الزوجة كانت متعسفة في طلب التطليق ، خصوصا و أنها لم تثبت ادعائها بأية وسيلة إثبات ، و حيث أن المحكمة و بما لها من سلطة تقديرية ترى تحديد التعويض في مبلغ 20.000 درهم … « (2) .

إن الاستناد إلى نظرية التعسف في استعمال الحق ، لتأسيس الزواج في التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء طلب زوجته للتطليق ، أكثر انسجاما مع قواعد العدل و الإنصاف التي تعتبر أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها المدونة الجديدة للأسرة ، لكن حق الزوج في التعويض يبقى قاصرا إذا لم يتم تفعيله قضائيا .

 

المبحــث الثانـي : التطبيــــق القضائـــي لحق الـــزوج في التعويـض عـــــن التطليــــــق

لأجل تفعيل الحماية القانونية النظرية لحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق طبقا لأحكام المادة 97 من مدونة الأسرة ، يتعين على المحكمة أن تتثبت من

ـــــــــــــــــ

(1) يستفاد من الصياغة الواردة في المادة 97 من الأسرة ، أن المشرع لن يحصر حق الزوج في التعويض على الحالة التي تكون الزوجة فيها طالبة التطبيق مسطرة الشقاق ، بل يمكن للمحكمة أن تحكم له به حتى عندما يكون هو الذي بدر الى رفع الدعوى متى ثبتت لها مسؤولية الزوجة في الشقاق و الفراق .

(2) حكم رقم 622 ملف رقم 452/04 بتاريخ 15/09/05 ( غير منشور ) .

105

 

 

مسؤولية الزوجة في الشقاق و الفراق ( المطلب الأول )  قبل أن تبادر إلى تقدير مبلغ التعويض لفائدة الزوج المتضرر من جراء ذلك ( المطلب الثاني ) .

 

المطلب الأول : تحديــد مسؤوليــة الزوجـة في الشقــاق و الفــراق

 

يعتبر تحديد مسؤولية الزوجة في الفراق و الشقاق المفضي إليه ، مسألة ذات أهمية بالغة و حساسة ، لكونهـا تعكس وجود تحـول على مستوى تعامل القانـون و القضاء مع التبعات المترتبة عن انحلال العلاقة الزوجية ، فالمحكمة تقوم بذلك على ضوء ظروف و ملابسات كل قضية تخضع لإدارتها ، حيث تتولى فحصها من خلال تقدير سبب الادعاء و موضوعه ، باعتبارهما المجموع الواقعي للنزاع المطروح من طرف الزوجين أو أحدهما طبقا للمادة 94 من مدونة الأسرة و الذي يتولد منه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الحق المتضمن في ذلك الادعاء القضائي .

و المحكمة في تحديدها لمسؤولة الزوجة في دعوى الشقاق ، تقوم بتقدير الواقع بعد إثباته ، سواء من جانب الزوجة إذا كانت مدعية أو من جانب الزوج بصفته مدعيا ، أو من جانب أحدهما إذا تم عرض النزاع من طرفهما معا ، حتى يتأتى لها التأكد من أنه يولد حقا لطالبه أم لا ، بحيث إن البحث التقديري الذي تقوم به في هذا الشأن ، انطلاقا من السلطة المخولة لها لتوجيه الإجراءات المسطرية لدعوى الشقـاق ، ليس بحثا نظريا محضا و إنما هو بحث عملي يستند إلى الواقع و إلى النموذج القانوني الواجب التطبيق على النزاع المطروح لأجل إيجاد حل له (1) .

فالتطليق للشقاق و إن كان حقا مشتركا للزوجين معا ، فانه باعتباره حلا استثنائيا تلجأ إليه المحكمة عند الضرورة القصوى – بعد تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق بينهما – في حدود الأخذ بقاعـدة أخـف الضررين ، يتعيـن عدم الإصرار على المطالبـة به من طرف الزوجـة بالخصوص إلا في حدوده الموضوعية و الغائيـة ، و إلا اعتبر تعسفا يستوجب تعويض الزوج المتضرر من جراء ذلك .

