تقديم عام :

إن المطلع على وضعية الأطفال وأساليب معاملتهم في العهود السابقة يندهش من المكانة الدنيا التي كانوا يحتلونها في المجتمع ومن المعاملة السيئة والمنحطة بل والمشمئزة التي كانوا يعاملون بها، إذ كان الأطفال يقتلون بمجرد ولادتهم كما كانوا بمثابة متاع يباع ويشترى، أما الأطفال غير الشرعيين فكانوا يقتلون كما يقتل الأطفال الذين يولدون بإعاقة معينة، وكان للأب حق التخلص من ابنه في أي وقت شاء وبأي وسيلة شاء، وكان الإناث من الأطفال أسوأ حظا وأكثر تعرضا للخطر لأنهن كن يعتبرن مجرد وسيلة للإنجاب والنسل فقط. وفي ظل وضع كهذا كانوا يتعرضون لأبشع أنواع الاستغلال كأن يقعوا ضحية الاستغلال الجنسي، ولم يكن الحس العام آنذاك يعتبر ذلك شيئا مخلا بالآداب، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بخصوص تعذيب الأطفال وتوجيه الأذى إليهم وإنما امتد إلى جعلهم خدما في البيوت والقيام بالسخرة في محلات الدعارة واتخاذهم وسيلة لإرضاء الرغبات الجنسية للراشدين كما كان يمارس عليهم أبشع أنواع التعذيب الجسدي حيث كانت تسلخ جلودهم أو تشوه أجسامهم بعد عمليات تشوبه رهينة فيتحولون إلى كائنات تثير الضحك والاستهزاء في المحافل الرسمية، فضلا عن ذلك كان الأطفال يقتلون أو يدفنون أحيانا ليقدموا قربانا إلى الآلهة[1].

وأمام هذا الوضع، فقد كان لزاما انتظار قدوم الدين الإسلامي السمح الذي قضى على هذه الممارسات والإعتداءات الشنيعة في حق براءة الأطفال، فأولى لهم اهتماما كبيرا منذ كونهم أجنة في بطون أمهاتهم رعاهم مواليدا وأطفالا، فحدد حقوق الطفل على أسرته ومجتمعه حيث أكد على ضرورة إحاطته بكل ما يحتاجه من وسائل تكفل حسن نمو وسلامة دينه وجسمه ونفسيته.

ولنا في الآيات القرآنية العديدة التي دعت إلى حماية الطفولة وتكريمها خير مثال يوضح ذلك، حيث يقول عز وجل: "ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم، إن قتلهم كان خطئا كبيرا"[2]. كما يقول عز وجل: "إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون"[3] ولنا أيضا خير مثال في السنة النبوية الطافحة بالمودة والنبل اتجاه الأطفال فعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تقبلون الصبيان وما نقبلهم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك"[4] كما سئل النبي صلى الله عليه وسلم "أي أهل بيتك أحب إليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين"[5].

وقد كان العنصر الأكثر أهمية وخصوصية في المعالجة الإسلامية لحقوق الإنسان عموما وحقوق الطفل على وجه الخصوص يتركز في القناعة بأنها مفروضة للأبد بإرادة الله وأنها لم تنتزع بنضال أو صراع قوي أو طبقات سياسية بل تقررت للإنسان بعينه في كل زمان ومكان وهي حقوق تحفظ إنسانية الفرد وتحترم ذاته وكيانه دون أن تتم التضحية بمصالح الجماعة[6].

وعلى هدي ما جاءت به الشريعة الإسلامية، وإيمانا من المجتمع الدولي بأهمية الطفل والطفولة كمرحلة أولى في حياة الإنسان فقد تعالت العديد من الأصوات داعية إلى الاهتمام بها، وقد تم ذلك خاصة خلال القرن العشرين الذي كان بحق قرن الطفل بكل ما في الكلمة من معنى وقد صدق تنبؤ الباحثين الذين تكهنوا بذلك في بداية القرن الماضي حيث تحقق للطفل من رعاية واهتمام ما لم ينله في العهود السابقة، فغدا الطفل حقا "مالئ الدنيا وشاغل الناس" إذ استقطب اهتمام العلوم القانونية والنفسية والتربوية والاجتماعية والطبية[7]

فكان ذلك إيذانا بصدور العديد من المواثيق والعهود الدولية الداعية إلى الاهتمام بالطفل، وإذا ما أردنا أن نؤرخ لمرحلة الاهتمام بقضايا الطفولة ضمن قواعد القانون الدولي نقول بأن اهتمام المنتظم الدولي بحقوق الطفل كان قبل المناداة بإقرار حقوق الإنسان بصفة عامة.

فقد بدأ الاهتمام بالطفولة على المستوى الدولي في إطار عصبة الأمم بإصدار إعلان جنيف لحقوق الطفل سنة 1924 وإلى وقتنا الحاضر وبالضبط سنة 1989 تاريخ صدور الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل التي تشكل حاليا منعطفا حاسما في تاريخ الاهتمام بالطفولة بحيث أصبح ينظر إلى حقوق الطفل على أساس أنها حقوق إنسانية وعالمية لا يمكن التغاضي عنها أو تأجيلها.

وقد لقيت هذه الاتفاقية ترحيبا كبيرا حيث صادقت عليها معظم بلدان العالم فكان بلدنا من البلدان السباقة للإنخراط في هذه المسيرة وهذا ما يؤكده خطاب الملك الراحل الحسن الثاني "وما تصديقه على اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل في شهر يونيو 1993 بفيينا إلا دليلا على اهتمامنا وحرصنا على تطبيق مبادئها وتوصياتها".

ولقد بذل المغرب جهودا كبرى منذ توقيعه على الإتفاقية الأممية لحقوق الطفل من أجل النهوض بأوضاع الطفولة وتكريس حقوقها من خلال ملاءمة التشريعات الوطنية مع توصياتها وإنشاء مؤسسات خاصة بالأطفال مثل المرصد الوطني لحقوق

الطفل[8] برلمان الطفل[9]، المجالس الجماعية للأطفال[10]

وعلى الرغم من المجهودات الكبرى التي بذلها المغرب سواء على المستوى القانوني أو المؤسساتي من أجل حماية الطفولة فإن نسبة مهمة من الأطفال لا تزال تتعرض لكافة أشكال سوء المعاملة والممارسات المحطة بالكرامة الإنسانية من استغلال جنسي وعنف بدني ونفسي واختطاف واستغلال اقتصادي حتى في أبشع صوره… وهذا ما يؤكده خطاب[11] الملك محمد السادس للمؤتمر الوطني لحقوق الطفل حيث قال "نؤكد أن فئات من أطفالنا ما زالت تعاني الاستغلال وسوء المعاملة والتعرض للانحراف وغياب الرعاية الأسرية".

وحقيقة إن الاعتراف الرسمي بوضعية الطفل ضحية سوء المعاملة دليل قوي على الرغبة في الإصلاح لمواجهة الظاهرة التي أصبحت تشكل وصمة العار الأكثر حساسية ومرارة في جبين المجتمع المغربي.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن إساءة معاملة الأطفال ظاهرة لها ماض طويل ولكن تاريخ الاهتمام بها قصير جدا، حيث لم تحظ باهتمام كبير إلا في العقود الثلاثة الماضية ارتباطا بتنامي الاهتمام بحقوق الطفل[12] باعتبار الطفولة أما المستقبل وصانعته فهي نصف الحاضر وكل المستقبل وأفضل رأسمال تراهن عليه البشرية في وقتنا الحاضر لخوض غمار التنمية الحقيقية.

ووعيا بخطورة الظاهرة وما تفرزه من انعكاسات خطيرة على الطفل الأسرة والمجتمع فقد دعت الأميرة للامريم رئيسة المرصد الوطني لحقوق الطفل خلال الدورة التاسعة للمؤتمر الوطني لحقوق الطفل كل المهتمين بقضايا الطفولة إلى الاهتمام بهذه الظاهرة حيث جاء في رسالتها "إن الدورة التاسعة للمؤتمر الوطني لحقوق الطفل التي تنعقد هذه السنة تحت شعار أمن وسلامة الأطفال والتي ستشارك فيها مختلف الأطر المعنية ستنكب بناء على نفس المنهجية التي اعتمدت في دراسة هذا الموضوع للتداول حول الأطفال ضحايا سوء المعاملة ومن بينها على الخصوص الاستغلال الجنسي الاستغلال الاقتصادي، إشكاليات ظواهر الأطفال المحتاجين إلى رعاية أسرية، الآثار السلبية للمخدرات على اليافعين أخطار هجرة الأطفال بجميع أشكالها، مخاطر داء فقدان المناعة المكتسبة على الطفولة وكذا وضعية الطفلة وحمايتها".

وإيمانا منا بالخطورة الكبيرة لسلوكيات إساءة معاملة الأطفال، فإن القول بمجرد الاكتفاء بدراسة الظاهرة لاستجلاء أسبابها وانعكاساتها على الطفل، الأسرة والمجتمع يعد أمرا غير مجد ما لم نتطرق لأوجه الحماية الجنائية التي أقرها المشرع للأطفال الضحايا.

فمن الثابت أن الاكتفاء بمجرد إقرار حقوق خاصة للطفل يعد بلا معنى ما لم تواكبها نصوص جنائية تعزز هذه الحماية وتؤكد تنفيذها، بحيث يصبح الجانب التشريعي محور المحاور جميعها وقطب الرحى بما يتضمنه من جزاءات من شأنها الردع والإيلام حال انتهاك حقوق الطفل أو تجاوزها أو المساس بها، لاسيما وأن الطفل ولأسباب بيولوجية ونفسية واجتماعية تتمثل في الضعف الجسماني وعدم النضج العقلي وقلة خبرته وإدراكه يكون أكثر احتمالية للوقوع ضحية لجرائم إساءة المعاملة[13].

 ومن هنا تظهر أهمية دراسة موضوع الحماية الجنائية للطفل ضحية سوء المعاملة لكن قبل الحديث عن أهمية دراسة هذا الموضوع يجب أن نوضح مصطلحات الموضوع.

أولا: تعريف مصطلحات الموضوع:

إن تحديد نطاق البحث يتطلب تحديد المقصود بالكلمات التي يتكون منها عنوان البحث: الحماية الجنائية –الطفل- ضحية سوء المعاملة.

1- الحماية الجنائية:

حفلت الندوات والمؤتمرات وكذا وسائل الإعلام خلال العقود الأخيرة بالحديث عن حقوق الطفل وما يجب أن يتمتع به من عناية وحماية خاصة، وبما أن حقوق الطفل لا يكون لها أدنى أثر ما لم تحظ بحماية جنائية متميزة، فإنه من اللازم توضيح المقصود بالحماية الجنائية ويمكن القول في هذا الخصوص بأن الحماية الجنائية المقصودة في هذا البحث تنقسم إلى نوعين حماية موضوعية والثانية إجرائية.

فالحماية الموضوعية تستهدف تتبع الأنشطة ذات العلاقة بالمصلحة المراد حمايتها وذلك بجعل صفة الطفولة عنصرا تكوينيا في التجريم أو بجعلها ظرفا مشددا للعقاب[14].

فيما الحماية المسطرية أو الإجرائية تعني الضمانات الحمائية التي أقرها المشرع في قانون المسطرة الجنائية لإقرار حماية خاصة للطفل الضحية عند لجوئه إلى المؤسسة القضائية للدفاع عن حقوقه.

والحماية الجنائية (الموضوعية أو الإجرائية) قد تكون عامة يستفيد منها الشخص الراشد كما يستفيد منها الطفل، كما قد تكون خاصة وهذا هو المهم بالنسبة إلينا لإبراز مدى تمتع الطفل بحماية خاصة تميزه كطفل، حماية تمليها ظروفه الخاصة والمتمثلة في ضعف مداركه وعجزه عن الدفاع عن نفسه أو عرضه أو مواجهة أساليب الإغراء أو الإفساد التي يتعرض لها.

2- الطفـل:

إن تحديد المقصود بمصطلح "الطفل" وتحديد المرحلة الزمنية في عمر الكائن البشري المسماة بالطفولة يكتسي أهمية كبيرة تتجاوز مجرد المدلولات اللفظية أو المناقشات الفقهية، فالحقيقة إن تحديد المقصود بالطفل يرتبط بمجموعة متنوعة من الحقوق التي يتمتع بها من يصدق عليه هذا الوصف، وبمجموعة متنوعة من الالتزامات يتحملها والدي الطفل ومن يقوم على رعايته كذا سلطات الدولة المعنية[15].

وعليه، فالطفل لغة يعني الناعم الرخص من كل شيء ومن ثم فإن الطفل في الإنسان هو الصغير الذي لم يشتد عوده بعد، والطفولة هي مرحلة من عمر الإنسان ما بين ولادته إلى أن يصير بالغا متكاملا.

أما اصطلاحا، فالطفل ودون الخوض في تعداد التعاريف التي تختلف باختلاف الثقافات يمكن تعريفه من الوجهة الإسلامية بأنه إنسان لم يصل سن البلوغ، باعتبار أن هذا العنصر هو مناط التكليف في الشريعة الإسلامية إلى جانب العقل[16].

أما تعريف الطفل في الاتفاقيات الدولية، فإنه على الرغم من ورود مصطلح "الطفل" و"الطفولة" في العديد من الوثائق الدولية، واتفاقيات وإعلانات حقوق الإنسان، إلا أن معظم هذه الوثائق لم تحدد أو لم تحدد على وجه الدقة المقصود بهذين التعبيرين ولم تضع حدا أقصى لسن الطفل وتعد اتفاقية حقوق الطفل الوثيقة الدولية الأولى التي تعرف بشكل واضح وصريح المقصود بالطفل، فطبقا لنص المادة الأولى من الاتفاقية يقصد بمصطلح الطفل كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة، ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه"[17].

وارتباطا بموضوعنا فالقانون الجنائي يعرف التذبذب وعدم الانسجام بين نصوصه بخصوص تحديد السن (الطفولة) التي يقف عندها حد التمتع ببعض المقتضيات الخاصة بالطفولة، فتارة يحدد الحد الأقصى للطفولة عند بلوغ الشخص 16 سنة[18]، وتارة يرفع هذا الحد إلى حدود بلوغ سن 18 سنة كاملة[19]. لهذا فإنه من الضروري الدعوة إلى توحيد سن الطفولة سواء داخل القانون الجنائي أو داخل المنظومة القانونية المغربية التي تعرف تباينا بهذا الخصوص، وذلك لتحقيق الإنسجام فيما بينها، ولتكون ملائمة لما جاءت به اتفاقية حقوق الطفل وهنا أقترح أن يتم الاتفاق على تمديد سن الطفولة في كل النصوص القانونية إلى حين بلوغ 18 سنة كاملة.

2-إساءة معاملة:

يعتبر مفهوم الإساءة للطفل من المفاهيم الحديثة نسبيا في الثقافة الغربية، فقد ولد هذا المفهوم في مطلع الستينات من القرن الماضي كنتيجة لأعمال طبيب العظام الأنجليزي "Kempe" وعلى الرغم من انتقال المفهوم إلى الثقافات الإنسانية عامة، وتطورت آليات جديدة لتعريف المفهوم والظواهر التي يعبر عنها وتطوير أدوات جديدة لقياس حجم وأشكال الإساءة للطفل في العديد من الثقافات الإنسانية عامة والثقافات الغربية خاصة، إلا أن الثقافة العربية لا تزال تقف على أعتاب هذا المفهوم تارة، وتتحفظ عليه تارة، وترفضه جملة وتفصيلا تارة أخرى[20].

ومن بين المفاهيم الكلاسيكية التي طرحت عن هذه الظاهرة ما قدمه كامب وآخرون سنة 1962 "من متلازمة الطفل المنسحق" وتصف هذه المتلازمة سوء معاملة الطفل على أنها إيقاع الأذى الخطير أو إصابات خطرة بالأطفال الصغار بواسطة الوالدين أو مقدمي الرعاية وغالبا ما ينتج عن الإصابات التي تشمل كسورا وتجمعات دموية بالدماغ وإصابات متعددة في الأنسجة الرخوة، عجز مستديم وحدوث وفاة".

ويطرح "فونتانا 1964 Fontana مفهوم سوء المعاملة في إطار متلازمة "إساءة المعاملة" ويرى بأن سوء معاملة الأطفال هي إحدى النهايات الطرفية لطائفة من إساءة المعاملة التي تتضمن أيضا الحرمان الانفعالي والإهمال وسوء التغذية ويوسع جيل (GIL 1974) مفهوم سوء معاملة الطفل ليشمل أي فعل يحرم الطفل من أن يحقق إمكاناته الجسمية والنفسية[21].

وبعد ذلك توالت مجموعة من التعاريف المختلفة باختلاف الجهة الصادرة عنها فقد اعتبر مجلس أوربا لعام 1978 سوء المعاملة تعبر عن الأفعال والانتهاكات التي تمس الطفل بشكل خطير وتضر بوحدته الجسمانية وتطوره الجسدي والعاطفي والفكري والمعنوي وتتمظهر في الجروح الجسدية والنفسية.

أما الجمعية الفرنسية للإعلام والبحث حول الطفل ضحية سوء المعاملة فقد عرفت سوء المعاملة بأنها استعمال للقوة البدنية أو امتناع عن إسعاف يمارس على الطفل من قبل والديه أو راشدين مكلفين به بقصد إلحاق الضرر به أو جرحه أو قتله[22].

والحقيقة، أن وضع تعريف شامل وموحد لظاهرة سوء معاملة الأطفال أمر في غاية الصعوبة لسببن على الأقل:

السبب الأول: يتمثل في تعدد أشكال الاعتداءات التي يمكن إدراجها ضمن الظاهرة وهي إما مادية أو معنوية:

– الاعتداءات المادية: الضرب، الجرح، التعريض للخطر، الاغتصاب، هتك العرض، الانتهاك الجنسي، استغلال القوة البدنية والعقلية…

– الاعتداءات المعنوية والنفسية: الإهمال، المقاطعة، التجاهل، الشتم التجريح…

السبب الثاني: يتمثل في كون "سوء" و"إساءة معاملة الأطفال" من المفاهيم غير المحددة نظريا وإجرائيا وترجع صعوبة تحديدها لإرتباطها بالسياق الاجتماعي والثقافي والزماني الخاص بسلوك التعدي، حيث إن سلوكيات سوء المعاملة مرتبطة بالعرف والقبول الاجتماعي وحدود مكانية وزمانية محددة وبالتالين فإن الإطار المرجعي للحكم على هذه السلوكيات متغير ومحكوم ثقافيا مما يجعله متباين اجتماعيا.

كما أن المفهوم ذاته يتضمن معان متعددة ومحكومة بإدراك الملاحظ وبنيّة الفاعل، وبالإطار المرجعي للفاعل والملاحظ، فما يرتكب من الأهل بقصد التربية يختلف عما يرتكب من الأهل لغايات مرضية أو إشباع حاجات جنسية منحرفة، وما يرتكب في ثقافة ما ويعد إساءة معاملة ليس بالضرورة أن يكون كذلك في ثقافة أخرى أو حتى داخل المجتمع الواحد[23].

والحقيقة أن تعدد مفاهيم إساءة معاملة الأطفال قد يخلق موقفا عمليا وعلميا قد لا يتضح معه نطاق الظاهرة وحدودها والمتغيرات العامة فيها، الأمر الذي قد يخلق بدوره صورة غامضة أو غير محددة المعالم لا تخضع لشروط التحكم في الظاهرة وقابليتها للمطاوعة والمعالجة، فوضوح المفهوم وتحديد المصطلح مسألة مهمة وملحة، لأنها تنطوي على تنظيمات عديدة في النواحي التشخيصية لتلك الحالات، واستراتيجيات وآلات التدخل الإرشادي والنفسي والعلاجي والغطاء التشريعي والقانوني لهذه الظاهرة[24].

وعلى الرغم من الصعوبات التي تثار بخصوص تعريف هذه الظاهرة، فإنني أتفق مع التعريف الذي خلص إليه المرصد الوطني لحقوق الطفل لتعني بذلك إساءة معاملة الأطفال: "التصرفات الإرادية أو غير الإرادية الصادرة عن أي شخص كيفما كانت صفته والتي تلحق بأية وسيلة كانت السلامة الجسمانية والعقلية والمعنوية للطفل وتحدث لديه ضررا ماديا أو معنويا أو نفسيا أحس به الطفل الضحية أو لم يحس به، وأيا كان المجال الذي يوجد فيه".

ثانيا: أهمية دراسة الموضوع ودواعي اختياره:

إزاء ما تقدم، وإزاء الرغبة في حماية الطفل ضحية إساءة المعاملة، كان لابد من البحث عن مدى إقرار المنظومة القانونية المغربية لحماية زجرية خاصة للطفل من شأنها أن تقوي مركزه داخل المجتمع لكونه ضعيف جسديا ولم يكتمل بعد نضجه العقلي ومن ثم يسهل على من يريد إساءة معاملته أن يرتكب جرائمه ضد الطفل دون أن يخشى فشله في ذلك، خاصة وأن أغلب حالات إساءة معاملة الأطفال تبقى في عداد "الرقم الأسود" بسبب طابعي السرية والكتمان الذين غالبا ما يكتنفانها باعتبارها من الطوبوهات الاجتماعية.

وتزداد الأهمية درجة في كون بحث هذا الموضوع سيمكن من التعريف بالظاهرة وتسليط الأضواء عليها للفت انتباه المسؤولين إلى خطورتـها ودرجة انتشارها، لبحث السبل اللازمة لضمان حماية جنائية من شأنها أن توفر للأطفال حياة آمنة ينعمون فيها برعاية صحية ونفسية واجتماعية، وأن تكفل لهم الأمن على حياتهم وسلامتهم البدنية، وتصون لهم أعراضهم وأخلاقهم.

وتبقى أكبر أهمية يكتسيها بحث هذا الموضع تتمثل في جمع مختلف النصوص القانونية الزجرية والعقابية التي تم إقرارها حماية للطفل من الاعتداءات والانتهاكات التي قد تطال حقوقه وكذا معرفة الأسس التي استند إليها المشرع المغربي لتقرير حماية جنائية خاصة بالطفل الضحية والعمل على تقييمها، إذ أن هذه الحماية تبقى في جانب كبير منها قابلة للجدل والنقاش، بالإضافة إلى محاولة تلمس إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال هذه المقتضيات تحقيق الحماية التي كان يتوخاها للطفل.

كما أن هذا البحث يمكن أن يكون مرجعية تسهل البحث لكل شخص يهتم بحق الطفل في الحماية بالإضافة إلى ذلك، فإنه سيساهم في ملئ الفراغ الحاصل في الخزانة القانونية المغربية بخصوص كتابات حول حماية الأطفال من ظاهرة إساءة المعاملة خاصة وأن الموضوع يتسم بالجدة ولم تتم إثارته في المغرب إلا في بضع سنوات خلت. 

ثالثا: إشكالية الموضوع والخطة المتبعة لدراسته:

نظرا لأهمية الموضع وتشعب أفكاره وارتباط بعضها ببعض، فإن محاولة دراسته تطرح إشكالية رئيسية يمكن بلورتها على الشكل الآتي:

ما هي أوجه الحماية الزجرية التي تقرها المنظومة القانونية للأطفال ضحايا سوء المعاملة؟

وللإجابة عن إشكالية من هذا الحجم يستلزم طرح بعض التساؤلات الفرعية أذكرها كما يلي:

– ما هي أشكال إساءة معاملة الأطفال؟

– وما هي أسباب الظاهرة؟

– وإلى حد استطاعت النصوص القانونية أن تضمن حماية فعلية للأطفال من هذه الظاهرة؟

– وما هي التدابير المقررة لحماية الطفل الضحية؟

– وما هي الجهود المبذولة لمحاربة الظاهرة والحلول القمينة التي يمكن اقتراحها لمواجهتها.

إن هذه التساؤلات الفرعية تفضي بنا إلى استجلاء المحاور الأساسية للموضوع والتي سنتوسع من خلالها في بسط الموضوع وتعميق التحليل والنقاش:

القسم الأول: مظاهر الحماية الجنائية للطفل ضحية سوء المعاملة.

القسم الثاني: حماية جنائية ناقصة ودور القضاء في تجاوزها.

 

 

 

 

 

 القسم الأول

 

مظاهر الحماية الجنائية للطفل

 ضحية سوء المعاملة.

 

       يعد الطفل برعم الحياة وغدا حقه في هذه الحياة حقا أساسيا تتفرع منه عدة حقوق تحميه وتحيطه بالأمان حتى يبلغ السن التي تجعله مؤهلا جسديا وعقليا ونفسيا لتولي أموره والتعرف على واجباته اتجاه مجتمعه واتجاه الآخرين.

       ولم تكن حقوق الطفل في الحماية شيئا يذكر أو يشكل أهمية منذ نشأة الإنسان الأولى، إلا أن الحاجة إلى التطور وحماية الجنس البشري التي استشعرها الإنسان بدأت تنشئ حقوقا متفاوتة للطفل لا تشكل في حد ذاتها حماية حقيقية له واستمرت هذه الحقوق بالتطور والتنامي كلما تقدمت الحضارة وتقدم الفكر الإنساني، حتى بلغ ذروته في عصر النور الإسلامي الذي جسد أسمى صور الحماية لهذه الفئة الضعيفة الحساسة في المجتمع.

       فتصاعدت الأصوات من مختلف أنحاء العالم تدعوا الدول إلى التدخل بشكل فاعل من خلال النصوص الجنائية لكفالة حق الطفل في الحماية من سوء المعاملة خاصة بعد إصدار المنتظم الدولي للعديد من المواثيق والإعلانات الدولية التي تعنى بحقوق الطفل ومن أهمها اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 التي دعت الدول إلى الحفاظ على حياة الطفل ونموه وكذا الحفاظ على هويته وحقه في التربية والتعليم والصحة والراحة وأن يحظى بمستوى معيشي ملائم لنموه وكذا حمايته من أي استغلال ومن جميع أنواع العنف[25].

       وباعتبار إساءة معاملة الطفل هي كل فعل أو امتناع عن فعل يعرض سلامة وصحة الطفل البدنية والعقلية والنفسية والإجتماعية للخطر، فإنها تنطوي على مساس خطير بالحقوق السالفة الذكر خاصة وأن الطفل يتميز بضعف قوته البدنية وضعف مقدوراته الذهنية، لذلك فقد كان لزاما أن يدعو المنتظم الدولي الدول المصادقة على الاتفاقية إلى تحصين الحقوق التي تم إقرارها لصالح الطفل بنصوص جنائية خاصة لحمايته من جرائم إساءة المعاملة.

       ولما كان القانون الجنائي من الأدوات الأكثر توظيفا من طرف الدولة وذلك لحماية المراكز القانونية للأشخاص وحماية حقوق الإنسان من الاعتداءات المحتملة وإيمانا من المشرع المغربي بأهمية الزجر والعقاب في حماية الأطراف الضعيفة داخل المجتمع كالطفل مثلا، فقد تضمنت الترسانة القانونية المغربية مقتضيات زجرية هامة تجرم كل فعل أو امتناع قد يترتب عنه شكل من أشكال الإيذاء للطفل.

       وتجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي قد خص الطفل بحماية متميزة في بعض التشريعات الأخرى كما هو حاصل في مدونة الشغل التي ذهبت إلى حد إقرار عقوبات حبسية حماية للطفل من الاستغلال الاقتصادي باعتباره أخطر أشكال سوء المعاملة وأكثرها شيوعا داخل المجتمع المغربي.

       ومن هذا المنطلق إذن ومن خلال استقراء نصوص القانون الجنائي المغربي وكذا بعض النصوص الزجرية الواردة في إطار مدونات قانونية أخرى أو بصفة مستقلة تركز اهتمامنا في هذا القسم لإبراز مظاهر الحماية الجنائية للطفل ضحية سوء المعاملة وذلك من خلال التقسيم التالي:

       الفصل الأول: الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة وسلامته البدنية والنفسية.

الفصل الثاني: الحماية الجنائية لأخلاق الطفل وصحته.

 

 

الفصل الأول

 الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة

وسلامته البدنية والنفسية.

 

من المعلوم أن الطفل يتميز بضعف قدراته الجسمية والعقلية التي تجعله فريسة سهلة لمن يرغب في إساءة معاملته، على عكس الشخص البالغ الذي كثيرا ما تمكنه قدراته الجسمية من مقاومة الاعتداء وربما قد تمكنه قدراته العقلية من تفادي الوقوع فريسة للتغرير به من قبل الجاني، الأمر الذي يستوجب وجود رادع أكثر للجاني يجعله يتردد قبل إقدامه على جريمته ضد الطفل.

ومن هذا المنطلق ووعيا من المشرع المغربي بوضعية الطفل هذه، فقد أقر نصوصا زجرية لحماية حقه في الحياة والنماء منذ مراحل حياته الأولى إلى حين اكتمال نضجه البدني والعقلي وذلك ببلوغه سن 18 سنة (المبحث الأول) كما أقر نصوصا أخرى تهدف صيانة بدنه ونفسيته من أي اعتداء (المبحث الثاني).

 

المبحث الأول

 الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة والنماء.

       يعتبر الحق في الحياة ن بين الحقوق المقدسة والأصلية، فقد أقرته كل الشرائح السماوية باعتباره أساس وجود الإنسان، لذلك جرمت الشريعة الإسلامية أي اعتداء على حياة الإنسان مصداقا لقوله عز من قائل: "من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"[26] كما أكدت كل الأوفاق الدولية على هذا الحق، من خلال دعوة الدول إلى ضمان هذا الحق وتحصينه عن طريق تفعيل مقتضيات الترسانة القانونية الداخلية (المطلب الأول) وهو حق تتفرع عند كل الحقوق الأخرى من أجل ضمان نماء الطفل وحمايته من كل أشكال التعريض للخطر (المطلب الثاني).

 المطلب الأول: حماية الطفل من القتل:

       تنص المادة السادسة من اتفاقية حقوق الطفل[27] على أن تقر جميع الدول الأطراف في الاتفاقية بأن لكل طفل حقا أصيلا ألا وهو حقه في الحياة، وينبغي على كل دولة اتخاذ كل ما في وسعها لحماية حياة الطفل.

       وحق الطفل في الحياة لا يثبت له بمجرد ولادته حيا من بطن أمه فحسب (الفقرة الثانية) وإنما يثبت له منذ بداية الحمل (الفقرة الأولى).

       الفقرة الأولى: الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة جنينا ووليدا:

       تبدأ الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة قبل ولادته، أي منذ وجوده جنينا في بطن أمه (أولا) وتمتد هذه الحماية لتشمل باقي حياته وذلك ابتداء من المرحلة التي يعتبر فيها الطفل وليدا (ثانيا).

      

 

أولا: تجريم الإجهاض:

       يمكن تعريف الإجهاض بأنه إسقاط الجنين قبل أوانه الطبيعي، أي إنهاء حياة إنسان ما زال لم تكتمل بعد خلقته بسبب وجوده في بطن أمه[28]. وهو بذلك يعتبر اعتداء خطيرا على حياة إنسان لازال في طور التخلق، ونظرا لما لهذه الجريمة من خطورة –لمساسها بالحق في الحياة- فقد أجمعت كل الشرائع السماوية والقوانين الوضعية على تجريمها.

       ولذلك عاقب الفصل (445 ق.ج) بشدة مقترف هذه الجريمة أكان ذلك برضى المرأة أو بدونه، ولا تهم الوسيلة المستعملة في ذلك، كالعنف، أو أي شكل من أشكال التحايل أو مواد طبية، أو أية وسيلة أخرى يعتقد الفاعل أنها ستحقق النتيجة، كل ما يهم هو اتجاه إرادة الجاني إلى تحقيق النية الإجرامية[29]، سواء حصلت النتيجة الإجرامية وهي الإجهاض الفعلي أو لم تحصل[30] لأن العقاب سيطال الجاني سواء تم إسقاط الجنين[31] أو وقف عند حد الجريمة الموقوفة، الخائبة أو المستحيلة، سواء كانت الاستحالة بالنسبة لمحل الجريمة، وذلك عند انعدام وجود حمل مثلا، أو بالنسبة للمواد والأدوات المستخدمة لارتكاب هذه الجريمة حيث عاقب الفصل (455 ق.ج) على هذه الجريمة حتى ولو كانت الأدوية أو المواد أو الأجهزة أو الأشياء المقترحة كوسائل فعالة للإجهاض غير قادرة عمليا على تحقيقه.

       ولتعزيز حماية حق الجنين في الحياة، فقد عاقب المشرع الجنائي المغربي التحريض على الإجهاض بأية وسيلة من الوسائل المشار إليها في الفصل (455 ق.ج).

       ولدعم هذه الحماية، فقد نصت المادتان (456 و457 ق.ج) على تطبيق الحرمان بقوة القانون من أية وظيفة في مصحة أو مؤسسة تستقبل الحوامل على كل من صدر عليه الحكم بالإدانة بإحدى جرائم الإجهاض، سواء صدر الحكم داخل المغرب أو خارجه وتعاقب المادة 458 المخالف للمنع المفروض بالفصلين (456 و457 ق.ج)[32].

       وتجدر الإشارة بخصوص جريمة الإجهاض، إلى أن المشرع قد خرج على القواعد العامة فيما يتعلق بقواعد الاشتراك المنصوص عليها في الفصل 129، حيث عاقب المشارك حتى ولم تتم جريمة الفاعل الأصلي.

       لكن بالرجوع إلى الفصل (454 ق.ج) نجده ينص على تمتيع الأم التي أجهضت نفسها عمدا أو حاولت ذلك أو قبلت أن يجهضها غيرها أو رضيت باستعمال ما رشدت إليه، أو ما أعطي لها لهذا الغرض بعذر مخفف للعقوبة.

 وما تمتيع المشرع المغربي المرأة بهذا العذر المخفف للعقوبة، إلا دليلا على مراعاة الأسباب والضغوطات النفسية التي قد تعتري المرأة وتدفعها إلى اقتراف هذه الجريمة ضد جنينها وضد نفسها، كدفع العار عنها إذا كان الحمل من سفاح، أو بدافع الشفقة إذا كان الجنين مشوه الخلقة…

       إلا أنه في نظري يجب إلغاء هذا العذر المخفف للعقوبة، لأنه مهما كان المبرر الذي دفع المرأة لارتكاب الإجهاض، فإنه لن يصل إلى جسامة وخطورة الجرم المرتكب في حق الحياة البشرية، لأن مجرد وجـود الجنين في بطـن أمه يكون قد نال حرمة يعتبر قتله، قتلا للنفس البشرية[33]ويدخل في حكم الآية الكريمة "من قتل نفسا بغير حق أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا"[34].

       وما دام الجنين مرتبطا بأمه، فإنه قد تترتب عن إجهاضه آثار وانعكاسات خطيرة على صحة الأم والتي قد تؤدي إلى وفاتها، لذلك نجد الفصل (449 ق.ج) يشدد العقوبة في حالة الوفاة من عشر سنوات إلى عشرين سنة.

       غير أنه إذا كان المبدأ هو العقاب على الإجهاض أو حتى مجرد التحريض عليه، فإن المشرع أباحه استثناء إذا استوجبته ضرورة المحافظة على صحة الأم، متى قام به علانية طبيب أو جراح بإذن من الزوج، ولا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر، لكن بعد إشعار الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم الفصـل (453 ق.ج).

       وعموما بعد قراءة مختلف النصوص المجرمة للإجهاض، فإننا نجدها متعددة وتشدد في العقاب، إلا أن السؤال الذي يمكن طرحه هنا هو هل يمكن لهذه المقتضيات الزجرية أن تضمن حماية واقعية وحقيقية لحق الجنين في الحياة؟

       الجواب هو النفي طبعا، ما دامت جرائم الإجهاض تمارس في المغرب[35] بشكل مخيف للغاية والأغلب الأعم منها يبقى في عداد الرقم الأسود[36]، خاصة وأن جرائم الإجهاض تمارس أحيانا بمباركة من ألفاظ النص القانوني المرنة (الفصل 453)، حيث غالبا ما يبرر الطبيب طلب الحصول على رخصة إجراء عمليات الإجهاض (بضرورة المحافظة على صحة الأم) وهل يتأكد الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم من التبريرات التي عللت بها طلبات الإجهاض وذلك عن طريق إجراء فحوصات مضادة؟ كما أن إعمال العبارة المرنة الموجودة في النص تسهل على الأقل إفلات الجاني من العقاب.

       وما يشجع الأطباء وغيرهم على ارتكاب جرائم الإجهاض هو الأرباح الطائلة التي تجنى من وراء هذه العمليات، خاصة في حالة الحمل من سفاح، حيث تكون الرغبة جامعة للتخلص منه، مهما كانت التكلفة وذلك اتقاء للعار والفضيحة.

       لذلك يتعين على السلطات العمومية أن تفرض رقابة شديدة على المصحات والأماكن التي يفترض أن يجرى فيها الإجهاض، وأيضا تتبع حالات النساء الحوامل خاصة عند اقتراب موعد الولادة  لحماية الطفل الوليد من القتل خاصة حالة الحمل من زنا.

       ثانيا: جريمة قتل الأم لوليدها:

       لقد كفل المشرع الجنائي المغربي حق الإنسان في الحياة، حيث عاقب بشدة على جريمة القتل العمد في صورتها البسيطة بالسجن المؤبد أو بالإعدام في حالة اقترانها بظرف من ظروف التشديد.

       إلا أن المشرع أخذ بعين الاعتبار بعض الظروف التي قد تدفع الشخص لارتكاب جريمة القتل وذلك تحت تأثير قوى معينة مما يستدعي النظر إلى مسؤوليته بعين التخفيف في العقاب.

       وأمام الاختلاف البين في حالات جرائم القتل، لم يجد المشرع الجنائي المغربي بدا من تنويع الجزاءات المستحقة وفق ما يقتضيه مبدأ تفريد العقاب[37]. كما هو الشأن في حالة قتل الأم لطفلها الوليد[38] التي تعتبر من الحوادث الناذرة، ذلك أن عاطفة الأمومة تطغى على النساء بصفة عامة فمن الناذر أن تتجرأ أم على قتل وليدها، إلا إذا قام لديها سبب أدى بها إلى الإقدام على قتل وليدها[39].

       ومن بين الأسباب التي قد تدفع المرأة إلى قتل وليدها، الضغوط النفسية والاجتماعية والنظرة السيئة للمرأة التي تحمل سفاحا، وما يلحق بها من عار بعد اتضاح ثمرة سفاحها أو بدافع الشفقة والرحمة إذا كان الوليد مشوه الخلقة أو لرغبة الأم في قطع علاقتها نهائيا بزوجها الذي طلقها مثلا[40].

       وعلى كل حال، فقد ارتأى المشرع الجنائي المغربي تخفيف عقوبة الأم التي تقتل وليدها سواء كانت فاعلة أصلية أو مشاركة إذ تعاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات (الفصل 397 ق.ج).

       كما ذهبت بعض التشريعات المقارنة إلى الأخذ بهذا العذر فخففت عقوبة الأم التي تقتل وليدها، كما هو الشأن بالنسبة للفصل 551 من قانون العقوبات اللبناني وقانون الجزاء الكويتي (م159) وقانون العقوبات العراقي (م407) وجانب من الدول الغربية كقانون العقوبات الإيطالي.

       غير أن السؤال المطروح في هذا الإطار هو هل تستفيد الأم التي تقتل وليدها لوحدها من هذا العذر؟ وهل تستفيد منه في حالة قتل الوليد غير الشرعي أم حتى في حالة قتل الوليد الشرعي؟

       بالنسبة للإجابة عن السؤال الأول، فإن المشرع الجنائي المغربي نص صراحة من خلال (الفصل 397 ق.ج) على استفادة الأم القاتلة لوحدها من هذا العذر المخفف للعقوبة دون استفادة مشاركيها أو المساهمين معها في القتل، وذلك خلافا لقانون العقوبات الإيطالي الذي لم يشترط استفادة الأم لوحدها من هذا العذر، بل أي شخص يريد من ارتكابه لهذه الجريمة إنقاذ شرفه أو شرف شخص آخر تربطه به صلة مباشرة، كالزوج والأب والأم والأخ والعم والخال أو العمة أو الخالة أو أي شخص آخر تربطه بالأسرة قرابة مباشرة[41].

       وعلى خلاف معظم التشريعات، فإن قانون العقوبات المصري لم ينص على حكم خاص لقتل الطفل حديث الولادة، سواء كان من الأم أيا كان غرضها من القتل أو سواء كان من الأب أو ذوي الأم ولو كان اتقاء للعار[42].

       أما بالنسبة للسؤال الثاني، فإنه وإن كان من غير المألوف أن تقدم الأم على قتل وليدها الشرعي، فإن هذا لا يعني انعدام إمكانية افتراق هذه الجريمة كما هو حال الأم التي تقتل وليدها المشوه الخلقة، غير أن المشرع الجنائي المغربي لم يميز بين الوليد الشرعي وغير الشرعي، فقد جاء النص عاما ومن ثم فالأم تستفيد من عذر التخفيف سواء كان الوليد شرعيا أو غير شرعي.

       وبذلك يكون المشرع الجنائي المغربي قد ساير التشريع الجنائي الفرنسي الذي يقرر هذا العذر سواء كان قتل الأم لوليدها اتقاء للعار أو غيره[43] ومهما كانت البواعث دنيئة[44]، على خلاف بعض التشريعات العربية التي تمتع الأم بهذا العذر متى كان القتل اتقاء للعار فقط كما هو الشأن بالنسبة لقانون العقوبات السوري[45] الكويتي واللبناني.

       وأخيرا نخلص إلى أن حماية الوليد من القتل في القانون الجنائي المغربي تبقى قاصرة لكون المشرع أخذ بالباعث كعذر قانوني مهما كانت نية المجرم دنيئة، كما أنه لم يحدد، ما هو الوليد، أي مرحلة ابتداء الوليد ومرحلة انتهائه. وإذا ثبت هذا أتساءل عن حق الطفل في الحماية من جرائم القتل في باقي مراحل حياته؟

       الفقرة الثانية: قتل الطفل خلال باقي مراحل حياته:

       أقصد بالقتل العادي للطفل كل أشكال القتل التي قد يتعرض لها الطفل باستثناء حالة قتل الأم لوليدها[46]. وتناول هذه الأشكال من القتل العمد للأطفال يقتضي التعرف على موقف المشرع الجنائي المغربي من مرتكب هذه الجريمة بيان ما إذا كانت الحماية الجنائية الموضوعية التي يقرها تجعل من صفة الطفل ظرفا مشددا للعقاب؟ أم عنصرا تكوينيا للتجريم؟ وذلك من أجل ضمان حماية خاصة للطفل من الوقوع فريسة سهلة لهذه الجرائم نظرا لضعف قدرته الجسمية وعدم نضجه العقلي.