ـــــــــــــــــ

(1) نبيل اسماعيل عمر : مرجع سابق ، ص : 383 .

106

 

 

عموما فالمحكمة عند تحديدها لمسؤولية المتسبب في الشقاق و الفراق ، و نظرا لخصوصية النزاع المعروض عليها ، ينبغي أن تعمد في ذلك معيارين : الأول شخصي ( ذاتي ) تستند فيه على فحص و تقييـم الظروف و الوقائـع الخاصة بكـل قضية ، لاستنتاج وجـه التعسف من سوء النيـة و الاستهتار بالعلاقـة الزوجية … الخ ، و الآخر موضوعي تتجاوز من خلاله إرادة  الخصوم إلى البحث عن غاية و نتيجة حق اللجوء إلى القضاء لطلب ذلك ، على اعتبار أن الحقوق ليست غاية في حد ذاتها و إنما وسيلة لتحقيق المصالح و الغايات المتوخاة منها في نطاق الحدود المرسومة لها .

و عليه متى ثبتت للمحكمة مسؤوليـة الزوجة في الشقـاق و الفراق المترتب عنه ، انتقلت إلى تحديد مبلغ التعويض الذي تحكم به من بين المستحقات لفائدة الزوج المتضرر .

 

المطلب الثاني : تقديـر التعويـــض لفائــدة الــزوج المتضــرر من التطليــــق للشقــــــاق

 

الأكيد أن الحكم بالتعويض لفائدة الزوج عن الضرر الذي لحقه من جراء التطليق للشقاق الذي تسببت فيه زوجته ، يشكل مظهرا بارزا من مظاهر الموازنة بين حقوق الزوجين بعد انحـلال علاقتهما الزوجيـة ، كما يجسد توجههـا قانونيـا و قضائيا جديدا يرمي من خلاله المشرع إلى تجاوز التصور التقليدي الذي يحصر مسؤولية تفكك الأسرة في الزوج و حده دون الزوجة .

و التعويض في دعاوي الشقاق رغم طابعه الخاص ، فانه يخضع في تقديره إلى سلطة القضاء التقديرية ، شأنه في ذلك شأن باقي الدعاوي المدنية الأخرى ، فمما جاء في الحكم القضائي الصادر عن ابتدائية الحسيمة و المشار إلى أرقامه سلفا ما يلـي :

 

 

107

 

 

 

 » … و حيث أن المحكمة و بما لها من سلطة تقديرية ترى تحديد التعويض في مبلغ 20000 درهم … « (1) ، كذلك قضى قسم قضاء الأسرة بصفرو » … و حيث أن المحكمة و لما لها من سلطة في تقدير التعويض الناتج عن الضرر اللاحق به ( أي الزوج ) ، ارتأت تحديده وفق ما هو مذكور بمنطوق الحكم … « (2) ، لكن التساؤل المطروح : ما هي المعايير التي يجب مراعاتها من طرف المحكمة في تقديرها للتعويض ؟ .

إن المشرع في المادة 97 من مدونة الأسرة لم يحدد المعايير التي يمكن للمحكمة أن تستأنس بها عند تحديدها و تقديرها للتعويض ، الواجب للزوج متى ثبتت مسؤولية زوجته في الفراق و الشقاق المقضي إليه ، عكس المتعة التي تكتسي  طابعا تعويضيا حيث تراعـي فيها المحكمة طبقـا للمادة 84 من المدونة حـال الزوجيـن و فتـرة الزواج  و مدى تعسف الزوج في الطلاق أو التطليق ، لذلك و حتى يعطى للتعويض المحكوم به لفائدة الزوج صبغته الحقيقية جبر للضرر الذي لحقه ، ينبغي تنزيهه عن بعده الرمزي و تجريده من طابعه الجزافـي ، من خلال استناد المحكمة في تقديره على معاييـر موضوعية يمكن إجمالها حسب طبيعتها و خصوصياتها فيمـا يلـي :

-         طبيعة الحق أو المصلحة التي وقع عليها الاعتداء من خلال الحكم بالتطليق للشقاق .