       بالرجوع إلى القانون الجنائي المغربي، نجده لم يعرف القتل، بل اكتفى فقط بالإشارة إليه من خلال (الفصل 392 ق.ج) قائلا كل من تسبب عمدا في قتل غير يعد قاتلا "لذلك تدخل فقهاء القانون الجنائي من اجل وضع تعريف له، إذ عرفه البعض بأنه إزهاق روح إنسان بدون وجه حق ظلما وعدوانا[47] أو أنه كل فعل أو امتناع مجرم صادر عن إنسان لإزالة حياة إنسان آخر خلافا للقانون[48].

       ولا جدال في خطورة جريمة القتل وتهديدها للكيان الفردي والاجتماعي معا ولذلك كانت عقوبتها صارمة على مر العصور في الشرائع السماوية والوضعية على السواء[49]. وقد نظر لها المشرع الجنائي المغربي، بدوره نظرة، خطورة على استقرار الفرد وأمنه فعاقب عليها بعقوبة السجن المؤبد أو بالإعدام في حالة اقترانها بظرف من ظروف التشديد (ف 392 ق ج).

       وبذلك يكون الفصل (ف 392 ق.ج) لم يُميز بين ما إذا كان القتل واقعا على طفل أو على شخص راشد. لكن الوقوف على مقتضيات هذا الفصل لوحده يعد غير كاف من اجل التعرف على موقف المشرع الجنائي المغربي من الأخذ بصفة الطفل كظرف مشدد للعقاب أو عنصر تكويني في جريمة القتل، لذلك يلزم طرق أبواب باقي فصول القانون الجنائي لمعرفة ذلك.

       وعليه بالإستناد إلى الفصل 410 نجده يقرر أشد العقوبات (الإعدام) في حالة موت الطفل الناتج عن ارتكاب العنف ضده أو إيذائه أو حرمانه من التغذية أو العناية هذا الحكم كما يسري على أصول الطفل[50] أو من له سلطة عليه أو المكلف برعايته،
 

 

فإنه يسري أيضا على باقي الأشخاص[51].

       من خلال مقتضيات هذا الفصل إذن، يتبين لنا أن المشرع الجنائي المغربي اعتبر صفة الطفل المجني عليه كظرف مشدد للعقوبة، وهذا ما تعززه أيضا مقتضيات (الفصل 463 ق.ج) التي تنص على انه إذا نتج عن التعريض للخطر أو الترك موت الطفل وكانت لدى الجاني نية إحداثه فإنه يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصول 392 إلى 397 ق.ج[52].

       ولاشك أن وضع المشرع الجنائي المغربي للفصلين 410 و463 لم يكن من أجل مجاراة التشريع والاجتهاد المقارنين كما يقول البعض[53]، وإنما بهدف إقرار حماية خاصة للطفل نظرا لضعف قدراته الجسمية والعقلية، لأنه قد يقع فريسة سهلة لمن يرغب قي قتله عكس الشخص البالغ الذي قد تمكنه قدراته الجسمانية من مقاومة الاعتداء وربما قد تمكنه قدراته العقلية من عدم الوقوع فريسة التغريد به من قبل الجاني، الأمر الذي يستوجب وجود رادع أكثر للجاني يجعله يتردد قبل إقدامه على جريمته ضد الطفل، فإذا كانت القدرات الجسمانية والعقلية للراشد تحول كثيرا دون الإقدام على ارتكاب جريمة القتل ضده، فإن تشديد العقاب على قتل الصغير من شأنه أن يحقق نفس الردع.

       وهذا ما أخذت به بعض التشريعات المقارنة –بل ذهبت أبعد من ذلك- كالتشريع الإيطالي الذي جعل من قتل الطفل عمدا ظرفا مشددا للعقاب، إذ عاقب على جريمة القتل العادي بالأشغال الشاقة المؤقتة، بينما عاقب على جريمة قتل الطفل عمدا بالأشغال الشاقة المؤبدة[54] وأيضا التشريع السوري الذي جعل بدوره من صفة الطفل ظرفا مشددا للعقاب، إذ عاقب القاتل بالأشغال الشاقة المؤقتة لكن إذا كان الضحية طفلا لم يبلغ سن 15 وقت وقوع الاعتداء عليه، فإن الجاني يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة وتشدد العقوبة إذا كان القاتل أبا أو جدا للطفل الضحية، إذ يعاقب في هذه الحالة بالإعدام.

       وختاما، على الرغم من كون المشرع الجنائي المغربي أولى عناية خاصة لحق الطفل في الحياة، باعتباره حقا أصيلا ومقدسا ليس للطفل فحسب، وإنما للإنسان عموما، فإنه لم يأخذ بعين الاعتبار بعض خصوصيات الطفل التي كان ينبغي أن تأخذ في الحسبان، كما هو الشأن بالنسبة لتمديد حق الطفل في الحماية الخاصة من الجرائم المنصوص عليها في المواد السالفة الذكر[55] حتى سن الثامنة عشر بدل تحديده في 15 سنة (ف 408) التي يحيل عليها الفصل (411 ق.ج) وذلك بهدف تمديد مجال حمايته. لأنه على الرغم من بلوغ الطفل 15 سنة فما فوق، فإنه لا يقدر الدفاع عن نفسه لأن عوده لم يشتد بعد، كما أن تصرفاته في هذه المرحلة العمرية (المراهقة) تطغى عليها الرعونة وعدم الإتزان مما قد يجعل منه ضحية سهلة المنال لمن يرغب في قتله.

         وما مطالبتنا برفع سن الطفل الضحية في هذه الجرائم إلى سن الثامنة عشرة ليس من أجل مجاراة الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب (خاصة اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989) فحسب، وإنما أيضا من اجل تحقيق الانسجام بين مواد القانون الجنائي[56] خاصة وأن هذا التمييز في تحديد السن ليس له أي مبرر إذا أخذنا بعين الاعتبار خطورة الجرائم المنصوص عليها في (الفصول 411 و463 ق.ج) والتي قد تعصف بحق الطفل في الحياة.

 

       المطلب الثاني: الحماية الجنائية للطفل المعرض للخطر:

       يعيش الطفل عالة على غيره، وحملا على حاضنه ويرجع ذلك إلى ضعفه وعدم قدرته على التعبير عما قد يؤذيه أو يقلق راحته، فكان لزاما على المشرع أن يتدخل ليوفر الحماية القانونية الواجبة للطفل الذي يكون في أمس الحاجة إلى بيئة ملائمة تساعده على النمو السليم.

       وبما أن الطفل في غاية من الضعف، خاصة خلال مراحل حياته الأولى، فإن أبسط الاعتداءات أو المخاطر من شأنها أن تؤدي إلى تعريض حياته للخطر، لذلك تدخل المشرع الجنائي المغربي فجرم العديد من الأفعال كاختطاف الأطفال (الفقرة الأولى) أو جرائم إهمال الأسرة (الفقرة الثانية) لما قد يترتب عنها من تعريض لحياة الطفل للخطر، ولما تنطوي عليه من إساءة معاملة خطرة للطفل.

       الفقرة الأولى: حماية الطفل من الاختطاف:

       الاختطاف هو الاستيلاء على الشخص دون رضاه، وهو بذلك يعتبر بين أخطر أشكال الاعتداءات التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، لمساسه بالحرية الشخصية، مع ما قد يترتب عن ذلك من أخطار قد تصل إلى حد قتل المخطوف، خاصة كلما كان المخطوف قاصرا وذلك بسبب ضعف قدرته الجسمية والعقلية حيث يمكن أن يقع بسهولة ضحية الاختطاف.

       ونظرا لخطورة جرائم الاختطاف على القاصرين، فقد تعامل معها المشرع الجنائي المغربي بنوع من التشدد في التجريم والعقاب، حيث ينص (الفصل 471) على معاقبة الخاطف بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، إذا استعمل العنف أو التهديد أو التدليس لاختطاف قاصر دون الثامنة عشر عاما أو لاستدراجه أو إغرائه أو نقله من الأماكن التي وضعه فيها من له سلطة أو إشراف عليه، سواء فعل ذلك بنفسه أو بواسطة غيره.

       وما يلاحظ بهذا الخصوص أن المشرع المغربي لم يميز بين اختطاف الطفل حديث الولادة والطفل غير حديث الولادة كما فعلت بعض التشريعات المقارنة كالمشرع الكويتي الذي قسم خطف الأطفال إلى نوعين متغايرين[57]، فجعل نصا قانونيا يحكم واقعه خطف الأطفال حديثي العهد بالوردة كما أقر نصوصا أخرى تحكم خطف الأطفال القصر وأيضا المشرع المصري[58] الذي نهج بدوره نفس التفرقة.

       ولتجاوز هذا الأمر عمل المشرع الجنائي المغربي على التنصيص في الفصل 472 على رفع عقوبة جريمة اختطاف القاصر الذي لا تتجاوز سنة اثني عشر عاما، من عشر إلى عشرين سنة سجنا. إلا أنه خفض هذه العقوبة فجعلها متراوحة بين خمس إلى عشر سنوات، إذا ما عثر على القاصر حيا قبل صدور الحكم بمؤاخذة الجاني.

       وما أخذ المشرع الجنائي المغربي بهذا التخفيف في العقوبة إلا مراعاة منه لمصلحة الطفل، وذلك من أجل تشجيع الجاني على العدول عن فكرة القتل إذا كان قد اختطفه لهذا الغرض.

       ولسد الباب أما بعض الجناة الذين قد تدفعهم حاجتهم المادية إلى خطف أطفال قاصرين من أجل مطالبة آبائهم أوكل من له سلطة أو إشراف عليهم بفدية مالية مقابل إطلاق سراحهم، فقد عمل المشرع الجنائي المغربي على رفع العقوبة في مثل هذه الحالات إلى السجن المؤبد أو الإعدام في حالة ما إذا تبع الاختطاف مـوت القاصـر (ف 474 ق.ج).

       غير أن عقوبة الجاني تخفف إذا اختطف أو غرر بقاصر تقل سنه عن ثمان عشرة سنة بدون استعمال عنف أو تهديد أو تدليس، إذ يعاقب في هذه الحالة بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم.

       أما إذا تزوج الجاني القاصرة البالغة التي اختطفها أو غرر بها، فإن النيابة العامة لا يمكنها أن تحرك المتابعة في هذه الحالة إلا بناء على شكوى من الشخص الذي له الحق قانونا في إبطال الزواج ولا يجوز الحكم بمؤاخذته إلا بعد صدور الحكم بهذا البطلان فعلا.

       وبإعمال هذا الفصل يكون المشرع الجنائي المغربي قد انتزع ما وفره من ضمانات لحماية القاصر من الاختطاف، لان الأخذ بمثل هذا الحكم سيفتح أمام الجاني بابا واسعا للتهرب من العقاب خاصة إذا علمنا أن أغلب الأطفال ضحايا الاختطاف هم إناث.

       إذ يمكن للجاني أن يتزوج المختطفة ومن ثم سيضع وليها أو من له سلطة عليها أمام أمر الواقع، ولا يمكنه في مثل هذه الحالة إلا أن يبارك هذا الزواج، خاصة إذا كان الجاني قد افتض المختطفة، نظرا لما تمثله العذرية من أهمية بالنسبة للفتاة والأسرة معا في المجتمع.

       وحتى على فرض تفضيل مصلحة القاصرة المختطفة في مثل هذه الحالة بإعطاء وليها أو من له سلطة عليها بإمكانية إقرار زواجها من الخاطف، فليس كل قاصرة (بالغة) قادرة على الزواج لأن الفتاة قد تبلغ بمجرد بلوغها الثانية عشر من عمرها.

       وحتى على فرض أنها بالغة وأن سنها يفوق 16 سنة، فمن سيسمح لها بالزواج في مثل هذه الحالة ونحن نعلم أن المادة 20 من مدونة الأسرة لا تسمح بزواج القاصر إلا بعد الحصول على إذن قضائي من القاضي المكلف بالأسرة، أم أن المشرع قصد بهذا الزواج ذلك الذي يتم في الواقع، أي دون توثيق؟

       لهذه الأسباب أقترح إلغاء هذه الفقرة (الفقرة الثانية من الفصل 475 ق.ج) لأنها تضعف حق القاصرة في الحماية من جرائم الاختطاف، لكونها تشكل ثغرة كبيرة قد يستغلها ذووا النفوس الخسيسة للتهرب من العقاب، لأنه حتى ولو كان هذا الزواج سيساهم في تخفيف جزء غير يسير من الأضرار النفسية والمعنوية التي قد تصيب المختطفة، إلا أن هذا الزواج في الأغلب الأعم سيكون مصيره الفشل لأن الخاطف لم يتزوج المخطوفة عن قناعة وإنما لينجو بجلدته من العقاب، ثم بعد ذلك سيبادر إلى تطليقها لتجد الفتاة نفسها تعيش ويلات جريمة إختطافها من جديد.

       وهنا لابد أن أضيف بأنه كان على المشرع المغربي أن يحدو حدو بعض التشريعات المقارنة التي تقيم تمييزا في العقاب بين الحالة التي يقع فيها الاختطاف على أنثى وتلك التي يكون ضحيتها ذكرا[59]. كما هو الشأن بالنسبة لقانون العقوبات المصري الذي ينص في مادته 289 على أن "كل من خطف من غير تحايل ولا إكراه طفلا لم يبلغ سنه ست عشرة سنة كاملة بنفسه أو بواسطة غيره، يعاقب بالسجن من ثلاث سنين إلى سبعة، أما إذا كان المخطوف أنثى، فتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن من ثلاث إلى عشر سنوات".

       ومن بين المآخذ على المشرع المغربي في هذا الإطار، هي أنه لم يتطرق إلى بعض الآثار التي قد تترتب عن الاختطاف، كالاغتصاب أو هتك العرض أو تسخير المخطوف للأعمال الإباحية أو الاتجار فيه…

       وبناء على ذلك فإنه لابد من الإشادة بموقف المشرع المصري الذي نص صراحة على تشديد عقوبة الخاطف إذا اغتصب المخطوفة لتصل إلى حد الإعدام وهي عقوبة من شأنها أن تحقق ردعا وعبرة في نفوس الجناة (المادة 290 ق.ع)[60] الذين سولت لهم أنفسهم ارتكاب هاتين الجريمتين الجسيمتين معا.

       وإذا كانت جريمة الاختطاف، أو التغرير بالطفل عادة ترتكب من قبل الغرباء عن الطفل فإنها أحيانا قد ترتكب من قبل والديه أنفسهم[61]. ولأجل ضمان حماية الطفل في مثل هذه الحالة فقد نص الفصل 477 ق.ج على أنه "إذا صدر حكم قضائي بالحضانة وكان نهائيا أو نافذا بصفة مؤقتة، فإن الأب أو الأم أو أي شخص يمتنع عن تقديم القاصر إلى من له الحق في المطالبة به وكذلك إذا اختطفه أو غرر به، ولو دون تدليس أو عنف أو حمل غيره على التغرير به أو اختطافه ممن عهد إليه بحضانته أو من المكان الذي وضعه فيه، فإنه يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وغرامة من مائتين إلى ألف درهم".

       غير أن هذه العقوبة يمكن أن ترفع إلى ثلاث سنوات إذا كان مرتكب هذه الجريمة قد حرم من الولاية الأبوية على القاصـر، ولتعـزيز هذه الحماية، فإن المادة (478 ق.ج) تعاقب كل من تعمد إخفاء قاصر مخطوف أو مهرب أو مغرر به أو هارب من سلطة من لهم الولاية القانونية عليه، وكذلك من تعمد تهريبه من البحث عنه بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.

الفقرة الثانية: الحماية الجنائية للطفل المتخلى عنه والطفل المهمل:

       يعتبر الطفل في أمس الحاجة إلى الحماية من بعض الجرائم الخطيرة التي عادة ما يرتكبها أهله أو من عهد إليهم بحمايته، من قبيل جرائم الترك والتخلي (الفقرة الأولى) وأيضا جرائم إهمال الأسرة (الفقرة الثانية) لما يؤديان إليه من تعريض لحياة الطفل للخطر.

       أولا: حماية الطفل المتخلى عنه:

       لعل من بين مظاهر الاختلالات المجتمعية الأكثر حساسية ومرارة "ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم"، ظاهرة تكاد تلازم كل مجتمع وتختلف دائرة حجمها باختلاف صرامة الجهاز القيمي داخل كل مجتمع… وكذا باختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية وخصوصا منها الطابع السوسيوثقافي والقانوني[62].

       وهي ظاهرة تشكل خطرا بليغا على الطفل بحكم تكوينه العضوي والذهني، لأنه لا يملك في السنوات الأولى من عمره القدرة على حماية نفسه من الخطر، كما لا يملك القدرة على إدراك ما يحيق به من المخاطر التي قد يتعرض لها.

       وبما أن الطفل غير قادر على العيش لوحده، وإنما يعيش عالة على غيره وفي كنفه حتى ولو كان له مال يتعيش منه، فهو دائما في حاجة إلى من يوليه الرعاية التي تتطلب من الولي أو ممن كلف برعايته[63] لهذه الاعتبارات أحاط المشرع الجنائي المغربي الطفل بحماية خاصة من جرائم ترك الأطفال أو تعريضهم للخطر[64].

       وعلى هذا الأساس ينص الفصل (459 ق.ج) على أن "كل من عرض أو ترك طفلا دون سن الخامسة عشرة أو عاجزا لا يستطيع أن يحمي نفسه بنفسه بسبب حالته الجسمية أو العقلية في مكان خال من الناس أو حمل غيره على ذلك يعاقب لمجرد هذا الفعل بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات"، وترفع هذه العقوبة من سنتين إلى خمس إذا نشأ عن التعريض للخطر أو عن الترك مرض أو عجز لمدة تزيد عن عشرين يوما، كما تشدد العقوبة في حال تعرض الطفل لعاهة مستديمة لتصبح هي السجن من خمس إلى عشر سنوات. ولتوسيع جانب الحماية فإنه يمكن أن يعاقب المجرم في الحالة التي تطبق فيها عليه عقوبة جنحية فقط بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المنصوص عليها في الفصل (40 ق.ج) وبالمنع من الإقامة من خمس إلى عشر سنوات (الفصل 467-1).

       ولمزيد من الضمانات الحمائية جعل (الفصل 462 ق.ج) من صفة الجاني ظرفا مشددا للعقوبة، وذلك لما تنطوي عليه صفة أصول الطفل أو من هم مكلفون بحفظه ورعايته قانونا أو اتفاقا أو عرفا من خطورة على الطفل المجني عليه بدلا من كونها محلا لثقة الطفل واطمئنانه.

       وقد أقام المشرع الجنائي المغربي تمييزا في العقوبة، بين جريمة التخلي التي ترتكب في مكان غير خال من الناس وتلك التي ترتكب في مكان خال من الناس، باعتبار أن هذا الأخير يشكل خطرا كبيرا على الطفل.

       وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس المقصود من توظيف المشرع لعبارة مكان خال من الناس أن يكون المحل خاليا من الناس في جميع الأوقات كمنطقة نائية مهجورة مثلا، إنما المراد أن يكون المحل المذكور خاليا من الناس وقت التخلي عن الطفل[65]. لكن هل يمكن اعتبار ترك الأم لطفلها وحيدا في منزلها مكانا خاليا من الناس؟ لقد أجاب المجلس الأعلى على هذا السؤال في القرار الصادر في 16 من شتنبر 1999 حيث جاء في حيثياته بأن "إهمال الأم لرضيعها وتركه وحيدا في منزلها دون تعهد بالتغذية والرعاية في الأوقات المناسبة مما نتج عنه هزاله ووفاته لا ينطبق عليه الوصف القانوني الوارد في الفصلين 461 و462 من القانون الجنائي والذي يتضمن تعريض الطفل العاجز للخطر وتركه في مكان خال من الناس دون نية الرجوع إليه أو بقائه تحت عهده أو مسؤولية مرتكب الفعل"[66].

       كما أود أن أشير إلى أن جريمة تعريض الطفل للخطر من الجرائم الإيجابية التي تتحقق بعمل إيجابي ويتضح ذلك من خلال الفصل 461 ق.ج بقوله "من عرض أو ترك طفلا"[67] لكن تفسير هذا الفصل لا يمنع من تصور وقوع الجريمة بدون عمل إيجابي، أي بالترك أو الامتناع، فإذا وجد شخص طفلا في مكان خال من الناس وتركه مع علمه بما يتعرض له من خطر وهو في هذه الحالة ولم يتخذ أي إجراء لإنقاذه، أو التبليغ عنه، وتوافر لديه القصد الجنائي، يعتبر مرتكبا لجريمة تعريض الطفل للخطر بطريق الترك أو بالامتناع[68].

       ولتعزيز حماية الطفل من جرائم التخلي فقد أفرد القانون الجنائي عقوبات رادعة في حق كل من حرض الأبوين أو أحدهما للتخلي عن طفلهما الوليد أو الذي سيولد أو قدم أو حاول أن يقدم وساطة للتكفل بطفل وليد أو سيولد أو لتبنيه (الفصل 466 ق.ج) كما عاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة من مائتين إلى خمسة آلاف درهم كل من حمل الوالدين أو أحدهما على التعهد في عقد بالتخلي عن طفل سيولد لهما أو حاول ذلك (ف 467 ق.ج).

       وأخيرا يمكن القول بأنه على الرغم من تشدد المشرع الجنائي المغربي في العقاب عن جرائم التخلي عن الأطفال –خاصة الأطفال حديثي العهد- وتعريضهم للخطر، فإن الظاهرة تعرف تزايدا قل نظيره خاصة خلال العقود الأخيرة، وما يشهد على ذلك هو الاكتظاظ الذي تشهده المؤسسات الخيرية التي تعنى بالأطفال المتخلى عنهم، ويبقى السبب المباشر لانتشار هذه الظاهرة هو ارتفاع حالات الاغتصاب وتفشي العلاقات الجنسية غير المشروعة، فإذا ما ترتب عنها حمل، فإنه يثير سخط المجتمع السبب الذي يؤثر على الأم فيجعلها تتخلص من مولودها بتركه أو التخلي عنه.

              ثانيا: حماية الطفل من جرائم إهمال الأسرة:

       تعتبر الأسرة لبنة أولى في صرح المجتمع الإنساني، وكلما كانت الأسرة متماسكة مترابطة تجمعها أواصر المحبة والتضامن في السراء والضراء، وكلما تعاونت في أداء وظيفتها الإنسانية كان المجتمع، مجتمعا صالحا وأفرز شعبا طيب الأعراق[69].

       ولتحقيق هذا المسعى، فقد جرم القانون الجنائي المغربي العديد من الجرائم التي من شأنها أن تقوض أمن الأسرة واستقرارها، ومن بين هذه الجرائم نجد جريمة إهمال الأسرة لما تترتب عنها من نتائج مضرة بالأطفال[70] وبما أقره الشرع من الزواج من تساكن ومودة ورحمة.

       وفي هذا الخصوص ينص الفصل (479 ق.ج) على أنه:

       يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبالغرامة من 200 إلى 2000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.

       1- الأب أو الأم، إذا ما ترك أحدهما بيت الأسرة دون موجب قاهر[71] لمدة تزيد عن شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية والمادية الناشئة عن الولاية أو الوصاية أو الحضانة.

       ولا تنقطع أجل الشهرين إلا بالرجوع إلى بيت الأسرة رجوعا ينم عن استئناف الحياة العائلية بصورة نهائية.

       2- الزوج الذي يترك عمدا لأكثر من شهرين ودون موجب قاهر زوجته وهو يعلم أنها حامل.

       لقد استهدف المشرع من إيراده لهذا الفصل، ضمان استقرار المحيط الأسري من اجل تحقيق جو عائلي مناسب لحياة الطفل عن طريق زجر الهجر المقصود لبيت الأسرة الذي قد يقدم عليه أحد الأبوين لما يترتب عليه من حرمان للطفل من حقوقه المادية والمعنوية الناشئة عن الولاية الأبوية أو تلك الناشئة عن الحضانة أو الوصاية كما حددتها مدونة الأسرة.

       كما يظهر هذا الفصل أن الطفل هو محل الحماية بامتياز حتى ولو كان جنينا في بطن أمه[72]، أما في حالة انعدام وجود أطفال أو حمل، فإنه لا يمكن متابعة أحد الزوجين من أجل هذه الجريمة –إهمال الأسرة- وهذا مسلك منتقد، لأن الحق في الأسرة لا يثبت للطفل بمجرد ولادته أو منذ وجوده جنينا في بطن أمه وإنما هو سابق لوجوده الفعلي[73].

       إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في هذا الإطار، ماذا يقصد المشرع 'بالأم والأب" أو بصيغة أخرى، هل يمكن متابعة الأب الطبيعي أو بالتبني من أجل جنحة إهمال الأسرة؟

       للجواب على هذا السؤال لابد من الرجوع إلى مدونة الأسرة التي تنظم الواجبات المادية والمعنوية من طرف الأب والأم اتجاه أبنائهما.

       بالرجوع إلى مدونة الأسرة نجدها لا تعترف بالأسرة الطبيعية أو المتبنية طبقا للمادتين (148 و149م.أ) لكونهما تخالفان النظام العام المغربي ومن ثم فالأسرة التي تؤخذ بعين الاعتبار وتستفيد من الحماية هي الأسرة الشرعية. وبناء على ذلك فلا يمكن للإبن الطبيعي أو المتبنى الاستفادة من الحماية الجنائية التي يضمنها الفصل 479 ق.ج. باستثناء حالة واحدة تنص عليها مدونة الأسرة في المادة 146 التي تقرر من خلالها شرعية العلاقة التي تربط بين الابن غير الشرعي وأمه، فهذا النص يزيل كل شك فيما يخص حماية الولد الطبيعي عند تملص الأم من واجباتها اتجاهه[74].

       ولمزيد من الضمانات لحماية الطفل من جرائم إهمال الأسرة نقد نص الفصل 480 ق.ج على عقوبات مماثلة لتلك المنصوص عليها في الفصل السابق ضد الشخص الذي صدر عليه حكم نهائي أو قابل للتنفيذ المؤقت بدفع نفقة فروعه وأمسك عمدا عن دفعها في الأجل المحدد. فجريمة إهمال الأسرة تقوم بمجرد الإمتناع عن أداء النفقة داخل الأجل المحدد لها وقد اشترط المشرع الجنائي استصدار حكم قضائي ولو كان مؤقتا[75].

       كما أن جريمة إهمال الأسرة لا تسقط بمجرد الأداء بعد انصرام الأجل المحدد قانونا وهذا ما قضى به المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ 31 مارس 1977 الذي جاء فيه "حيث أن الفصل المدان به العارض وهو الفصل 480 من القانون الجنائي ينص على قيام الجريمة بمجرد الإمساك عمدا عن النفقة الواجبة بمقتضى صدور حكم نهائي أو قابل للتنفيذ في موعدها المحدد وان مجرد الأداء بعد ذلك لا يسقط ولا يجعل الجريمة منعدمة".

       وختاما لابد من الإشارة إلى أن حماية الطفل من جرائم الإهمال لا تتوقف على المتابعة عن الجرائم الواردة في الفصلين 479 و480، بل إن القانون الجنائي المغربي وسع هذه الحماية لتطال المتابعة من اجل جريمة إهمال الأسرة، حتى في حالة تسبب أحد الأبوين في إلحاق ضرر بالغ بأطفاله أو بواحد أو أكثر منهم وذلك نتيجة سوء المعاملة أو إعطاء القدوة السيئة في السكر أو سوء السلوك أو عدم العناية أو التقصير في الإشراف الضروري من ناحية الصحة أو الأمن أو الأخلاق (م 482 ق.ج).

       إلا أنه على الرغم من الحماية الهامة التي يقرها القانون الجنائي للطفل لحمايته من جرائم إهمال الأسرة فإن هذه المقتضيات الزجرية تبقى عاجزة في الواقع عن توفير هذه الحماية، وما يشهد على ذلك هو الأرقام المخيفة لعد قضايا إهمال الأسرة. التي ترفع سنويا أمام المحاكم المغربية، ففي سنة 2001 مثلا بلغ عدد قضايا إهمال الأسرة 1420 قضية لتكون بذلك هذه الجريمة قد حققت المرتبة الثانية، ضمن عدد قضايا جرائم العنف ضد الأطفال بنسبة مئوية قدرت ب 28,84% لذلك نؤيد رأي الأستاذ أحمد الخمليشي الذي يؤكد أن توقيع العقوبة الجنائية من النادر أن يعيد الوئام إلى العلاقة الزوجية ومن ثم استئناف الحياة الأسرية في وئام واطمئنان، لذا يجب البحث عن تدابير بديلة للعقاب والزجر بالنسبة للجرائم التي تقع داخل الفضاء الأسري.

 

المبحث الثاني

 الحماية الجنائية لحق الطفل في سلامته البدنية والنفسية.

       يتعرض الأطفال في مجتمعنا المغربي إلى أشكال مختلفة من العنف البدني والنفسي فتسبب لهم معاناة جسمية ونفسية بالغة وتبقى آثارها المؤلمة ماثلة أمام أعينهم طيلة الحياة بل إن بعض أنواع العنف التي يلاقيها الأطفال تترك بصماتها المدمرة على حياتهم، فتعصف بحاضرهم وتحطم أحلامهم وطموحاتهم، وتقضي على مستقبلهم وآمالهم، فتترك أجسادا انتزعت منها الأرواح وسلبتهم كل معنى كريم للحياة، وتفقدهم الثقة في الناس من حولهم وفي المجتمعات التي ينتمون إليها وأشد من ذلك ما يؤول إليه الحال بعد وقوع الاعتداء. فإما إنسان يائس فقد طعم الحياة ومعناها، يعيش كالشبح بين الناس، وينعزل بنفسه عن كل نواح الحياة وإما إنسان حاقد على غيره يريد لهم أن يعانوا مثل معاناته، ويألموا مثل آلامه ويعيشوا في خوف ورعب مثلما عاش أثناء طفولته[76].

       وعلى هذا الأساس، فقد اعتبرت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان العقوبات البدنية والنفسية في المدارس أمرا "لايتماشى مع اتفاقية حقوق الطفل، لذلك تحث الدول بانتظام على منع هذه العقوبة، ليس في المدارس وغيرها من المؤسسات فحسب وإنما أيضا في العائلة، والمجتمع ككل، ومع أن اتفاقية حقوق الطفل لا تمنع العقوبة البدنية صراحة، فإنها تحث الدول الأطراف على حماية الأطفال من جميع أشكال الإيذاء[77].

       وإذا ثبت بأن لأفعال الاعتداء أخطارا كبرى على الأطفال، فما هي اوجه الحماية التي يقرها القانون الجنائي المغربي لضمان حق الطفل في سلامته البدنية (مطلب أول) وكذا سلامة صحته النفسية (مطلب ثاني).

 

      المطلب الأول: حماية الطفل من الإيذاء البدني:

       لقد أحاط القانون الجنائي المغربي الطفولة بسياج من القوانين الخاصة التي ترتبط أولا بطبيعة الطفل الجسدية والعقلية، فالطفل لا يستطيع الدفاع عن نفسه إذا تعرض للأذى، ولا يقدر على رد الاعتبار لذاته كما لا يستطيع أيضا تقييم خطوط المؤامرات التي تحاك ضده، وترتبط من ناحية ثانية بالصفة الخاصة لزمرة من المجرمين الذين يقدمون على استغلال الضعف الطبيعي للطفل وإلحاق الإيذاء به ولذلك نص القانون الجنائي على حماية الطفل وذلك عن طريق تجريم كل أفعال الإيذاء التي قد يتعرض لها في ذاته أو في نفسه.

       ومن بين أكثر أنواع الإيذاء شيوعا ضد الأطفال، نجد الإيذاء البدني، والذي قد يرتكب لأفعال خسيسة، كالضرب والجرح المرتكب ضد الطفل بهدف تأليمه والانتقام منه وهو ما يمكن أن نصطلح عليه بالإيذاء البدني العادي (الفقرة الأولى) كما قد يرتكب أيضا لأهداف التربية والتأديب والذي يجب أن يمارس في الحدود المرسومة له شرعا وقانونا (الفقرة الثانية).

       الفقرة الأولى: الإيذاء البدني العادي للطفل:

       يقصد بالإيذاء البدني العادي، جرائم الضرب والجرح التي تحدث من الجاني دون قصد التأديب أو الختان، وغالبا ما يكون الجاني ممن لا يملكون سلطة على الطفل وهذا النوع من الإيذاء البدني للطفل يتماثل مع ذلك الذي يتصور أن يرتكب ضد البالغ أيضا[78].

       وتعتبر ظاهرة الإيذاء البدني للأطفال من اخطر الظواهر التي تقف في وجه تقدم المجتمع وتهدد تماسكه، لكونها تنشئة اجتماعية خاطئة، لذلك توجهت الأنظار من أجل العمل على إيجاد نظام لحماية الأطفال خاصة وان تاريخ الطفولة يعتبر مظلما منذ قرون، حيث سادت مختلف أشكال تعذيب الأطفال خلال تلك العصور.

       فكل أشكال الإيذاء البدني التي كانت تلحق الأطفال في العصور الماضية لازمت الطفولة حتى عصرنا الحاضر (وإن خفت حدتها) فإنها لازالت تلقي بجحيمها على أجساد الأطفال الفتية، وقد أوضحت مختلف الدراسات العلمية حول الظاهرة، بأن الإيذاء البدني ظاهرة تعاني منها كل المجتمعات الإنسانية، كما تعرفها مختلف الفئات الاجتماعية كيفما كان مستواها الاقتصادي أو الثقافي[79].

       ويمكن الاستدلال على أفعال الإيذاء البدني العادي للأطفال من خلال الأعراض التالية:

       – الإصابات الظاهرة في أماكن الجسم يستبعد أن تكون عرضية  كالحروق في الظهر والكدمات في أماكن بعيدة عن الأطراف وعلى مؤخرة الطفل.

       – إصابة الرأس والدماغ وما تظهر عنه من أعراض (كالإغماء).

       – النزيف الداخلي الناجم عن الإصابة.

       – الكسور المتكررة للطفل، العض، الحرق، الجلد والضرب بالآلات الحادة…

       – تلعثم الطفل في الكلام والتعثر بطريقة ملفتة للنظر.

       ويعتبر الإيذاء البدني Hكثر أنواع الإيذاء شيوعا، وقد يعود ذلك إلى وضوح أعراضه وقابليته للملاحظة والاكتشاف ويشكل الوالدين والقائمين على رعايته وتنشئة الأطفال المصادر الرئيسية لهذه الإيذاءات[80].

       وتطرح هذه الاعتداءات نفسها بحدة في المستشفيات، حيث أصبح إستقبال حالات عدة بصفة يومية، يكاد يجعل الإيذاء البدني للأطفال أمرا عاديا وطبيعيا، غير أن الأطباء يصطدمون في إطار عملهم بصعوبات كبرى عند إستقبالهم لمعظم الحالات (أمهات لا يردن الإدلاء بأية بيانات، وأحيانا بمعلومات جزئية، أطفال عاجزون عن الكلام وعند حديثهم تلاحظ عليهم إضطرابات نفسية بليغة…)[81].

       لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة هنا، ما هي الأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى ارتكاب أفعال الإيذاء البدني ضد الطفل؟

       للإجابة عن هذا السؤال، فإن الأمر يتطلب رصد هذه المظاهر الاعتيادية وتتبعها في البيئة الفكرية والممارستية السائدة في المجتمع المغربي، والتي يمكن الزعم بأن لها روافد تغذيها وتمدها بأسباب الانتشار والبقاء، روافد يرجع بعضها إلى ظاهرة العنف والعدوان ضد الأشخاص والممتلكات، التي تسري في الجسد (المغربي) العربي، من قمة هرمه إلى أدق خلية في قاعدته وهي الأسرة، ذلك أن الحريات العامة وكرامة الأفراد وحقوقهم ينظر إليها كترف فكري أو كموضة فكرية دخيلة ومزعجة، يتعين الحد من مدها بسن مقررات تحيلها –في حالة الإقرار الرسمي بها- عبثا مجردا من كل قيمة حقيقية.

       فقد تعود الأسباب المؤدية إلى إيذاء الأطفال إلى العقلية السائدة في أغلب الأسر المغربية وهي عقليات متشعبة بالكثير من أنماط التفكير والممارسات المعيبة السائدة، فشيوع مقولات: (العصا لمن عصا) و (اقتل وأنا ندفن) و (الحر بالغمزة والعبد بالدبزة)… لها دلالتها السيكولوجية والسسيولوجية السائدة في المجتمع، ولذلك قد لا نستغرب إذا وجدنا من يشير عن قناعة تامة بصلاحية العقاب البدني كحل امثل لردع الطفل/المشاغب عن كثير من الممارسات التي نعتقد أنها عبثا ومضيعة للوقت وما هي كذلك في سائر الأحوال[82].

       ومن بين الأسباب أيضا الفقر الذي تعيشه شرائح كبيرة من المجتمع، والذي قد يدفع ضحاياه إلى إحتراف العنف والجريمة التي يقع ضحيتها الأطفال كما قد يقع ضحيتها الكبار كما يمكن أن يضاف إلى ذلك، الأمراض النفسية والاكتئاب الذين يدفعان إلى عدم إطاقة الأطفال وبالتالي التعامل معهم بنوع من العنف والعدوانية.     كما تشير بعض الدراسات إلى وجود أسباب أخرى تغذي ظاهرة الإيذاء البدني للأطفال كالتفكك العائلي المبكر وغياب ثقافة حقوق الطفل وتوارث أفعال الاعتداء، حيث إن معظم المعتدين كانوا بدورهم ضحايا الاعتداءات عند صغر سنهم[83].

       كل هذه الأسباب التي تعج بها مجتمعاتنا والتي تعكس بالملموس ارتفاع حالات الإيذاء البدني للأطفال التي تشكل نسبة عالية ضمن حالات الإساءة المعروضة على المرصد الوطني لحقوق الطفل، حيث سجل المركز 422 ملفا تمثل الاعتداءات البدنية 31% منها[84]. كل ذلك على الرغم من الاهتمام الدولي الكبير بحقوق الإنسان عموما وحقوق الطفل خصوصا.

       فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الطفل في المادة الثالثة على أن لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه، كما نص في مادته الخامسة على أن لا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة  ، وما قررته أيضا المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بعدم جواز إخضاع أي فرد للتعذيب أو العقوبة أو المعاملة القاسية… وأيضا ما اشتملته اتفاقية حقوق الطفل من بنود نصت على تجريم جميع أشكال القسوة ضد الأطفال، خاصة المادتين 19 و37[85]. وأيضا وثيقة نيويورك لسنة 2002[86] حيث دعـت إلى ضرورة احترام حق الأطفال في الحماية من جميع أشكال العنف (المادة 43/3).

       وإذا كانت الأوقاف الدولية قد خصت الطفل بحماية خاصة من جميع أشكال الإيذاء البدني، فهل خص التشريع الجنائي المغربي أيضا الطفل بحماية جنائية مماثلة نظرا لضعفه البدني الذي من شأنه أن يعيقه الدفاع عن نفسه أو يشجع الغير على إيذائه؟

       بالرجوع إلى القانون الجنائي المغربي نجده ينص في الفصل 408 على عقوبة حبسية من سنة إلى ثلاث سنوات في حق كل من جرح أو ضرب عمدا طفلا دون الخامسة عشر من عمره… أو ارتكب عمدا ضد الطفل أي نوع من أنواع الإيذاء فيما عدا الإيذاء الخفيف.

       وإذا نتج عن الضرب أو العنف أو الجرح أو الإيذاء مرض أو ملازمة للفراش أو عجز عن العمل تتجاوز مدته عشرين يوما أو إذا توفر سبق الإصرار أو الترصد أو استعمال السلاح فإن العقوبة تشدد لتصبح هي السجن من سنتين إلى خمس مع إمكانية الحكم على مرتكب هذه الجرائم بالحرمان من واحد أو اكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 ق.ج[87]. وبالمنع من الإقامة من خمس سنوات إلى عشر (ف 409 ق.ج).

       أما إذا نتج عن الأفعال السابقة الذكر، فقد عضو أو بتره أو الحرمان من منفعته أو عمى أو عور أو أية عاهة دائمة أخرى، فإن العقوبة هي السجن من عشر إلى عشرين سنة، أما إذا نتج عنه الموت، فإن العقوبة هي السجن من عشر إلى ثلاثين سنة لكن شريطة انعدام قصد إحداثه، أما إذا نتج الموت بسبب أعمال معتادة فإن العقوبة هي السجن المؤبد، أمـا إذا قصد الجاني إحداث الموت فإن العقوبة هي الإعدام (الفصل 410). وتضاعف العقوبات السالفة الذكر إذا كان مرتكب الجريمة أحد أصول الطفل[88]

المجني عليه أو شخصا له سلطة عليه أو مكلفا برعايته (ف 165 ق.ج).

       من خلال هذه المقتضيات يتبين لنا بأن المشرع الجنائي المغربي، قد خص الطفل بحماية خاصة من جرائم الإيذاء البدني التي قد تطاله، إذ أن وضع نصوص خاصة تشدد العقوبات على جرائم العنف، الجرح والضرب… التي يمكن أن يتعرض لها الطفل، من شأنها أن تحقق ردعا في نفوس الجناة. إلا انه كان على المشرع المغربي أن يمدد هذه الحماية حتى بلوغ الطفل سنة 18 من عمره. لأنه ببلوغ الطفل هذا السن يكون قد أصبح نسبيا قادرا على مواجهة الإيذاءات التي قد تطاله. كما كان على المشرع أن يوضح معنى الإيذاء الخفيف غير المعاقب عليه (الفصل 408) لأنه بإمكان الجاني أن يحتج بأن ما ارتكبه اتجاه الطفل المجني عليه هو عرف عائلته أو أسرته وانه مجرد إيذاء خفيف يهدف من ورائه تهذيب وتقويم سلوكات الطفل.

       الفقرة الثانية: الإيذاء البدني بقصد التأديب:

       يعني الإيذاء البدني بقصد التأديب كل أشكال الضرب أو الجرح التي قد يقع الطفل ضحيتها، سواء كانت صادرة من قبل والدي الطفل أو ممن لهم سلطة عليه وذلك بهدف تأديبه أو تعليمه أو تقويمه. 