-         حجم الضرر الذي لحق الزوج من جراء ذلك .

-         مدى وجود أطفال لدى الزوجين .

-         الحالة المادية للزوج و الزوجة .

ــــــــــــــــ

(1) انظر هامش الصفحة :

(2) حكم رقم 53 ملف رقم 867/04 بتاريخ 26/01/2005 .

 

 

108

 

 

إن تفعيل التعويض انطلاقا من هذه المعايير يشكل ضمانة مهمة لحقوق الزوج المادية منها و المعنوية ، و وسيلة للحد من حالات التطليق الشقاق التي تنطوي على تعسف الزوجات في طلبه ، بناء على أسباب واهية تتم عن استهتارهن و عبثهن بمصير العلاقة الزوجية التي تربطهن بأزواجهن .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

109

 

 

 

خاتمــــــة

فلئن كان التوجه الذي حرص المشرع المغربي على ترسيخه في المدونة الجديدة للأسرة قصد الحد من نسبة الطلاق أو التطليق ، تقييد الطلبات الرامية إلى ذلك برقابة و إشراف القضاء تفاديا لكل تعسف أو مغالاة ، فان التطبيق القضائي لمسطرة الشقاق أبان عن محدودية هذا التوجه ، نتيجة ارتفاع نسبة التطليق للشقاق منذ دخول المدونة حيز التطبيق إلى الآن ، ذلك أن التصور السائد بخصوصها  أنها مسطرة سهلة و مرنة لا تحتاج إلى إثبات للحصول على التطليق ، متى وقع التمسك به – خاصة من طرف الزوجة حيث يقتـرن عمليا بحقها مقابل حق الزوج في الطلاق – أمام القضاء ، و الحال أنها مسطرة خاصة أراد المشرع من خلالها طبقا للمواد المنظمة لها ، تخويل قضاء الأسرة سلطة معالجة بعض الصعوبات التي تواجه  الحياة الزوجية ، من خلال تركيزه على تفعيل آليات الوساطة بين الزوجين القضائية منها و الغير القضائية ، بحيث إن الهاجس الأساسي الذي يطغى على مضامينها الحفاظ ما أمكن على استقرار و تماسك الأسرة و ضمان استمراريتها ، خاصة و أن الحكم بالتطليق طبقا للمادة 70 من المدونة يشكل حلا استثنائيا ، لا يجوز للمحكمة اللجوء إليه إلا في حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين ، لما في ذلك من تفكيك للأسرة و الإضرار بالأطفال .

هذا إضافة إلى أن من مظاهر سوء فهم المضامين الحقيقية لمسطرة الشقاق كما يتجلى ذلك من خلال تطبيقها ، تردد العمل القضائي في مفهوم الشقاق المبرر للتطليـق ، بحيث إن عدم تحديده و حصر حالاته تشريعيا أدى إلى جعله يستوعب باقي أسبابه الأخرى ، المتمثلة في الضرر و العيب و عدم الإنفاق و الغيبة … الخ .

لذلك و لأجل استجلاء الغموض الذي يشوب المضامين الحقيقية لمسطرة الشقـاق ، و تجاوز العراقيل التي تحول دون تطبيقها السليم بما يتلاءم مع فلسفتها التي تقوم عليها ، ينبغي اتخاذ ما يلي :

أولا : العمل على نشر ثقافـة قانونيـة مرتبطة بمضامينها الحقيقية لتجاوز سوء الفهم الذي ينتابها ، ليس فقط لدى عموم المواطنين ، و لكن حتى بالنسبـة لدى

110

 

 

المهتمين و المهنيين  ، لأن تحقيق الأهداف المرجوة منها عند التطبيق وفق الروح التي ابتغاها المشرع ، لا يمكن أن يتأتى إلا بعد تيسير فهم مضامينها و معرفة كنههـا ، و تطبيقها بما يقتضيه التعايـش الاجتماعي و الاستقرار الأسري .

ثانيا : تكوين قضاة متخصصين قادرين على حسن تطبيق مسطرة الشقاق ، من خلال التوفيق بين تفعيل إجراءات التسوية الودية للنزاع القائم بين الزوجين و الحكم بالتطليق عند الاقتضاء ، بما يتلاءم مع ضمان حماية حقيقية لحقوق جميع أفراد الأسرة ، لأن المدونة كما أكد ذلك جلالة الملك في خطابه الذي ألقاه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة الثانية من الولاية التشريعية السابعة للبرلمان ، مهما تضمنت من عناصر الإصلاح فان تفعيلها يظـل رهينا بإيجاد قضاء أسـري عادل و عصري و فعال .

ثالثا : تعزيز آليات الوساطة القضائية بين الزوجين عن طريق استعانة المحكمة بذوي الاختصاص في علم الاجتماع و علم النفس ، و الوساطة غير القضائية من خلال إحداث أجهزة متخصصة و مستقلة تتولى القيـام بمهمة المصالحة و التحكيـم و الوساطة بينهما تعمل بتنسيق مع الجهاز القضائي ، و ذلك على غرار باقي القضايا خاصة التجارية منها التي أثبتت التجربة نجاعة هذه الأجهزة في تسويتها ، و كذا انفتاحا على تجارب بعض الدولة التي عرفت تقدما على مستوى نظام الوساطة الأسرية تنظيرا و تطبيقا .

و عليه اعتبارا لكون مسطرة الشقاق تعتبر من المنظور القانوني مسطرة خاصة لمعالجة الصعوبات التي تواجه العلاقة الزوجية ، فان تطبيقها يجب أن يراعي طابعهـا الوقائي و العلاجي الرامي ألي الحفاظ ما أمكـن على استقـرار و تماسك الأسـرة ، باعتبارها ركيزة المجتمع الأساسية و بالتالي هدفا و فاعلا في نفس الآن لتفعيل كافة البرامج و المخططات التنموية التي تضعها الدولة ، و في مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية .

                                                 

                                                               انتهى بحمد الله

111

 

 

Parchemin horizontal:   

 

 

 

أولا: الكتـب العامـة

         1- باللغـة العربيـة

- القرآن الكريم برواية الإمام ورش.

- صحيح الإمام مسلم.

- مسند الإمام أحمد بن حنبل.

- سنن الإمام الترمذي.

- سنن الإمام أبو داوود.

- ابن العربي: أحكام القرآن، دار إحياء الكتب العربية، المجلد الأول الطبعة الأولى.

- الحطاب: مواهب الجليل على مختصر خليل، الجزء الرابع.

- ابن فرحون: التبصرة/ الجزء الخامس.

- ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، الجزء الثاني.

- ابن جزي: القوانين الفقهية، مكتبة الرشاد الدار البيضاء.

- ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف.

- سيد قطب: في ظلال القرآن/ الجزء الخامس، مطبعة إحياء التراث العربي 1961.

- الشيخ عارف البصري: نفقات الزوجة في التشريع الإسلامي، الدار الإسلامية.

- وهبة الزحيلي: الأسرة المسلمة في العالم المعاصر، دار الفكر المعاصر بيروت،            طبعة 2000.

- محمود محمد علي: الطلاق بين الإطلاق والتقييد، دار الاتحاد العربي، طبعة 1398هـ/ 1978م.

- بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة والمذهب الجعفري والقانون، الجزء الأول (الزواج والطلاق) طبعة 1967.

- نبيل إسماعيل عمر: سلطة القاضي التقديرية في المواد المدنية والتجارية. دراسة تحليلية وتطبيقية- مطبعة المعارف الإسكندرية 1984.

- السنهوري: الوسيط في القانون المدني، الجزء الخامس.

- يس محمد يحي: عقد الصلح في الشريعة الإسلامية والقانون المدني- دراسة فقهية، قضائية، تشريعية- دار الفكر العربي 1978.