       فإذا كان من واجب الوالدين أو من يشرفون على الأطفال أن يحسنوا تربيتهم وأن يسهروا على تنشئتهم تنشئة سليمة، لما في ذلك من فائدة للأسرة والمجتمع والأطفال أنفسهم (أولا) فإن تجاوز حدود التأديب قد يلحق الأذى بالطفل ومن ثم فهو عمل مجرم قانونا (ثانيا).

       أولا: مبررات إقرار حق الطفل في التربية والتهذيب:

       شرع الإسلام للصغير حقا أصيلا في التربية مقتضاه أن يقوم الأب أو الأم أو المعلم بتربيتة بغية تأديبه وتهذيبه لحمايته من بواعث الانحراف، وإصلاح سلوكه ومنعه من الانقياد إلى نوازع الشر ومخاطره، فقد سمحت الشريعة الإسلامية للأب والأم وللوصي والمعلم ولكل من له سلطة أو إشراف على الطفل بحق تأديبه بقصد العلاج ويبدأ ذلك بالترغيب واللوم بالقول وقد يصل في الحالات القصوى إلى ضربه الضرب الخفيف[89].

       ويجد الحق في التأديب سنده الشرعي من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية[90] وإجماع أئمة المسلمين، فيقول الخالق عز من قائل: "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة"[91] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "ما نحا والد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن" وقال كذلك عن جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "لأن يؤدب الرجل ولده، خير من أن يتصدق بصاع" وقال صلى الله عليه وسلم في حديث مشهور رواه أبو داوود في سننه "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين فإذا بلغ عشر سنين، فاضربوه عليها" وفي رواية أخرى وفرقوا بينهم في المضاجع[92].

       ويبدو لأول وهلة أن هناك تعارضا –وما هو كذلك- بين ما جاء في الحديث الأخير من أمر صريح بالضرب وبين ما عرف عنه صلى الله عليه وسلم من رقة في الطبع، ولين في الجانب ومن قلب ينبض بالحنان ويفيض بالرحمة، التي هي قبس من رحمة الله الشاملة قال تعالى:"ورحمتي وسعت كل شيء"[93] وبما ظهر به على كافة الناس من حب لبناته وحفدته، كان مضربا للأمثال وباعثا على الدهشة، في بيئة كانت تكره إنجاب البنات وتنفر منهن، إلى الحد الذي كان الواحد منهم يغمره الحزن وتعلو وجهه الكآبة والسواد حينما يبشر بولادة أنثى مما سجله القرآن الكريم "يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسك على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون"[94] ليس هذا فحسب، بل وصل الأمر إلى حد وأد البنات بمجرد ولادتهن في تلك البيئة الجاهلية الجامدة القلوب المتحجرة العواطف، تفجرت ينابيع الرحمة والحنان من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان صلى الله عليه وسلم يقف بين خالقه حتى تتورم قدماه في خشوع وطمأنينة، ولكنه حين يسمع بكاء طفل يسرع في صلاته حتى يطلع على أحواله، ويعرف سبب بكائه، هذه بعض أخلاق وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم العطرة مع بناته وحفدته. فكيف إذن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بضرب طفل قاصر غير مميز، لا يفرق بين فعل قبيح ينبغي تركه، وبين فعل مطلوب على وجه الاستحباب أو الوجوب، ينبغي فعله، لذلك فالفاصل الزمني، بين الأمر بالصلاة وبين الأمر بالضرب في الحديث، فاصل زمني له دلالته التربوية والنفسية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالضرب مباشرة بعد امتناع الولد عن إقامة الصلاة أو تهاونه فيها، وإنما جعل فاصلا زمنيا بين الأمر الأول والثاني يبلغ ثلاث سنوات أو أكثر[95].

       إذ لا يمكن اللجوء إلى ضرب الطفل إلا بعد إرشاده إلى الصواب وحثه عليه وإذا ما حصل الاقتناع الكامل بعدم جدوى مثل هذه الوسائل يمكن اللجوء إذ ذاك إلى الضرب الخفيف[96].

       والضرب الخفيف ينبغي ألا يتجاوز الثلاث، لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم لمرداس المعلم "إياك أن تضرب فوق ثلاث، فإنك إن ضربت فوق الثلاث اقتص الله منك"[97].

       وفي نظري المتواضع، فإنه ما دامت الشريعة الإسلامية أباحت الضرب الخفيف، من اجل تأديب سلوكات الطفل نظرا لفوائده فلا يسعني إلا أن أؤيد هذا الأسلوب في التربية[98]، إلا أنه يجب التأكيد بأنه ينبغي ألا يستعمل إلا عند الضرورة القصوى وبالشكل الذي لا يترك أثرا سيئا على جسم الطفل أو نفسيته، لأن تجاوز حدود الحق في التأديب يعتبر فعلا مجرما ومعاقبا عليه.

       ثانيا: تجريم التعسف في تأديب الطفل:

       يعد تجاوز الحد في تأديب الطفل صورة من صور جرائم إساءة معاملة الطفل وإيذائه، وإذا كانت جريمة الإساءة هذه الأوسع والأشمل في نتائجها وآثارها وخطورتها لأنها لا تشترط أن يرتكبها أشخاص معينون –وإن كان الأولياء هم من يرتكبون هذه الجريمة بالدرجة الأولى- ولا تتطلب دافعا معينا وراء ارتكابها ولا حدودا ولا قيودا يتم تجاوزها أو وقوع خطا من جانب الطفل يستحق العقاب عليه لكونها نتاجا لما وصل إليه الحال في معاملة الأسرة والمجتمع للطفل، فإن جريمة تجاوز الحق في تأديب الأطفال تعترف بمثل هذه الحدود والقيود عند تكييف الفعل على انه انتهاك لحق تأديب سلوك الأطفال وتقويمه من قبل الأهل أو المتولين تربيتهم ورعايتهم أو المسؤولين عنهم[99].

       وتظهر خطورة تجاوز حدود التأديب من خلال الأضرار المادية والنفسية والجسمية التي قد تلحق الطفل، لذلك أتساءل عن حدود مسؤولية الأولياء ومن في حكمهم عن سلوكاتهم التأديبية؟ وما هو الحد الذي يمكن عنده القول بتجاوز الحق في التأديب ليدخل في دائرة التجريم القانوني؟

       للإجابة عن هذه الأسئلة يلزمنا الرجوع إلى المقتضيات الزجرية في القانون المغربي فنجد هذا القانون ينص صراحة على العقاب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات كل من جرح أو ضرب عمدا طفلا دون الخامسة عشر من عمره… أو ارتكب عمدا ضد هذا الطفل أي نوع آخر من أنواع العنـف أو الإيذاء فيما عدا الإيذاء الخفيـف (ف408 ق.ج). فمقتضيات هذا الفصل إذن تنص صراحة على عدم العقاب على الإيذاء الخفيف بمعنى إباحة الحق في التأديب عن طريق الإيذاء الخفيف[100].

       ولاشك أن انتفاء المسؤولية الجنائية عن الشخص الذي يضرب الطفل ضربا خفيفا في الحدود المعقولة تأديبا له لا يرجع إلى انتفاء القصد الجنائي عند سلامة نيته وابتغائه الخير لابنه، بل يرجع إلى الإباحة المنصوص عليها قانونا[101].

       غير أنع ما يلاحظ على المشرع في هذا الإطار هو انه لم يبين ما معنى الإيذاء الخفيف وما هي حدوده[102]، فما قد يعتبر إيذاء خفيفا في مجتمع أو أسرة ما قد لا يعتبر كذلك في مجتمع أو أسرة أخرى، وما قد يعتبر إيذاء خفيفا عند بعض الأشخاص قد لا يعتبر كذلك عند الأشخاص الآخرين.

       كما أن النص القانوني جاء مطلقا، إذ يعفى من العقاب كل شخص أقدم على ضرب الطفل ضربا خفيفا ولو كان غريبا عنه ولا تربطه به أية صلة. لذا كان على المشرع أن ينص صراحة على انه يقصد بالإيذاء الخفيف، ذلك الذي قد يطال الطفل من أجل تأديبه وتقويم سلوكاته كما كان عليه أن يبين صفة الأشخاص الذين يمكن إعفاؤهم من العقاب، كالوالدين أو الولي، أو الوصي أو المعلم في المدرسة أو الحرفة أو كل من كلف بالإشراف على الطفل وذلك بهدف ضمان حماية الطفل من بعض الأشخاص الذين قد يؤذونه إيذاء خفيفا من أجل الانتقام منه أو تأليمه.

       وإذا كان المشرع المغربي قد أقر الضرب الخفيف من أجل تأديب الطفل، فإن بعض التشريعات المقارنة، لا تجيز إستخدام العقاب البدني في تأديب الأطفال، فأي سلوك من الجاني تجاه الطفل حتى وإن كان مجرد ضرب خفيف، فإنه يثير المسؤولية الجنائية ويعد مرتكبا لجريمة ضرب الطفل.

       ومن بين هذه التشريعات نجد التشريع السويدي الذي يجرم الإيذاء البدني للطفل أيا كان غرضه، وأخضعه لأحكام الضرب أو الجرح العادية التي يخضع لها المعتدي على البالغ وذلك بعد أن كان يبيح مثل تلك الاعتداءات متى كانت ضد الابن من قبل الوالدين وبقصد التأديب[103].

       وبالإضافة إلى الحماية المقررة للأطفال بموجب القانون الجنائي، فإنه توجد بعض المذكرات الوزارية التي تحدد مسؤوليات الأطر التعليمية (المسؤولية الجنائية والمدنية والإدارية) عن العديد من تصرفاهم داخل الأقسام والمؤسسات التعليمية وخارجها، كما تحدد في نفس الآن، المتابعات التي يخضعون لها في حالة لجوئهم إلى العقوبات البدنية أو إلى أي شكل من أشكال العنف…

       فقد أصدرت وزارة التربية الوطنية العديد من المذكرات بهذا الخصوص[104]، آخرها المذكرة 06/99 بتاريخ 23 شتنبر 1999 والتي تمنع الضرب والعنف الممارس في المؤسسات التعليمية حيث جاء فيها: "أهيب بكافة الأطر التعليمية وأطر الإدارة التربوية أن تتجنب بصفة مطلقة استعمال أي شكل من أشكال العنف الجسدي أو النفسي على التلاميذ وان تعمل على نهج أسلوب الحوار وتشجيع حرية الرأي والتعبير داخل الفصول وفي فضاءات المؤسسات التعليمية بشكل عام"[105].

       فقد ساهمت هذه المذكرات الوزارية إلى حد ما في تخفيض معدلات إيذاء الأطفال داخل الفضاءات التربوية، خاصة بعدما أظهرت مختلف الدراسات العلمية عدم جدوى الإيذاء البدني للأطفال في تربيتهم وتعليمهم، حيث أن العملية التربوية لا يمكن أن تتم في ظل العنف أو التهديد به، فضلا عن أن المدرس الذي يلجا إلى الضرب والإيذاء لم يحصل من تلميذه إلا على كراهية التعليم والمدرسة والمدرسين، فالضرب هو في الواقع سياسة الفاشلين في البيت وفي المدرسة، ولا ينتج عنه إلا تعطيل العقل وتمزيق العاطفة والقضاء على براءة الطفولة وبث روح الكراهية والعداوة في الأجيال الناشئة[106].

       وأخيرا أناشد كل من له سلطة على الطفل أن يحسن معاملته وان يؤدبه بطيب الكلم ألا يلجأ إلى التأديب عن طريق الضرب إلا عند الضرورة القصوى[107]، والضرورة تقدر بقدرها، فإن لم توجد لم يجز استخدامها، فإن وجدت ضرورة التأديب باستعمال الضرب –الخفيف- فإنه هناك قيود وحدود لا يجوز التطاول عليها، إذ يشترط في الضرب ألا يتجاوز الثلاث[108] وألا يترك أثرا على الجسد، وان يكون باليد المجردة دون استخدام وسائل أخرى كالسوط أو غيرها وألا يقع على أجزاء حساسة من الجسم كالرأس والوجه والبطن أو الأعضاء التناسلية.

       وعموما إذا كان للإيذاء البدني خطورة كبيرة على الطفل، فإن الإيذاء النفسي  لا يقل خطورة ومرارة عليه خاصة مع الزمن.

       المطلب الثاني: الحماية الجنائية للطفل من الإيذاء النفسي:

       تعد الحماية الجنائية لنفسية الطفل من بين الأهداف الأساسية التي يتعين على المنظومة الجنائية تحقيقها، لما للحالة النفسية من تأثير كبير على سلوكيات الطفل في صغره وعلى سلوكياته أيضا في كبره.

       ولإبراز مدى الحماية التي يقرها القانون الجنائي المغربي للطفل من الإيذاء النفسي سأركز على الحماية الخاصة من العنف اللفظي (الفقرة الأولى) كما سأتناول تجريم إنكار نسب الطفل أو إدعائه (الفقرة الثانية) لما لذلك من آثار مدمرة على نفسية الطفل والتي قد تلاحقه طوال حياته.

       الفقرة الأولى: تجريم العنف اللفظي الموجه ضد الطفل:

       لا تقتصر الحماية الجنائية للطفل على تجريم الأفعال التي من شأنها أن تشكل إعتداءات جسدية فقط، بل تشمل ردع جميع السلوكات التي من شأنها أن تسبب الإهانة والإعتداء على الشرف والسمعة… التي تحظى أيضا بكثير من الاهتمام والمكانة لدى أفراد المجتمع، حتى أصبحت من القيم الاجتماعية التي يأخذها المشرع الجنائي في الاعتبار خاصة كلما تعلق الأمر بالعنف اللفظي.

       حقيقة إن الإساءة اللفظية[109] التي تتضمن الإزدراء والسخرية والاستهزاء والسباب للأطفال لها انعكاسات خطيرة على شخصيتهم، وتؤثر على الكثير من الأطفال وتساهم في تنمية الروح العدوانية عندهم، فالتنشئة الإجتماعية المبنية على العنف اللفظي لا يمكن أن تنتج إلا شخصية غير سوية ومضطربة وتحبذ القوة والعنف من أجل رفع القهر الناتج عن هذا النوع من العنف المدمر.

       فلا أحد ينكر بأن من بين أهم العوامل المدمرة لنفسية الطفل جرح كرامته والتقليل من شأنه، مما يدفعه إلى الإحساس بامتهان الذات والتقليل من قيمتها. وهنا لابد أن أضير بأن العديد من المدرسين يسيؤون إلى تلامذتهم من حيث لا يقصدون، وذلك عندما يتوجهون إليهم باللوم أو النقد أو السخرية أمام زملائهم، مما ينفر التلاميذ منهم ومن المدرسة، ويدفعهم إلى الإنطواء وعدم المشاركة في الدروس أو التمرد على السلطة المدرسية جملة وتفصيلا[110].

       وإذا ثبتت خطورة الإساءة اللفظية إلى الطفل فهل تتضمن القانون الجنائي عقوبات لضمان حماية خاصة له من العنف اللفظي الذي كثيرا ما يقع ضحيته في الأسرة، المدرسة أو المجتمع؟

       بتأمل نصوص القانون الجنائي يتبين لنل أنها لا تتضمن مقتضيات خاصة لزجر العنف اللفظي ضد الطفل، بل تضمنت مقتضيات عامة لحماية المقومات المعنوية للشخصية الإنسانية[111] بصفة عامة بهدف حمايتها من الأقوال التي يمكن تكييفها على إعتبار أنها تشكل جرائم سب أو قذف في حق أحد أفراد المجتمع.

       وكما تشكل هذه المقتضيات حماية للشخص البالغ، فإنه يستفيد منها الطفل أيضا. ومن بين جرائم الإيذاء اللفظي التي جرمها القانون الجنائي نجد القذف والسب. وقد عرف الفصل 442 القذف بأنه ادعاء واقعه أو نسبتها إلى شخص أو هيئة إذا كانت الواقعة تمس شرف أو اعتبار الشخص أو الهيئة التي نسبت إليها. أما السب فقد عرفه الفصل 443 ق.ج بأنه كل تعبير شائن أو عبارة تحقير أو قدح لا تتضمن نسبة أي واقعة معينة.

       ويعاقب على القذف والسب العلني بموجب الظهير رقم 1.58.378 بمثابة قانون الصحافة[112] الذي ينص في الفصل السابع والأربعون منه بأنه يعاقب بحبس تتراوح مدته بين شهر واحد وستة أشهر وبغرامة يتراوح قدرها بين 10.000 و50.000 درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط عن القذف الموجه للأفراد…

       وهنا تجدر الإشارة إلى أن قانون العقوبات الكويتي قد سار في نفس منحى القانون الجنائي المغربي، حيث لم ينص صراحة على نصوص خاصة لحماية الطفل من العنف اللفظي، بل تضمن مقتضيات عامة، لتجريح القذف أو السب الموجه ضد أحد أفراد المجتمع وتبين ذلك من خلال المادة 210 بنصها على معاقبة كل من صدر منه في مكان عام أو على مسمع أو مرأى من شخص آخر غير المجني عليه، سب لشخص آخر على نحو يخدش شرف هذا الشخص أو اعتباره دون أن يشمل هذا السب على إسناد واقعة معينة له، يعاقب بالحبس مدة لا تتجاوز سنة واحدة وبغرامة .. كما عاقب المشرع الكويتي على كل ما من شأنه أن يحقق الجرائم المشار إليها في المادة السابقة حتى ولو صدرت بشكل غير علني.

       وإذا كان المشرع الجنائي المغربي -شأنه شأن قانون العقوبات الكويتي- لم يحض الطفل بحماية خاصة من العنف اللفظي، فإن المذكرة الوزارية[113] الموجهة إلى الأطر التربوية قد نصت صراحة على مسؤولية أطر التربية عن كل أشكال التجريح والإهانة التي قد يلحقونها بالتلاميذ حيث جاء فيها: "أهيب بكافة الأطر التعليمية وأطر الإدارة التربوية أن تتجنب بصفة مطلقة استعمال أي شكل من أشكال العنف النفسي.. على التلاميذ.. خاصة وان جل العاملين الحاليين في قطاع التعليم هم خريجي مدارس ومعاهد التكوين حيث يتعلمون أول درس في التربية وعلم النفس، حول مساوئ التجريح… ومضاره النفسية.

       وعموما، يمكن القول بأن هذه المقتضيات برمتها تعد غير كافية لحماية الطفل من العنف اللفظي، وهو ما يبرر ارتفاع حالاته داخل المجتمع على الرغم من غياب إحصائيات في الموضوع باستثناء بعض الإحصائيات الجزئية الصادرة عن المرصد الوطني لحقوق الطفل والتي تشير إلى أن القسوة النفسية ضد الأطفال تشكل 16% ضمن نسبة المكالمات الهاتفية المعروضة على المرصد الوطني لحق الطفل منذ تأسيسه سنة 1995 إلى غاية أبريل 2002. وعلى الرغم من ارتفاع عدد جرائم العنف اللفظي ضد الأطفال فإن أغلب الجناة ينفلتون من العقاب.

ويعزى ذلك إلى صعوبة إثبات هذا النوع من العنف وكذا إلى صعوبة تحديد تعريف محدد لمفهوم الإيذاء النفسي، كما أن الكثير من الحالات التي تتعرض لمثل ذلك الإيذاء لا تبلغ عن الأضرار النفسية التي تلحق بها جراء ذلك. إذ بالرغم من تزايد ظاهرة إيذاء الأطفال نفسيا ومثول بعض الحالات أمام القضاء إلا انه كان من الصعب إثبات ذلك، حيث أن الآباء أو المهنيين غالبا ما يدعون أن ذلك مجرد تخيلات في ذهن الطفل، لا مكان لها من الصحة، كما أن الأطفال أنفسهم غالبا لا يخبرون عن آثارها عليهم الآخرين بالرغم من تألمهم جراء ذلك[114].

       وفي ظل غياب دراسات ميدانية تعكس حجم الظاهرة وأبعادها، لا يمكن التعرف على حجم الظاهرة ولا على الآثار المترتبة عليها، حيث أن آثار هذه المشكلة تواجه بالتدخل في خصوصيات الأسرة حيث تعتبر أغلب الأسر العنف اللفظي جزء من التهذيب والتأديب الذي يتلقاه الطفل، وكما أنه من الناذر جدا أن يتقدم الطفل بشكاية ضد من له سلطة عليه إلى الجهات الرسمية إذا عنفه لفظيا، كما لا يستطيع في أغلب الأحيان أن يبوح بذلك العنف حتى إلى أقرب أقربائه، مما يدعم تفاقم المشكلة وانتشارها.

       وختاما إذا كان العنف اللفظي يسبب أذى نفسية كبرى للطفل، فإن إنكار نسبه أو إدعاءة بسبب تدمير خطير  لنفسيته.

 

الفقرة الثانية: إنكار نسب الطفل أو ادعائه؛ مساس خطير بنفسية الطفل:

       لقد اهتم الإسلام بالنسب اهتماما كبيرا، ويتجلى ذلك في أنه يعتبره من الضروريات الخمس التي جاء للمحافظة عليها وتدور قواعده على ضبط أحكامها[115] وذلك من أجل طهارته وتفادي اختلاطه[116] وأيضا لضمان حق الطفل في أن يكون له نسب ينسب إليه ويتحصن به ضد معرة الإنتساب إلى الزنا.

       وبسبب أهمية النسب الذي يحمله الفرد طوال حياته، لما تترتب عنه من آثار في علاقة الطفل بمن انتسب إليه: فإن ادعاءه أو إنكاره، حتما ستترتب عليه آثار نفسية خطيرة على الفرد عموما وعلى الطفل على وجه الخصوص وهو ما تظهره الحالات الواقعية التي تعكس مآس وآلام نفسية بليغة لأطفال ضحايا ادعاء أو إنكار نسبهم[117].

       وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد شملت النسب بحماية كبرى، فإن القانون الوضعي المغربي، متعه بحماية جنائية موازية: إذ جرم كل علاقة جنسية خارج الزواج، لذلك عاقب على الزنا باعتبارها أهم جريمة تقف ضد الأخلاق واستقرار الزواج والأنساب، ولم يسمح بالتوالد في إطار الزواج ويعاقب كل التصرفات التي تمس بالأسرة الشرعية[118] أو بحق الطفل في النسب عن طريق ادعائه أو إنكاره دون وجه حق، فقد عاقب الفصل 408 الأب وعند عدم وجوده الطبيب أو الجراح أو ملاحظ الصحة أو الحكيمة أو المولدة أو القابلة أو أي شخص خطر الولادة أو وقعت بمحله بالحبس من شهر إلى شهرين وبغرامة من مائتي وعشرين إلى مائتي درهم، إذا لم يقم بالتصريح بالازدياد في الأجل القانوني وذلك في الحالات التي يكون فيها التصريح واجبا.

       وقد تم تدعيم الفصل 408 ق.ج بالمادة 31 من قانون 37.99 المعتبر بمثابة قانون للحالة المدنية[119] والتي تنص على انه يعاقب بغرامة مالية من 300 إلى 1200 درهم كل من وجب عليه التصريح بولادة أو وفاة طبقا لأحكام المادة 16 والمادة 24 ولم يقم بهذا الإجراء داخل الأجل القانوني[120].

       وحسب المادة 16، فإن التصريح بالولادة لا يتم لدى ضابط الحالة المدنية لمحل وقوعها ويقوم بها أقرباء المولود حسب الترتيب التالي: الأب، الأم، وصي الأب، الأخ، ابن الأخ، ويقدم الأخ الشقيق على الأخ للأب ويقدم هذا الأخير على الأخ للأم كما يقدم الأكبر سنا على من هو أصغر منه متى كانت له القدرة الكافية على التصريح.

       إن هذه المادة في حقيقة الأمر تضمن حماية موسعة لنسب الطفل إذا ما قورنت بالفصل 468 ق.ج، لأنها جعلت الأم من الأشخاص المسؤولين عن التصريح بالازدياد وتطبق عليها عقوبات مماثلة لتلك التي يمكن توقيعها على الأب وذلك عكس ما فعل الفصل 468 –السالف الذكر- وهذا مسلك إيجابي، لان إعفاء الأم من العقوبة، قد تتشجع على ترك مولودها وعدم التصريح به، خاصة إذا كان ناتجا عن علاقة غير شرعية.

       وإذا كان الفصل (468 ق.ج) قد وسع من المسؤولية ليشمل كل من الطبيب والجراح وملاحظة الصحة والقابلة…، فإنه عمليا وإداريا لا يتأتى التصريح من طرف هؤلاء جميعا ما لم تكن لهم وكالة بذلك لأن التصريح بالازدياد يتطلب منهم أن يعرفوا اسم المولود العائلي والشخصي واسم والديه والجدين وتاريخ ومكان ازديادهما والإدلاء بعقد زواج أبويه[121].

       ولتعزيز حماية حق الطفل في النسب، فقد عاقب الفصل 469 ق.ج كل من عثر على وليد ولم يخطر به ضابط الحالة المدنية ولا السلطات المحلية، بالحبس من شهر إلى شهرين وغرامة من مائة وعشرين إلى مائتي درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.

       وهذا نص يضاف للنص الخاص وهي المادة 3 من قانون الكفالة الجديد رقم 15.01 التي تقضي: "بأنه يجب على كل شخص عثر على طفل وليد مهمل أن يقدم له المساعدة والعناية التي تستلزمها حالته وان يبلغ عنه على الفور مصالح الشرطة أو الدرك" لأن من شأن التصريح بالعثور عليه إنقاذه من الهلاك أولا، تم التحري والبحث عن والديه ثانيا وبالتالي إثبات نسبه لهما إن أمكن ذلك وتسجيله بسجلات الحالة المدنية[122].

       ولضمان حماية اكبر لحق الطفل في النسب، فإن الفصل 466 ق.ج يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر وبغرامة من مائتين إلى خمسة آلاف درهم، من ارتكب بقصد الحصول على فائدة أحد الأفعال الآتية:

       – تحريض الأبوين أو أحدهما على التخلي عن طفلهما الوليد أو الذي سيولد.

       – قدم أو حاول أن يقدم وساطته للتكفل بطفل وليد أو سيولد أو لتبنيه.

       كما نص أيضا الفصل 467 على عقوبة حبسية من شهر إلى ستة أشهر، وغرامة من مائتين إلى خمسة آلاف درهم:

       – من حمل الوالدين أو أحدهما على التعهد في عقد بالتخلي عن طفل سيولد لهما أو حاول ذلك وكذلك من أحرز مثل هذا العقد أو استعمله أو حاول استعماله.

       وفي نفس سياق هذا الفصل ينص الفصل 467-1 على عقوبة حبسية من سنتين إلى عشر سنوات وبغرامة من خمسة آلاف إلى مليوني درهم كل شخص يقوم ببيع أو شراء طفل تقل سنه عن ثمان عشرة سنة. وما تشديد المشرع العقوبة في هذا الفصل إلا بهدف حماية الطفل من هذه الجرائم الخطيرة والمحطة بالكرامة الإنسانية من جهة ولحماية نسب الطفل من الضياع من جهة ثانية.

       وحماية للطفل من بعض الأفعال المنتشرة بشكل واسع داخل المجتمع المغربي والتي من شأنها أن تحول دون التعرف على هوية الطفل أو تكون سببا لتغيير هويته الحقيقية، فإن الفصل 470 ق.ج، ينص على زجر بعض الأفعال التي قد يتم من خلالها المساس بحق الطفل في الهوية حيث جاء فيه "من تعمد نقل طفل أو إخفاءه أو تغييبه أو استبداله بطفل آخر أو تقديمه ماديا على أنه ولد حيا،فإن العقوبة هي الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين. مع مضاعفة العقوبات المنصوص عليها إذا كان الفاعل من أصول الطفل أو شخصا مكلفا برعايته أو له سلطة عليه.

       والواقع أن الهدف من نقل الطفل أو إخفائه أو تغييبه هو حجبه عن الأنظار وبالتالي الحيلولة دون التعرف عليه، كمن قام بالتقاط الوليد ونقله من مكان إلى مكان آخر أو أخفاه في بناية بنفس الحي الذي عثر فيه عليه، أو غيبه عن الأنظار بأية وسيلة من الوسائل كتغيير مظهره الشيء الذي يؤدي به في آخر المطاف أن يصبح مجهول النسب. أما الهدف من استبدال الطفل فيتمثل في الحالة التي يتم فيها تقديم طفل إلى سيدة بدعوى أنه المولود الذي أنجبته إلا انه في الواقع ليس وليدها، لأغراض دنيئة غالبا كأن ترث نصيبا أوفر من تركة زوجها الهالك أو لتحصل على أجرة حضانة من مطلقها. وفي هذه الجريمة يوجد تدليس مزدوج مادام يقع تغيير في هوية الطفل في الحالتين معا الشيء الذي يؤدي غالبا إلى تزوير عدة وثائـق رسميـة كـرسم الـولادة، وحينما يكتشف ذلك قد يصير كلا الطفلين في وضعية مجهولي النسب[123]، فهذه الوضعية حتما ستجعل الطفل يعيش المآسي النفسية والاجتماعية الخطيرة والتي قد يتضرر منها المجتمع بدوره.

       وتبعا لما سبق يتبين لنا، أن المشرع يهدف إلى حماية حق الطفل في النسب حيث يعاقب بشدة على الجرائم الماسة بهوية الطفل أو على الأخص ادعاء أو إنكار النسب، وذلك ليس من اجل حماية الأنساب من الاختلاط فحسب، وإنما أيضا من أجل تجنب وقوع الطفل في وضعية مجهول الأب أو الأبوين وما قد يترتب عن ذلك من أذى نفسي خطير سيلازمه حتما مدى الحياة.  

       وختاما إذا كانت الإعتداءات على حق الطفل في سلامته الجسدية والنفسية تشكل خطرا كبيرا عليه وتستوجب توقيع أشد العقوبات على الجاني، فإن المساس بعرض الطفل وأخلاقه لا يقل خطورة وإساءة عن ذلك فما هي إذن أوجه الحماية الجنائية المحصنة لعرض الطفل وأخلاقه؟

 

 

الفصل الثاني

الحماية الجنائية لأخلاق الطفل وصحته.

 

تتجسد أسمى حقوق الطفل في أن ينعم بحياة آمنة مطمئنة في بيئة خلقية صالحة وهذا طبعا لن يتأتى ما لم يقر المشرع للطفل حماية جنائية خاصة من بعض جرائم إساءة المعاملة الأكثر شيوعا وانتشارا داخل المجتمع المغربي مثل حمايته من الجرائم الجنسية التي تشكل مساسا خطيرا بشرفه وسمعته سواء عن طريق الإكراه أو التغرير أو تلك التي قد يقع الطفل ضحيتها عن طريق الرضاء الصادر منه لعدم تقديره لحقيقة الاعتداءات الجنسية التي تمارس عليه (المبحث الأول) إلا أن الحق في الحياة الآمنة المطمئنة لا يمكن أن ينعم به الطفل ما لم يحظ حقه في الصحة بحماية جنائية مماثلة لتجريم كل ما من شأنه المساس بهذا الحق، كإهمال الحق في الرعاية الصحية أو تشغيل الطفل في سن مبكرة لما قد يترتب عن ذلك من أضرار بليغة تؤذي صحته والتي قد يمتد أذاها إلى حد المساس بحقه في الحياة (المبحث الثاني).

 

المبحث الأول

 الحماية الجنائية لعرض الطفل وأخلاقه.

       يعتبر حق الطفل في صيانة عرضه وأخلاقه، من بين أسمى الحقوق التي اهتمت بها التشريعات والمواثيق الدولية بسبب الضعف الذي يتميز به الأطفال مما يجعلهم عرضة لجرائم تمس أعراضهم وأخلاقهم.

       فجرائم العرض تقع عند المساس بالجسد بفعل يقع مباشرة عليه فيخل بطهارته، وتتعدد الأفعال التي تشكل انتهاكا لعرض وأخلاق الطفل إلا انه يجمع بينها صفة مشتركة وهي الصفة الجنسية للفعل، وهذه الصفة الجنسية ذات مدلول واسع تستوعب، جميع الممارسات والأفعال الجنسية الطبيعية وغير الطبيعية التي تهدف إلى تحقيق الإشباع الجنسي الكامل، كما تستوعب أيضا سائر الأفعال الممهدة للاتصال الجنسي.

       ونظرا لجسامة الأخطار الجسدية والنفسية التي قد تلحق الطفل جراء المساس بعرضه وأخلاقه، فقد جرم المشرع المغربي العديد من الأفعال من أجل حمايته من بينها تجريم الاغتصاب وهتك العرض (المطلب الأول) وأيضا التحرش الجنسي وتحريض الأطفال على الفساد وتسخيرهم لأغراض ذات طبيعة جنسية (المطلب الثاني).

      المطلب الأول: حماية الطفل ضحية الاغتصاب وهتك العرض:

       تعتبر جرائم الاغتصاب وهتك العرض من أخطر الجرائم مساسا بحرمة جسد الطفل وأخلاقه، فهي غالبا ما تتم كرها عنه، فتهدر أدميته وتخدش حياءه، كما تؤدي إلى المساس بشرفه وعفته فتجعله منبوذا في المجتمع، خاصة إذا كان الطفل المجني عليه أنثى، لما قد يترتب أيضا عن ذلك من حمل فتصبح بذلك أما عازبة رغما عن أنفها ليمتد هذا الأذى إلى طفلها وأسرتها ككل.

       إذا ثبت هذا، فإن المشرع المغربي وضع إطار لحصانة عرض الطفل وأخلاقه يتمثل أساسا من خلال التشدد في تجريم فعل الاغتصاب (الفقرة الأولى) ثم التشدد في تجريم هتك العرض (الفقرة الثانية). 

الفقرة الأولى: تشديد عقوبة اغتصاب قاصرة:

       تعد جريمة الاغتصاب من أخطر جرائم العرض التي تلحق الأنثى فتجعلها ضحية بين يدي وحش كاسر يدنسها ويخلف لها أسوأ الآثار، خاصة إذا كانت بكرا وقد تعرضها للحمل سفاحا، وتبلغ خطورة الجريمة أشدها إذا استهدفت قاصر[124].

       وقد أضحت ظاهرة اغتصاب الأطفال بالمغرب كشكل من أشكال سوء معاملة الأطفال تتفاقم في أوساط المجتمع المغربي سنة بعد أخرى، وما يزيد من استفحالها هو كونها ظاهرة صامتة، نظرا للأعراف التي تداولتها الأسر المغربية فيما يخص تداول الجانب الجنسي، بحيث تكاد تجده من المحرمات، بل ومن نقط العار، فأغلب الضحايا وأسرهم يختارون الصمت والتستر عوض فضح هذه الجريمة خوفا من التشهير خاصة وانه يصعب إثباتها أمام القضاء.

       وعلى الرغم من أن أغلب جرائم الاغتصاب تحاط بسرية تامة، فإنه توجد بعض الإحصائيات الجزئية التي تعكس إلى حد ما الانتشار المتزايد لهذه الجريمة. فحسب الإحصائيات الصادرة عن المرصد الوطني لحقوق الطفل، فقد بلغت عدد جرائم الاغتصاب 102 حالة سنة 1999 و210 حالة سنة 2001 أما سنة 2002 فقد ارتفع هذا العدد إلى 400 حالة اغتصاب. وحسب نفس المصدر، فإن حالات الاعتداءات الجنسية على الأطفال تتوزع حسب طبيعة المعتدي على الشكل التالي: 43% من المعتدين هم غرباء عن الطفل و21% جيران و9% معلمين و6% آباء و5% هم أقارب و4% مدير مسؤول و3% أطر إدارية و3% تلاميذ. وتتراوح أعمار الأطفال ضحايا جرائم الاغتصاب بين 6 و14 سنة ومن مختلف المستويات الاجتماعية ومن أوساط مختلفة[125].

       وإذا كانت جرائم اغتصاب الأطفال، تشهد تزايدا مستفحلا، فما هي اوجه الحماية الجنائية التي يقرها لهم القانون الجنائي؟

       بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 486 ق.ج نجده يعرف الاغتصاب بأنه مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها، والمواقعة تعني إيلاج عضو التذكير في عضو التأنيث ووفقا لهذا التعريف، فإن أي إيلاج لعضو التذكير في غير موضعه الطبيعي (قبل المرأة) لا يعد اغتصابا، كما لا يعد اغتصابا إيلاج غير عضو التذكير في عضو التأنيث[126].

       ووفقا لهذا التعريف فإن أساس التجريم هو انعدام رضا المجني عليه، ومن ثم إذا كانت المواقعة تمت برضا الطرفين لا تشكل جريمة، ونظرا لأن الرضا لا يعتد به إلا إذا كان صادرا عن شخص بالغ، لذا فإن الاغتصاب يختلف نطاقه متى كان المجني عليه شخصا بالغا، حيث يقتصر في هذه الحالة على المواقعة دون رضاه، بينما إذا كان المجني عليه قاصرا (طفلة) فإنه يتسع ليشمل المواقعة سواء تمت برضاها أو دون رضاها، وما ذلك إلا لعدم الاعتداد برضاها في حالة توفره حكما[127].

       ونظرا لخطورة هذه الجريمة على القاصرة لما قد يلحقها من أضرار جسدية وصدمات نفسية[128]، فقد عاقب عليها المشرع المغربي بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، غير أنه إذا كانت سن المجني عليها تقل عن ثمان عشرة سنة، فإن الجاني يعاقب من عشر إلى عشرين سنة (الفصل 486 ق.ج)، وإذا كان الجاني من أصول الضحية أو ممن لهم سلطة عليها أو وصيا عليها أو خادما بالأجرة عندها أو عند أحد الأشخاص السالف ذكرهم أو كان موظفا دينيا أو رئيسا دينيا، وكذلك أي شخص استعان في اعتدائه بشخص أو عدة أشخاص، فإن العقوبة هي السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة (الفصل 487 ق.ج).

       وبمقارنة التشريع المغربي مع نظيره المصري في هذا الخصوص يتبين لنا أن المشرع المصري وعلى الرغم من عدم إقراره لحكم خاص في حالة اغتصاب طفلة إلا انه كان أكثر تشددا في العقاب على هذه الجريمة، حيث عاقبت (المادة 267 من قانون العقوبات) كل من واقع أنثى بدون رضاها بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة، فإذا كان الفاعل من أصول المجني عليها أو من المتولين تربيتها أو ملاحظتها أو ممن لهم سلطة عليها فإنه يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة. ونفس التشديد نجده أيضا عند المشرع التونسي الذي يقرر عقوبة الإعدام في خالة استعمال العنف أو السلاح أو التهديد به لارتكاب جريمة الاغتصاب مهما كان سن المجني عليها، وتكون العقوبة الإعدام أيضا، إذا كانت المجني عليها دون العشر أعوام، وسواء كان ذلك باستعمال العنف أو السلاح أو التهديد به، أو بدونه.

       ومن هنا تبرز بوضوح الحماية المتميزة التي يفرضها القانون الجنائي التونسي لصغيرات السن من هذه الجريمة[129]. وقد يرى البعض في الإعدام عقوبة قاسية وشديدة على مرتكب هذه الجريمة، وأنها لا تتناسب مع درجة جسامة الجريمة المرتكبة، إلا أنه يمكن الرد عليهم بأن ما ذهبت إليه التشريعات التي تقرر هذه العقوبة القاسية هو عين الصواب[130]. ذلك لان الطفولة سن طيش ورعونة حيث تكون المجني عليها سهلة الانقياد، وغير ناضجة عقليا وجسميا وعاطفيا، ولا تستطيع صد الجاني عن ارتكاب فعلته الشنيعة ضدها.

       وتطبيقا لهذا الحكم المعمول به أيضا في التشريع الجنائي الأردني، فقد قضت محكمة الجنايات الكبرى الأردنية بأن "مواقعة المتهم للمجني عليها التي لم تبلغ الخامسة عشرة من عمرها، قد تم بطريق العنف والإكراه، وذلك عندما قام بشل حركتها بحيث أعاقها تماما عن أية مقاومة… فإن هذا هو الاغتصاب الجنائي في أوضح صوره وفعل المتهم ينطبق وأحكام المادة 9/2 من قانون العقوبات رقم 9 لسنة 1988 التي توجب الإعدام شنقا حتى الموت"[131].

       أما بخصوص تعامل القضاء المغربي مع هذه الجريمة، فإنه يشوبه نوع من التردد والغموض نظرا لعدم دقة التكييف القانوني وغموض المتابعات[132]. حيث ناذرا ما يعاقب مرتكبوا جرائم الاغتصاب على أساس تكييفها هذا. وما يؤكد هذا الطرح القرار الصادر عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بفاس بتاريخ 29/03/2001 –غير منشور- والذي أدان المتهم بجريمة اغتصاب أخت زوجته القاصرة، البالغة من العمر 14 سنة وعاقبه بسنتين سجنا بعد تمتيعه بظروف التخفيف، في حين أن أدنى عقوبة يمكن تطبيقها على مرتكب جريمة اغتصاب قاصر هي السجن من عشر إلى عشرين سنة حسب مقتضيات الفصل 486 من القانون الجنائي.

       ويعزى ذلك أن القضاء لا يعتبر الاغتصاب إلا إذا وقع على امرأة طبقا لما جاء في الفصل 486 ق.ج وهو طرح يؤكده ما جاء في حيثيات أحد القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف بوجدة كالتالي: "وحيث أن الاغتصاب يكون على المرأة وليس على القاصرة"[133] ونفس التوجه سارت عليه محكمة الاستئناف بفاس، في القرار الصادر عنها بتاريخ 13 نونبر 2002 غير منشور. والذي أدان المتهم من أجل هتك عرض بنت أخيه القاصرة التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات بسنتين حبسا وقد تسبب هذا العم بفعلته هاته، وحسب الشهادة الطبية المرفقة بالملف –أكدت الدكتورة شفيقة عزوزي- أنها وجدت على فرج الضحية احمرارا وتمزقا بسيطا في بكارتها"[134] في حين كان على المحكمة أن تكيف الفعل جريمة اغتصاب، ما دام الاعتداء الجنسي في هذه الحالة توفرت فيه كل الشروط لتكييف الفعل كذلك. وذلك من اجل توقيع عقوبة أشد على الجاني الذي لم تمنعه رابطة الحرمة ولا حداثة سن الضحية على اقتراف هذه الجريمة النكراء.