- مصطفى السباعي: مدى حرية الزوجين في الطلاق في الشريعة الإسلامية- بحث مقارن- الجزء الثاني، طبعة 1383هـ / 1962م.

- محمد بن معجوز المزغراني: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الأول، الطبعة الثانية 1415 هـ / 1994م.

- علال الفاسي: النقد الذاتي، مطبعة الدار البيضاء.

- مأمون الكزبري: نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الأول.

- أحمد الخمليشي: التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الأول                (الزواج والطلاق)، دار نشر المعرفة، الطبعة الثالثة.

- محمد الكشبور: قانون الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق)، الطبعة الأولى              1411 هـ/ 1991م.

- عبد الحميد أخريف: محاضرات في القانون القضائي الخاص،                     طبعة 1425هـ / 2005م.

- الطيب برادة: الحكم المدني وصياغته.

- محمد الكشيور: أحكام الحضانة- دراسة في الفقه المالكي وفي مدونة الأسرة الطبعة الأولى 2004.

- عبد الرحمان مصلح الشرادي: انحراف الأحداث في التشريع المغربي والمقارن، مطبعة الأمنية الرباط، الطبعة الأولى 2002.

- علي محمد جعفر: حماية الأحداث المخالفين إلى القانون والمعرضين لخطر الانحراف، مؤسسة المجد للدراسة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1425هـ/ 2004 م.

- عبد الكبير العلوي المغري: المرأة بين أحكام الفقه والدعوة إلى التغيير                 طبعة 1420هـ/ 1999م.

- الحسين الملكي: من بين الحقوق المالية للمرأة نظام الكد والسعاية، الجزء الثاني  الطبعة الأولى 2001.

- احمد أبو الوفا: التحكيم بالقضاء وبالصلح، منشأة المعارف، الطبعة الأولى 1964.

- احمد النويضي: القضاء المغربي وإشكالية التنفيذ الجبري للأحكام، مطبعة وراقة الكتاب بفاس، الطبعة الأولى مارس 1995.

- محمد الشتوي: الإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق عقد الزواج، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، أبريل 2005.

- حسن بويقين: إجراءات التبليغ فقها وقانونا، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة             الأولى 2002.

- محمد بفقير: مبادئ التبليغ على ضوء قضاء المجلس الأعلى، الطبعة الأولى 1425هـ/ 2005م.

- سعدون العامري: تعويض الضرر في المسؤولية التقصيرية، الجزء الثاني، منشورات مركز البحوث القانونية بغداد.

- وزارة العدل: الدليل العملي، سلسلة الشروح والدلائل 2004.

         2- باللغـة بالفرنسيـة

-ANNIE Babu: Médiation familiale, regarde croisés et perspectives, Erés 1997.

- FOKKEMA: Mariage Famille en question; édition  CNRSF. 1980.

- CathelineaU: indemnité exceptionnelle, édition 1994.

 

ثانيا: المقالات والندوات واللقاءات الثقافية

         1- المقــالات:

- عبد الصمد خشيع: مسطرة الشقاق على ضوء مدونة الأسرة، مجلة الملف، عدد 7 أكتوبر 2005.

- الحسن العلمي: مسطرة الشقاق في ظل مدونة الأسرة مجلة المعيار، عدد 32.

- عبد الله روحمات: الوكالة في صلح الزوجين بين النص القانوني والواقع العملي، مجلة الإشعاع، عدد 27 غشت 2003.

- محمد ناصر متيوي مشكوري: موقع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في النظام القانوني المغربي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 54-55-2004.

- محمد سلام: مسطرة التنفيذ الجبري وإجراءاته، مجلة الملحق القضائي، عدد 20.

- عبد الله الشرقاوي: صعوبات التنفيذ، مجلة القضاء والقانون عدد 28.

- محمد النجاري: الاختصاص المكاني في دعاوي إشكالية التنفيذ المؤقتة، مجلة الملحق القضائي، عدد 22.

- حسن بيوض: صلاحيات النيابة العامة في تفعيل مدونة الأسرة، مجلة المعيار              عدد 32.