       ومن الأمثلة المسيئة أيضا لحق الطفل في الحماية من هذه الجريمة، قرار محكمة الاستئناف[135] بفاس الصادر الصادر بتاريخ 29 مارس 2001، والذي قضى بإدانة متهم بجناية اغتصاب أخت زوجته القاصرة بسنتين حبسا بعد تمتيعه بظروف التخفيف، فأي ردع هذا لجريمة من هذا الحجم؟

       وعليه فإن تصور الضحية ما هو إلا ظرف تشديد وبالتالي فلا دخل له في تغيير التكييف القانوني للفعل الجرمي، لأن العبرة بتحقيق الفعل وتوفر الأركان المادية والمعنوية حتى إذا انتفت تلك الأركان يمكن للقاضي أن يغير فصول المتابعة مع وجوب تعليل لذلك حتى لا تضيع حقوق الضحية[136]. لأنه يوجد فرق كبير في العقاب بين بعض الجرائم التي تعتبر اعتداءات جنسية على الأطفال كما هو الشأن بالنسبة للفرق بين جريمة الاغتصاب وجريمة هتك العرض.

       الفقرة الثانية: تشديد عقوبة هتك عرض قاصر:

       يقصد بهتك العرض كل فعل مخل بالحياء يقع على شخص، أي كل فعل مناف للآداب يقع عمدا ومباشرة على المجني عليه، وفقا لهذا التعريف يشترط في الفعل المخل بالحياء أن يكون على درجة من الفحش والجسامة، وأن يكون هذا الإخلال عمديا، فلا يعد هتك عرض ذلك الفعل الذي يقع بصورة غير عمدية مهما كان خادشا بالحياء، ولا يشترط أن يقع المساس بعورة المجني عليه من قبل الجاني وإنما يتصور ولو كان المجني عليه هو الذي أجبر على المساس بعورة الجاني[137].

       وعكس جريمة الاغتصاب التي لا يمكن أن تقع إلا على أنثى، فإن هتك العرض يمكن أن تقع على أنثى كما يمكن أن تقع على ذكر، بل يمكن أن تقع هذه الجريمة من أنثى على أنثى أو من أنثى على ذكر. وقد استهدف المشرع من تجريمه لأفعال هتك العرض، حماية المناعة الأدبية للأشخاص[138] نظرا لما قد يلحقهم من أذى جراء هتك أعراضهم، خاصة إذا كان المجني عليه قاصرا، لسهولة خداع الطفل أو تهديده أو إكراهه على المساس بعرضه بسبب ضعفه البدني وأيضا لعدم نضج قدراته التي تمكنه من فهم طبيعة الفعل الذي يرتكب عليه، لذا فإنه من اليسير أن يقع ضحيته الجاني.

       لهذه الأسباب عاقب القانون الجنائي، بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات كل من هتك دون عنف أو حاول هتك عرض قاصر تقل سنه عن ثمان عشرة سنة سواء كان ذكرا أو أنثى[139]. وتشد هذه العقوبة لتصبح هي السجن من خمس إلى عشر سنوات إذا كان الفاعل من أصول الضحية أو ممن لهم سلطة عليها أو وصيا عليها أو خادما بالأجرة عندها أو عند أحد من الأشخاص السالف ذكرهم، أو كان موظفا دينيا أو رئيسا دينيا[140] وكذلك أي شخص استعان في اعتدائه بشخص أو عدة أشخاص أو إذا نتج عن هتك عرض الضحية افتضاضها.

       وفقا لهذه المقتضيات، فإن أي هتك لعرض القاصر دون قوة يشكل جريمة معاقبا عليها، عكس الحالة التي يقع فيها هتك عرض شخص تجاوز سن 18 سنه دون عنف إذ لا عقاب في هذه الحالة، إلا إذا شكل الفعل جريمة أخرى كالإخلال العلني بالحياء وبذلك يتبين أن المشرع المغربي اعتبر سن المجني عليه الأقل من 18 عنصرا مكونا للجريمة بحيث إذا بلغ سن الضحية 18 سنة فأكثر، فإن أحد أركان الجريمة يتخلف ومن ثم لا وجود للجريمة.

       وإذا كان المشرع المغربي قد نص على عقوبة موحدة لجريمة هتك عرض قاصر مهما كان سنه، فإن المشرع المصري ميز في هذا الخصوص بين القاصر الذي لم يتجاوز سنه سبع سنوات وذلك الذي تجاوز سبع سنين حيث نصت المادة 269 على انه كل من هتك عرض صبي أو صبية لم يبلغ سن كل منهما ثماني عشرة سنة كاملة، بغير قوة أو تهديد يعاقب بالحبس، وإذا كان سنه لم يبلغ سبع سنين كاملة أو كان الجاني من أصول المجني عليه أو ممن يتولون تربيته، فإن العقوبة هي الأشغال الشاقة المؤقتة[141].

       من خلال هذا المقتضى يتبين لنا أن المشرع المغربي أقل تشددا من نظيره المصري في العقاب على جرائم هتك عرض قاصر دون قوة، بل وأقل تشددا من نظيره الفرنسي الذي يرفع الحد الأدنى للعقوبة  في هذه الجريمة إلى ثلاث سنوات[142] عكس المشرع المغربي الذي جعل الحد الأدنى لهذه الجريمة سنتين فقط.

       أما بالنسبة لجريمة هتك العرض بالقوة فقد جعلها المشرع المغربي جناية وذلك نظرا لتأثير العنف على نفسية الضحية فتجعلها تنقاد بسهولة لتمكن بالتالي الجاني من ارتكاب فعلته خاصة إذا كان الضحية قاصرا لسهولة خداعه أو إكراهه بسبب ضعفه الجسمي مما يقلل حظوظ مقاومته.

       وعلى هذا الأساس فقد عاقب الفصل 485 ق.ج على جريمة هتك عرض القاصر بالعنف بالسجن من خمس إلى عشر سنوات، غير أنه إذا كان المجني عليه طفلا تقل سنه عن ثمان عشرة سنة، فإن العقوبة هي السجن من عشر إلى عشرين سنة[143]. وتشدد هذه العقوبة إذا كان الجاني من أصول الضحية، أو إذا نتج عن الجريمة افتضاض المجني عليها لتصبح هي السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة[144].

       وقد تعامل القانون المصري بدوره بنوع من التشدد مع هذه الجريمة، حيث نصت (المادة 268 قانون عقوبات) على انه كل من هتك عرض إنسان بالقوة أو بالتهديد أو شرع في ذلك يعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث سنين إلى سبع، وإذا كان من وقعت عليه الجريمة المذكورة لم يبلغ ستة عشرة سنة كاملة أو كان مرتكبها من أصول الضحية أو من له سلطة عليها، فإن العقوبة يمكن أن تصل إلى أقصى الحد المقرر للأشغال الشاقة المؤقتة وإذا اجتمع هذان الشرطان معا يحكم بالأشغال الشاقة المؤبدة[145]. وفقا لهذا النص، يتبين أن المشرع المصري اعتبر قصر الضحية ظرفا مشددا للعقوبة.

       وعموما إذا كان القانون الجنائي المغربي قد تضمن عقوبات صارمة في حق كل من سولت له نفسه هتك عرض الأطفال القاصرين، فإن هذه العقوبات لا تلقى تطبيقها السليم من طرف القضاء في بعض الحالات.

       ويظهر ذلك من خلال بعض القرارات الصادرة عن مختلف محاكم المملكة، كما هو الشأن بالنسبة للقرار عدد 377/97 الصادر عن محكمة الاستئناف بوجدة سنة 1997 حيث توبع تاجر بجنحة هتك عرض قاصر بدون عنف وتمت أدانته بالحبس لمدة سنة واحدة فقط[146]. فقد نزلت المحكمة في هذا القرار عن الحد الأدنى المقرر لعقوبة هتك عرض قاصر دون عنف والذي حدده القانون الجنائي المغربي في سنتين. وفي قرار آخر صادر عن استئنافية البيضاء حيث أدانت الجاني من أجل هتك عرض ابنته بالعنف بخمس سنوات سجنا نافذا فقط[147] في حين أن العقوبة المقررة قانونا لمثل هذه الجريمة التي اجتمع فيها ظرفين من ظروف التشديد وهما: قصر الضحية وعلاقة الحرمة (الجاني أصلا للضحية) بالإضافة إلى العنف، هي السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة.

       وفي نفس السياق يمكن الاستشهاد بالقرار الصادر عن محكمة الاستئناف بوجدة الذي قضى بإدانة معلم من أجل هتك عرض قاصر تبلغ من العمر 11 سنة مما عرضها للافتضاض، فحكمت عليه المحكمة بالحبس ثلاث سنوات نافذة وتعويض مدني للضحية قدره 3000 درهم[148]. في حين كان على المحكمة أن تشدد عقوبة الجاني في هذه النازلة، لأن المعلم هو من ذوي السلطة الفعلية، ومن ثم فإن صفته هاته تعتبر ظرفا من ظروف التشديد كما هو منصوص عليها في الفصل 487 ق.ج. وهذا ما قضت به محكمة التمييز اللبنانية في إحدى القرارات الصادرة عنها "… إن مدير المدرسة والمعلم من ذوي السلطة الفعلية…"[149].

       والواقع إن المتأمل للقرارات السالف ذكرها، لا يسعه إلا أن يتأسف لها، لكونها تعكس ضعف الحماية القضائية للطفل ضحية جرائم هتك العرض التي أصبحت مستشرية في مجتمعنا المغربي[150]، وهنا لابد من الإشادة ببعض القرارات الصادرة عن محكمة التمييز الأردنية التي تضمنت عقوبات رادعة في حق مرتكبي جرائم هتك أعراض الأطفال، لتكون عبرة لمن سولت له نفسه اقتراف مثل هذه الجريمة ضد براءة الطفولة. فقد جاء في قرار لها صادر سنة 1984 والذي قضى بإدانة الجاني بجناية هتك عرض ابنته التي لم تتم الخامسة عشرة من عمرها بالعنف والتهديد –خلافا للمادة 296/2 من قانون العقوبات- مكررة ثلاث مرات في أوقات مختلفة ومعاقبته عن كل جناية من جنايات هتك العرض الثلاث بالأشغال الشاقة مدة سبع سنوات عملا بالمادة 296/2 من قانون العقوبات وتشديد كل عقوبة منها لتصبح هي الأشغال الشاقة مدة عشر سنوات ونصف. وفيما يتعلق بكون المجني عليه أحد محارم الجاني قضت محكمة التمييز الأردنية تطبيقا لذلك "إن تجريم المتهم بجناية هتك العرض خلافا لأحكام المادة (296/2 عقوبات) مكررة خمسا وعشرين مرة وعملا بذات المادة وضعه بالأشغال الشاقة المؤقتة من خمسة عشر عاما عن كل جريمة وعدم الأخذ بالأسباب المخففة لأن المجني عليه هو شقيق المتهم وتنفيذ العقوبة الأشد في حقه…"[151].

       وأخيرا، آمل من القضاء المغربي أن يطبق العقوبات المنصوص عليها قانونا أحسن تطبيق لضمان حماية خاصة للأطفال من كافة أشكال الاعتداءات الجنسية.

       المطلب الثاني: حماية الطفل من باقي أنواع الاعتداءات الجنسية:

       إن التحرش الجنسي والتحريض على الفساد من بين أخطر أشكال سوء المعاملة تأثيرا على أخلاق الطفل، جسمه ونفسيته، لذلك عني المشرع المغربي بحماية الطفل من هذه الجرائم فخرج من صمته الطويل ليعلن بنص صريح تجريم التحرش الجنسي (الفقرة الأولى) وكذا تجريم كل ما من شأنه إيقاع الطفل في براثين الفساد (الفقرة الثانية).

       الفقرة الأولى: حماية الطفل من التحرش الجنسي:

       يطرح مفهوم التحرش الجنسي صعوبة كبيرة في تحديده، وذلك بسبب اختلاف المؤشرات الدالة عليه ولتعدد الأفعال التي يمكن إدراجها ضمن هذا التعبير وأيضا بسبب تنوع مظاهره حسب الأوساط والثقافات، كما أن إحساس المتحرش بها يدخل كعنصر يحدد في اعتبار سلوك التحرش الجنسي، نظرا لطابع الذاتية في الإقرار بشعور الإهانة والمضايقة والمس بالكرامة بالنسبة للمتحرش به[152].

       وقد عرفت اتفاقية منع التمييز ضد المرأة التحرش الجنسي بأنه كل سلوك لا أخلاقي يرمي إلى استهداف جسد المرأة في تنكر تام لرغبتها ورضاها وباستغلال السلطة الذكورية.

       كما عرفته الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب بأنه كل سلوك يتضمن إيحاءات جنسية مباشرة أو ضمنية تستهدف الإيقاع بالطرف الآخر سواء كان ذكرا أو أنثى رغما عن إرادته في ممارسة جنسية مستغلا بذلك سلطته ونفوذه[153].

       من خلال هذين التعريفين، يتبين أن مفهوم الاستغلال الجنسي هو الطابع المهيمن على هذه الظاهرة ويتخذ أشكالا مختلفة نذكر منها:

       – المساومة سواء بالتلميح أو التصريح بالكلام اللطيف أو العنيف الشفوي في اغلب الأحيان والكتابي في بعض الأحيان.

       – الإغراء بالوعود والتهديد بالوعيد بهدف الإذعان لرغبات المتحرش الجنسية.

       – اللمس والمداعبات غير البريئة.

       – الوعود بالمكافآت والترقية عندما يتعلق الأمر بالموظفات والعاملات.

       ويبقى الغرض هو الوصول إلى الجنس دون اعتبار لرضا أو رغبة الطرف الآخر وتجدر الإشارة إلى أن استعمال السلطة والنفوذ من الأساليب الأساسية للتحرش الجنسي وبذلك يكون التحرش الجنسي هو كل السلوكات اللاأخلاقية الهادفة للوصول إلى أغراض جنسية في تنكر تام لرضا ورغبة المتحرش بها جنسيا وتكون السلطة والنفوذ من مكوناته[154].

       وقد أصبحت ظاهرة التحرش الجنسي منتشرة بشكل كبير سواء في الشارع، في المدرسة أو مقرات العمل… على الرغم من غياب إحصائيات دقيقة تعكس الحجم الحقيقي للظاهرة باستثناء بعض الإحصائيات الجزئية التي قامت بها بعض الجمعيات.

       ومن بين الأبحاث التي أجريت في هذا الموضوع، دراسة أنجزتها الجمعية الديمقراطية لحقوق النساء والتي شملت 500 طالبة و500 تلميذة إضافة إلى 45 مقابلة فردية معمقة مع بعض ضحايا التحرش الجنسي، حيث صرحت 52,9% منهن أن مجرد صدور سلوك يؤدي إلى مضايقة الفتاة وإزعاجها هو بمثابة تحرش جنسي في حين أكدت 57,7% منهن أن الفعل هو الذي يمكن اعتباره تحرشا جنسيا حقيقيا، وبالنظر إلى الأرقام، فإن حجم الظاهرة في تفاقم حيث أن 96,2% من الفتيات صرحن بأن التحرش الجنسي موجود داخل الأوساط التعليمية و35,8% منهن تعرضن له داخل المحيط الدراسي، حيث أن 83,8% منهن تعرضن لتحرش جنسي شفوي 58,8% عبر النظرات أما نسبة 28% فتمثل تحرشات جنسية جسدية. وتؤكد التلميذات أنهن تعرضن لهذا النوع من التحرش في أماكن مختلفة ومعزولة عن الأعين حيث أكدت 45,8% منهن بتعرضهن للتحرش الجنسي داخل الفضاءات التعليمية و53,5% بالقاعات الرياضية و26,6% حددت المقرات الإدارية و24,5% بقاعات الدروس والباقي أكدن وجود الظاهرة بالأماكن العامة مثل وسائل النقل العمومي، أو بجوار المؤسسات التعليمية…

       وقد اعتبرت جل المستجوبات بنسبة 84,5% أن للتحرش الجنسي آثار جد سيئة وخطرة على الصحة النفسية و78,2% اعترفن بتأثيره على الحياة الاجتماعية و56,5% أكدن تأثيره على الحياة العائلية، في حين أكدت 57,1% تأثيره على الصحة الجسمية، كما أن 57,1% من المستجوبات أكدت على تأثير التحرش الجنسي على حياتهن الدراسية[155].

       إن تحليل هذه الأرقام، يعكس بالملموس خطورة الظاهرة التي أصبحت منتشرة بشكل كبير خاصة ضد الأطفال، وما يزيد الأمر خطورة هو أن المؤسسات التعليمية بمختلف مستوياتها لم تسلم من هذه الظاهرة، الأمر الذي يؤثر سلبا على مردودية التلاميذ المتحرش بهم، بل قد يتسبب ذلك في بعض الأحيان انقطاعهم عن الدراسة أو على الأقل تغيير المؤسسة خاصة إذا كان المتحرش يتقنع بصفة مدرس أو إطار من أطر الإدارة التربوية لسلطتهم المعنوية على التلاميذ. 

       ونظرا لخطورة التحرش الجنسي على الراشد عموما وعلى الطفل على وجه الخصوص فقد دعت العديد من فعاليات المجتمع المدني والباحثين إلى تجريم التحرش الجنسي وهو ما استجاب له المشرع الجنائي مؤخرا حيث نص على أنه "يعاقب بالحبس من سنة على سنتين وبالغرامة من خمسة آلاف إلى خمسين ألف درهم من أجل جريمة التحرش الجنسي كل من استعمل ضد الغير أوامر أو تهديدات أو وسائل للإكراه، أو أية وسيلة أخرى مستعملا السلطة التي تخولها له مهامه، لأغراض ذات طبيعة جنسية[156].

       من خلال هذا المقتضى يتضح بان المشرع المغربي لم يعرف التحرش الجنسي بل اكتفى بتعداد بعض أساليب ارتكاب هذه الجريمة كالأوامر أو التهديدات أو وسائل الإكراه الأخرى…التي قد يستعين الجاني في تنفيذها بالسلطة التي تخولها له مهامه أو وظيفته. بمعنى آخر لا يعتبر تحرشا جنسيا الأوامر أو التهديدات أو الإيحاءات والمضايقات التي قد يتعرض لها الشخص لأغراض ذات طبيعة جنسية من أحد المارة في الشارع العام مثلا، إذا لم تكن للفاعل سلطة على الشخص المجني عليه. في حين أن السلوكات السالفة الذكر تسبب أضرارا كبيرة للطفل الذي تعرض لها حتى ولو لم يكن للفاعل سلطة عليه، ومن هنا يمكن القول بقصور هذا النص لعدم اشتماله لكافة حالات التحرش الجنسي.

       ولتجاوز هذا القصور، ففقد وسعت بعض التشريعات من الأفعال التي يمكن اعتبارها تحرشا جنسيا كما هو الحال بالنسبة للتشريع الفيدرالي الأسترالي لسنة 1984 بشأن الميز الجنسي بأستراليا الذي يعتبر أن شخصا قد ارتكب تحرشا جنسيا ضد شخص آخر إذا راوده عن نفسه أوجه له طلبا غير لائق يتعلق بممارسة جنسية أو إذا أتى سلوكا غير لائق وذي طبيعة جنسية عندما تكون لدى المجني عليه أسباب معقولة تجعله يوقن بان حالة رفض الطلب أو الاعتراض على السلوك، يمكن أن تجلب له الضرر والإساءة بأي شكل من الأشكال في مجال عمله، أو لنيل منصب أو شغل محتمل، أو إذا تبين فعلا أنه ترتب عن رفض المراودة أو طلب الاعتراض على السلوك، الإضرار بالضحية بأي شكل من الأشكال في عمله أو إمكانية تشغيله.

       ولحماية العمال من التحرش الجنسي الذي يطالهم بنسبة كبيرة، فقد اعتبرت المادة 40 من مدونة الشغل التحرش الجنسي من بين الأخطاء الجسيمة المرتكبة من طرف المشغل أو رئيس المقاولة أو المؤسسة ضد الأجير والمؤدية إلى الحق في التعويض عن الفصل التعسفي إلا أن الشكل الذي تم به التنصيص على التحرش الجنسي، طرح عدة إشكالات قد تتحول إلى منزلقات خطيرة إذا لم يتم تداركها والقيام بالتعديلات اللازمة، حيث تم تغيب تعريف التحرش الجنسي ولم يتم التنصيص على كيفية إثباته، كما لم تنص مدونة الشغل على عقوبات رادعة للتحرش الجنسي، كما أنها ألقت عبء إثبات واقعة التحرش الجنسي على من يدعيه الشيء الذي يمكن اعتباره شبه مستحيل بالنسبة للمتضرر[157]، خاصة بالنسبة للأطفال العاملين.

       ويتبين مما سبق، بأنه على الرغم من تجريم المشرع للتحرش الجنسي، فإنه لم ينص على مقتضيات حمائية خاصة للطفل تقضي بتشديد عقوبة الجاني متى كان المتحرش به طفلا، بسبب عدم نضجه العقلي والعاطفي مما قد يجعله يتأثر نفسيا بشكل كبير من سلوكيات التحرش الجنسي التي قد تدفعه إلى الانطواء والعزلة.

       وللوقوف على كيفية تعامل القضاء المغربي مع هذه الجريمة، فإننا لم نعثر على قرار تضمن واعة التحرش الجنسي لكون معظم القضايا التي رفعت إلى المحاكم تم إيقاف المتابعات بشأنها لعدم كفاية الأدلة.