- محمد سلام: أهمية الصلح في النظام القضائي المغربي والمقارن مجلة المحاكم المغربية، عدد 93 مارس / أبريل 2002.

 

- Marie thèse Meulders- Klein: Les Modes Alternatifs de règlement des conflits en matière  familiale, analyse comparative, Revue internationale de droit comparé. N° 2 1997.

 

- فوزية برج: مسطرة الشقاق ثورة نسائية داخل مؤسسة الأسرة، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 7927، بتاريخ 25 ماي 2005.

- ادريس الفاخوري: دور الإدارة في عقود الزواج على ضوء مدونة الأسرة، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7442.

- رجاء ناجي مكاوي: الطلاق والتطليق القضائي: أي مفاضله بين نظامين لهدم الأسرة، جريدة العلم عدد 18299، بتاريخ 23 يونيو 2000.

2- النـدوات واللقاءات الثقافية:

- ندوة الطرق البديلة لتسوية المنازعات، منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2-2004 الطبعة الأولى.

- ندوة: نساء المتوسط وحقوقهن، فاس 30-29-28. أبريل 2005.

- الندوة الخاصة بمدونة الأسرة من تنظيم المعهد العالي للقضاء، بمدنتي إفران أيام          16-19 يناير 2004، ومراكش أيام 23-26 فبراير 2004.

- الحلقة الدراسية حول: مدونة الأسرة ودور الوساطة في تفعيل مسطرة الصلح، تطوان 5-6-7-8 دجنبر 2005، منشورات وزارة العدل والمعهد العالي للقضاء بتعاون مع رابطة التربية على حقوق الإنسان.

- ندوة: أزمة القيم ودور الأسرة في تطوير المجتمع المعاصر، سلسلة الدورات، الدورة الربيعية لسنة 2001-26-27 أبريل، مطبوعات أكاديمية المملكة.

ثالثا: الأطروحات والرسائل الجامعية

- خديجة عاشور: الحماية القانونية للمقومات المالية والمعنوية للشخصية الإنسانية، أطروحة الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق أكدال الرباط، السنة الجامعية 1998/1999.

- محمد كرادة: الحق في الأسرة محاولة في التأسيس والحماية، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق فاس، السنة الجامعية 2002/2003.

- أحمد اليعقوبي: حق الطفل في التعليم: أية حماية؟ بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق فاس، السنة الجامعية 2002/2003.

رابعا: النصوص القانونية

- مدونة الأسرة.

- مدونة الأحوال الشخصية.

- قانون المسطرة المدنية.

- قانون المسطرة الجنائية.

- القانون الجنائي.

- قانون الالتزامات والعقود.

- القانون المدني وقانون المسطرة المدنية الفرنسيين.

- القانون المصري رقم 25 لسنة 1929 المعدل بموجب القانون رقم 100 لسنة 1985.

- القانون المصري رقم 10 لسنة 2004 المحدث لمحكمة الأسرة.

- المجلة التونسية للأحوال الشخصية.

- القانون اللبناني للأحوال الشخصية.

- القانون العراقي للأحوال الشخصية.

- القانون السوري للأحوال الشخصية.

- الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لسنة 1989.

- اتفاقية لاهاي لسنة 1985 حول الأوجه المدنية للاختطاف الدولي للأطفال.

- الاتفاقية المغربية الإسبانية بشأن التعاون القضائي والاعتراف وتنفيذ المقررات القضائية في مادة الحضانة وحق الزيارة الموقعة بتاريخ 30 ماي 1997.

 

- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

- اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

 

 

 

 

 

مقدمــة

1

القســـم الأول

تسويـة النزاعـات الزوجيـة فـي دعـاوي الشقــاق

5

الفصل الأول: ضوابط إثارة تطبيق مسطرة الشقاق لتسوية النزاعات الزوجية

6

المبحث الأول: الطرف المخول له قانونا إثارة تطبيق مسطرة الشقاق

6

المطلب الأول: المساواة بين الزوجين في بعدها الخاص بتطبيق مسطرة الشقاق

7

المطلب الثاني: التطبيق القضائي التلقائي لمسطرة الشقاق

13

المبحث الثاني: مبررات تطبيق مسطرة الشقاق

17

المطلب الأول: وجود نزاع بين الزوجين يخاف منه الشقاق

17

المطلب الثاني: الحالات الأخرى لتطليق مسطرة الشقاق

23

   الفقرة الأولى: إخلال أحد الزوجين بواجباته

23

   الفقرة الثانية: عدم إثبات الزوجة للضرر الموجب للتطليق

26

   الفقرة الثالثة: عدم استجابة الزوج لطلب الخلع المقدم من طرف الزوجة

29

   الفقرة الرابعة: رفض الزوجة للرجعة

31

الفصل الثاني: إجراءات تسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق

34

المبحث الأول: الصلح حل بديل للتطليق في دعاوي الشقاق

34

المطلب الأول: خصائص إجراء الصلح في دعاوي الشقاق

35

   الفقرة الأولى: وقوع نزاع بين الزوجين وسبقية رفع دعوى الشقاق

35

   الفقرة الثانية: إلزامية القيام بالصلح من طرف المحكمة

37

   الفقرة الثانية: رضائية إجراء الصلح في دعاوي الشقاق

39

المطلب الثاني: ضمانات تفعيل محاولات الصلح في دعاوي الشقاق

41

   الفقرة الأولى: تبليغ الزوجين في دعاوي الشقاق

41

   الفقرة الثانية: سلطة المحكمة في توجيه مسطرة الشقاق

46

المبحث الثاني: مسطرة الصلح في دعاوي الشقاق وأثرها في إنهاء النزعات الزوجية

49

المطلب الأول: مسطرة الصلح بين الزوجين في دعاوي الشقاق

49

   الفقرة الأولى: الوساطة القضائية

50

   الفقرة الثانية: الوساطة غير القضائية

56

أولا: انتداب الحكمين

57

1   - شروط الحكمين

58

2   - صلاحيات الحكمين

60

ثانيا: مجلس العائلة

63

المطلب الثاني: أثر إجراءات الصلح في إنهاء النزاعات الزوجية

65

   الفقرة الأولى: نجاح محاولات الصلح بين الزوجين

66

   الفقرة الثانية: فشل محاولات الصلح بين الزوجين

68

القســم الثانــي

 آثـار التطليـق للشقـاق علـى حقـوق أفـراد الأسـرة

72

 

 

الفصل الأول: حقوق الزوجة المطلقة والأطفال

73

المبحث الأول: مستحقات الزوجة المطلقة والأطفال

73

المطلب الأول: مستحقات الزوجة المطلقة

74

   الفقرة الأولى: حق الزوجة المطلقة في النفقة والسكنى أثناء العدة

74

   الفقرة الثانية: حق الزوجة المطلقة في المتعة

79

المطلب الثاني: مستحقات الأطفال

82

   الفقرة الأولى: حق الطفل المحضون في النفقة والسكن

83

   الفقرة الثانية: حق الطفل المحضون في الرعاية الأبوية

86

المبحث الثاني: تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة والأطفال

91

المطلب الأول: وسائل وإجراءات تنفيذ الحكم القضائي المتضمن لمستحقات الزوجة

                المطلقة والأطفال

91

المطلب الثاني: صعوبات تنفيذ الحكم القضائي المتضمن لمستحقات الزوجة المطلقة

                والأطفال وآليات تجاوزها

94

الفصل الثاني: حق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق

97

 المبحث الأول: مبدأ تعويض الزوج المتضرر بسبب التطليق للشقاق

98

المطلب الأول: التأصيل الفقهي لحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق

98

المطلب الثاني: الأساس القانوني لحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق

101

المبحث الثاني: التطليق القضائي لحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق

105

المطلب الأول: تحديد مسؤولية الزوجة في الشقاق والفراق

106

المطلب الثاني: تقدير التعويض لفائدة الزوج المتضرر من التطليق للشقاق

102

خاتمــــة

110