       وفي غياب اجتهادات قضائية في الموضوع، فإننا نورد حكم محكمة حقوق الشخص بكندا لإبراز موقف القاضي من التحرش الجنسي الذي يتم في فضاء العمل فقد اعتبرت المحكمة المذكورة، "بأن توجيه نظرات إلى المجني عليها ووصفها بالجميلة وإرغامها على تنظيف منزل الطاعن… وضمها إليه من أجل مواساتها حسب زعمه… ومن أجل أن يريها حسن تنظيفها أماكن عالية في المنزل كان يمرر نظراته على بنيتها الجسدية وكان يقترب منها من الخلف ويهمس في أذنها من أجل أن يريها كيفية غسل ملابسها، كل هذه التصرفات اعتبرت تحرشات جنسية بسبب كون المدعية كانت تعمل تحت إشراف الجاني باعتباره رئيسا لها في مركز الإيواء، مع أنها كانت رافضة لكل تصرفاته مما اضطرها إلى التوقف عن العمل، وبذلك رأت المحكمة أنها تستحق التعويض عن الأضرار المعنوية وإلزام الفاعل بتوجيه رسالة اعتذار على الضحية[158].

       وبعد هذه الإطلالة القانونية على اوجه الحماية الجنائية المقررة للطفل من جريمة التحرش الجنسي، يتضح وجود ثغرات كبيرة تستدعي تدخل المشرع من جديد من أجل ضمان حماية حقيقية للطفل من هذه الجريمة وذلك عن طريق وضع نص يعرف التحرش الجنسي ويجب أن يكون هذا التعريف عاما ليشمل كافة حالات التحرش الجنسي، كما يتعين التنصيص على وسائل إثباته، بالإضافة إلى ذلك، فإنه على المشرع أن يأخذ بعين الاعتبار ما للتحرش الجنسي من آثار سيئة على الطفل إذا ما قورن مع الراشد لذا يجب عليه اعتبار صفة الطفل ظرفا من ظروف التشديد في هذه الجريمة خاصة وأن الطفل يسهل التأثير عليه ومن تم إيقاعه في براثين الفساد.

      الفقرة الثانية:تجريم تحريض الأطفال على الفساد وتسخيرهم في الأعمال الإباحية:

       من الظواهر التي عرفتها البشرية منذ الأزل إلى يومنا هذا، ظاهرة تجارة الجسد أو تعاطي البغاء وهو نظام أقرته الشرائع والتقاليد لدى كثير من الشعوب المتحضرة فقد نظرت إليه الشعوب القديمة –وما تزال- بعين الرضا والاستحسان معتبرة إياه أمرا عاديا وطبيعيا لصرف طاقة جسدية مقابل الحصول على منفعة مادية[159].

       فهذه التجارة لم تقتصر في وقتنا الحاضر على بيع أجساد النساء بل إنها تسخر حتى أجساد الذكور، وفي سن جد مبكرة، حيث يتعرض أطفال العالم لمختلف أشكال سوء المعاملة الجنسية مثل الدعارة بهم واستخدامهم في العروض والمواد الإباحية وكذا في مختلف الجرائم التي تلحق بهم اكبر الأضرار بصحتهم، أخلاقهم ونموهم الجسدي والعقلي والروحي والاجتماعي…

       فلا أحد ينكر بان بغاء الأطفال أصبحت ظاهرة عالمية وتتم من خلال شبكات منظمة يعاني منها ملايين الأطفال في مختلف بلدان العالم وقد تطورت الظاهرة لتصبح وسيلة من وسائل الجذب السياسي خاصة من أوربا وأمريكا[160].

       وقد شجعت مثل هذه التجارة على رواج هذه الظاهرة في العديد من المجتمعات العالمية الفقيرة مثل ما هو كائن في شرق آسيا والهند والمغرب[161] أيضا الذي أصبحت فيه هذه الظاهرة مستشرية في بعض المدن السياحية كمراكش وأكادير، وذلك رغم الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي من اجل القضاء على هذه الظاهرة المهددة لأمن الطفولة[162].

       ونظرا لخطورة جرائم إفساد الأطفال والزج بهم في مستنقعات الفساد والرذيلة فقد تضمن القانون الجنائي بعض المقتضيات التي تعاقب كل من حرض أو سهل أو ساعد الغير على تسخير الأطفال في البغاء.

       ولقد عدد القانون الجنائي الجرائم التي تستهدف تسهيل البغاء ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف وهي: جرائم التحريض أو المساعدة على البغاء، ثم جرائم الاستخدام أو الاستدراج أو الإغواء ثم أخيرا جرائم استبقاء شخص بغير رغبته في محل للفجور أو الدعارة.

       فبالنسبة لجرائم تحريض أو تسهيل الفساد، فقد نص الفصل 497 ق.ج على أنه يعاقب بالحبس من سنتين إلى عشر سنوات وبغرامة من عشرين ألف إلى مائتي ألف درهم كل من حرض القاصرين دون الثامنة عشر على الدعارة أو البغاء أو شجعهم عليها ولم يستثن المشرع من العقاب كل من ساعد أو حمى ممارسة البغاء أو جلب أشخاصا أو استخدامهم لأجل البغاء حيث عاقب الجاني بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبالغرامة من خمسة آلاف درهم إلى مليوني درهم[163] وترفع هذه العقوبة إلى السجن لمدة تتراوح بين عشر سنوات وعشرين سنة إذا اقترنت هذه الجريمة بواسطة عصابة إجرامية[164]. أما إذا صاحب ارتكاب هذه الجريمة التعذيب أو أعمال وحشية فإن العقوبة هي السجن المؤبد[165].

       وإذا كان المشرع المغربي قد عاقب بشدة تحريض الأطفال على ممارسة البغاء فإنه لم ينص على معاقبة التحريض على الفجور والفسق كما هو الشأن في بعض القوانين المقارنة، مثل القانون الجزائري الذي جاءت صياغة القسم السابع منه واضحة (تحريض القصر على الفسق والدعارة) فلا تقتصر الحماية على الفسق أي كل ما يرتكبه الأطفال من أفعال جنسية غير مشروعة، بل يشمل كذلك فساد الأخلاق مثل مجالسة الرجال والتحدث إليهم في محلات معدة للدعارة[166]. وإن كان لا يشترط المشرع الجزائري ضرورة ارتكاب الفحشاء بل تكفي المجالسة أو ارتكاب بعض السلوكات التي من شأنها أن تمس سمعة الطفل وأخلاقه كتعاطي الخمر أو المخدرات ولعب القمار[167].

       ولحماية الطفل من بعض أشكال الاعتداءات الجنسية الخطيرة التي أصبحت منتشرة بشكل مخيف في وقتنا الحاضر مثل استغلال الأطفال في مواد إباحية، فقد نص الفصل 2-503 على أنه "يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من عشرة آلاف إلى مليون درهم كل من حرض أو شجع أو سهل استغلال أطفال تقل سنهم عن ثمان عشرة سنة في مواد إباحية وذلك بإظهار أنشطة جنسية بأية وسيلة كانت أثناء الممارسة الفعلية أو بالمحاكاة أو المشاهدة أو أي تصوير للأعضاء الجنسية للأطفال يتم لأغراض ذات طبيعة جنسية". وتطبق نفس العقوبة على كل من قام بإنتاج أو توزيع أو نشر أو استيراد أو تصدير أو عرض أو بيع أو حيازة مواد إباحية من هذا النوع وتضاعف العقوبة إذا كان الفاعل من أصول الطفل أو مكلفا برعايته أو له سلطة عليه.

       وعلى الرغم من المقتضيات الزجرية الهامة التي تقر عقوبات رادعة في حق الجناة فإن هذا النوع من الجرائم لازال منتشرا بشكل مخيف للغاية داخل مجتمعنا المغربي وتظهر خطورة هذا النوع من الجرائم في كون الجناة غالبا ما يقومون بإقناع الطفل بأن الجسد مجرد سلعة تباع وتشترى كما أن هناك قسما آخر من الجناة أكثر وحشية حيث يقومون بإجبار الأطفال للخضوع لرغباتهم تحت تأثير التهديد أو التخدير. ومع ظهور شبكة الانترنيت واتساع استخدامها عالميا أصبح مثل هذا النشاط أكثر اتساعا مما يجعل السيطرة عليه أمرا غاية في الصعوبة[168].

       وخلاصة القول، إن الهدف الذي توخاه المشرع منذ سنة 1962 من سنه لمختلف هذه الجرائم المساسة بالآداب والعرض هو إعادة تربية هذا النوع من المنحرفين لإدماجهم من جديد في المجتمع وتأهيلهم لحياة أفضل وذلك عن طريق الزجر بعقوبات

 

سالبة للحرية، ورغم ذلك فإن هذه الجرائم في تزايد مستمر ومقلق[169] مما يفند الرأي الذي يزعم أن استقرار الأمن والطمأنينة لا يتم إلا بسن عقوبات رادعة وصارمة والحقيقة أن العقوبات القاسية أثبت الواقع المعاش أنها غير مجدية للإصلاح والتقويم وبالتالي لم تعد تكتسي الطابع الوقائي والحمائي للأسرة والمجتمع[170].

       وإذا كان المشرع قد اعتبر أسلوب الزجر والضرب بصرامة على أيدي مرتكبي هذه الجرائم هو الحل الأمثل لردع هؤلاء الجناة –على الرغم من عدم جدواه- فإنه لم يعر أي اهتمام للطفل الضحية باعتباره إنسان يعاني في صمت.

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني

 الحماية الجنائية لصحة الطفل.

       لقد شكل حق الطفل في الصحة إحدى أولويات المجتمع الدولي حيث دعت كل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان إلى ضرورة ضمان هذا الحق بالنسبة للأطفال[171]. ونظرا لالتزام المغرب بحقوق الطفل، فقد تضمن التشريع المغربي بعض المقتضيات الزجرية من أجل حماية هذا الحق، سواء تلك التي نصت بصفة مباشرة على حمايته أو تلك التي ضمنت حماية غير مباشرة له.

       وتتمثل هذه المقتضيات في تجريم إهمال حق الطفل في الرعاية الصحية (المطلب الأول) وأيضا تجريم تشغيل الأطفال في الأعمال الشاقة والخطرة لما لذلك من انعكاسات خطيرة على صحتهم (المطلب الثاني).

       المطلب الأول: تجريم الإهمال الصحي للطفل:

       إن حماية حق الطفل في الصحة يتطلب ضمان رعاية صحية خاصة له وذلك عن طريق تمتيع الطفل بمراقبة صحية هامة، قبل ولادته وبعدها، فضلا عن تمتيعه بقدر كافي من الغذاء والخدمات الطبية والعلاجية والحماية من المخاطر (الفقرة الأولى) إلا أن هذا الحق لا يمكن ضمانه في كل الأحوال دون إقرار نصوص جنائية خاصة تجرم الإهمال الصحي للطفل (الفقرة الثانية).

       الفقرة الأولى: حق الطفل في الرعاية الصحية:

       يبدأ حق الطفل في الرعاية الصحية منذ كونه جنينا في بطن أمه، لأن صحة الطفل مرتبطة بصحة الأم –بقاء الفرع رهين بقاء الأصل- لذلك يلزم تلقيح النساء

اللائي بلغن سن الحمل ضد العديد من الأمراض[172] التي يمكن أن تنتقل إلى الجنين وأيضا تحسين مستواهن الغذائي وتمكينهن من خدمات الصحة الإنجابية، خاصة عند الوضع لحد من حالات وفيات النساء أثناء الولادة[173].

       وعند ولادة الطفل، فإنه يجب أن يتمتع بعناية صحية خاصة سواء من حيث حمايته من الأمراض عن طريق إخضاعه لعملية التلقيح أمن حيث ضمان أمنه الغذائي وحمايته من الحوادث.

       فبالنسبة لحماية الطفل من الأمراض، فإنه يجب إخضاعه لعملية التلقيح (التطعيم) ضد الأمراض الفتاكة، لأنه بعد الولادة يتعرض لميكروبات الأمراض المعدية في الوقت الذي يكون جهازه المناعي لم يستعد بالقدر الكافي لمقاومتها فيصبح معرضا بسهولة لمختلف الأمراض، ومن هنا جاءت أهمية الالتزام بالتلقيح الذي يؤدي إهماله إلى إيذاء الطفل وتعرضه للأمراض الخطيرة.

       وللوقوف على مدى تمكين الطفل من هذا الحق في المغرب، فقد تمكنت وزارة الصحة رغم ضعف الميزانية المخصصة لهذا القطاع (5% من الميزانية العامة) وبفضل البرامج المستمرة والأيام الوطنية للتلقيح، من تلقيح ما يزيد عن 90% من الأطفال دون السنة من عمرهم ضد الأمراض الستة الفتاكة، مما أدى إلى تقليص الحالة الوبائية وعلى الخصوص مرض الشلل[174] حيث لم تسجل أية حالة بالمغرب منذ سنة 1999 ومرض الدفتريا منذ سنة 1992[175].

       أما بالنسبة للغذاء، فإنه يعتبر العنصر الأساسي الذي يبني جسم الإنسان ويمده بالطاقة اللازمة لنموه وليمارس حياته ونشاطه بقوة وحيوية لذلك يجب أن تبدأ رعاية الطفل غذائيا منذ فترة الحمل والولادة.

       مما لاشك فيه أن الطفل عند الحمل يتغذى من أمه لذا يجب تمكين هذه الأخيرة من القدر الكافي من الغذاء لتمكن جنينها من كافة متطلبات النمو السليم والمتوازن.

       أما بعد الولادة، فإن الرضاعة هي العنصر الغذائي الأوحد الذي يمكن أن يعيش به الطفل، ولهذا أشارت بعض الدراسات إلى أن رضاعة الأم لوليدها لا تقتصر على عملية التغذية فحسب ولكنها تعتبر عملية عطاء كاملة فيها الغذاء والدفئ والأمان والحنان أي أنها عملية إشباع بيولوجي ونفسي للطفل[176].

       ولأهمية الرضاعة في بناء كيان الطفل البيولوجي والنفسي، فقد أوجبها الله سبحانه وتعالى على الأم لمدة عامين كاملين "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة"[177]، واتفق الفقهاء على أن الرضاع واجب على الأم، وبأنها تسأل عنه أمام الله تعالى حفاظا على صحة الوليد وحياته، سواء أكانت متزوجة بأب الرضيع أم مطلقة منه وانتهت عدتها. واختلفوا في وجوبه عليها قضاء. فقال المالكية بالوجوب قضاء فتجبر عليه، وقال الجمهور بأنه مندوب لا تجبر عليه ولها أن تمتنع إلا عند الضرورة[178].

       وبما أن الآية تحتمل الأمرين معا، فإن الفقهاء يعتبرون الرضاع واجبا على الأم في حالات وحقا لها في غيرها:

       أولا: يجب على الأم أن ترضع ولدها في الحالات الآتية:

       1- أثناء قيام الزوجية مادام الأب قد تمسك بإرضاع الأم ولدها، ولم يكن هناك ما يمنعها من هذا الرضاع.

       2- إذا لم يقبل الرضيع ثديا غير ثدي أمه، أو كان ترك الأم لإرضاعه يضر به.

       3- إذا كان كل من الولد الرضيع والأب معدما.

       4- إذا لم يكن الأب موجودا، ولم يكن للوالد الرضيع مال.

       ثانيا: ويكون من حق الأم أن ترضع ولدها في غير هذه الحالات وذلك إذا طلق الزوج زوجته ولهما ولد رضيع، فمن حقها أن ترضعه ولو امتنع الأب من ذلك قوله تعالى: "لا تضار والدة بولدها" إذ معناه انه لا يحل للأب أن يمنع الأم من إرضاع ولدها عند الطلاق بقصد الإضرار بها. غير انه للزوج أن يمنع زوجته من إرضاع الولد خيفة من الغيال، أي أن ترضعه وهي حامل[179]، أو إذا كانت تتعاطى لبعض الأدوية والعادات السيئة لإضرارها بالطفل كما سبقت وان أشرت إلى ذلك[180].

       ولأهمية حق الطفل في الرضاعة، فقد مكنت مدونة الشغل الأم العاملة، أن تتمتع يوميا، على مدى اثني عشر شهرا من تاريخ استئنافها الشغل إثر الوضع باستراحة خاصة يؤدى عنها الأجر، باعتبارها وقتا من أوقات الشغل، مدتها نصف ساعة صباحا ونصف ساعة ظهرا لكي ترضع مولودها خلال أوقات الشغل، واعتبرت بان هذه الساعة مستقلة عن فترات الراحة المعمول بها في المقاولة[181]، وعاقبت المشغل بغرامة من 10.000 إلى 20.000 درهم في حال إخلاله بهذا المقتضى حفاظا على صحة الطفل[182].

       وليتأتى للعاملات إرضاع مواليدهن خلال أوقات العمل، فقد ألزمت مدونة الشغل، المشغل بتجهيز غرفة خاصة للرضاعة داخل المقاولة، أو على مقربة منها مباشرة، إذا كان يشغل فيها ما يقل عن خمسين أجيرة تتجاوز سنهن السادسة عشرة[183] وقد عاقبت المشغل الذي لم يتقيد بهذه الالتزامات بغرامة من 2000 إلى 5000 درهم[184].

       وعلى الرغم من اهتمام مدونة الشغل بحق الطفل في الرضاعة، فإن تطبيقاته في الواقع ناذرة إن لم نقل مستحيلة لغياب جزاءات صارمة ولضعف أجهزة الرقابة ولتملص المشغلين من هذه المقتضيات بتشغيل عدد من النساء يقل عن الحد الملزم لإنشاء دور الحضانة والذي يعتبر مرتفعا، إذ حددته (المادة 161 م.ش) في خمسين أجيرة.

       أما عن غداء الطفل في باقي مراحل حياته، فإنه لا يقل أهمية عن الرضاعة، إلا أن العديد من الدراسات[185] تثبت عدم قدرة الأسر وخاصة الفقيرة منها على توفير الغذاء المتكامل والصحي لأطفالها، مما يعرضهم للأمراض وضعف المناعة.

       كما أن من بين الالتزامات التي يجب مراعاتها ضمانا لحماية صحة الطفل، هي مراقبته لتفادي تعرضه للخطر والحوادث[186]. لأن الطفل يتميز بقدرات جسمية وحركية وعقلية مهمة، خاصة في سن عدم التمييز والتي تنمي فيه رغبة اكتشاف محيطه..

       وخلاصة القول بأن حق الطفل في الرعاية الصحية أمرا واجب ليضمن صحة سليمة ونموا متوازنا بعيدا عن المخاطر الجسمية والنفسية، ومن ثم فإن إهمال من يتولى شؤون الطفل القيام بهذا الواجب اتجاهه، يعتبر ضربا من ضروب الإساءة الموجهة إليه. لذلك أتساءل عن الضمانات الزجرية لحماية هذا الحق؟

 

       الفقرة الثانية: الضمانات الحمائية لحق الطفل في الرعاية الصحية:

       سبق وان أشرت بأن حق الطفل في الصحة من الحقوق الأساسية لنموه ورفاهيته لذلك تدخلت المنظومة القانونية المغربية من أجل حماية هذا الحق وذلك عن طريق سن العديد من المقتضيات الزجرية.

       ومن بين النصوص الحمائية الواردة في هذا الإطار هناك الفصل 408 ق.ج الذي يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات كل من تعمد حرمان طفل دون الخامسة عشر من عمره من التغذية أو العناية حرمانا يضر بصحته، وتشدد عقوبة الجاني إذا كان من أصول الطفل أو شخصا مكلفا برعايته، لتصبح هي السجن من سنتين إلى خمس ، وتضاعف هذه العقوبة لتصبح هي الإعدام إذا كان حرمان الطفل من التغذية أو العناية قد ارتكب بهدف إزهاق روحه[187].

       وتجدر الإشارة إلى أن الحق في الرعاية الصحية لا يقتصر فقط على القيام بتوفير حاجيات الطفل من أكل وملبس وتنظيف… بل إنه يتعدى ذلك لإلزام الوالدين بالسهر على حماية الطفل من الأمراض عن طريق تلقيحه وإخضاعه للعلاجات الضرورية.

       ولنا في التشريع المصري خير مثال، حيث تضمن نصوصا قانونية صريحة تجرم إهمال حماية الطفل من العدوى، حيث أوجبت المادة رقم 55/1979 تطعيم الطفل وتحصينه بالطعوم الوقائية من الأمراض المعدية، وقد حددت المادة الرابعة من نفس القرار الجمهوري المسؤول عن تطعيم الطفل، حيث نص على أن "يقع واجب تقديم الطفل لتطعيمه أو تحصينه ضد الأمراض المعدية على عاتق والده، أو الشخص الذي يكون الطفل في حضانته" وقد أوضحت المادة 25 من نفس القرار الجمهوري العقاب الواجب توقيعه على من يهمل أو يمتنع عن تطعيم طفله، وتتمثل في الغرامة بما لا يقع عن 25 قرشا ولا تتجاوز مائة قرش"[188].

       والحماية نفسها قررها المشرع الفرنسي، إذ نصت المادة 307/3 من القانون الجنائي الفرنسي على معاقبة الأب والأم الذين يهملان الرعاية الصحية لأطفالهم بالحبس بما لا عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على عام واحد بالإضافة إلى الغرامة التي تتراوح بين 800 و8000 فرنك، ويمكن أن يحكم على الأب أو الأم بالحرمان من السلطة الأبوية متى صدر حكم جنائي ضد أيهما نتيجة للتقصير في العناية الصحية اللازمة لطفله.

       ولمزيد من الضمانات الحمائية لحق الطفل في الرعاية الصحية، فقد عاقب القانون الجنائي المغربي أحد الزوجين الذي يترك بيت الأسرة دون موجب قاهر لمدة تزيد عن شهرين وتملص من كل أو بعض واجباته المعنوية والمادية الناشئة عن الولاية الأبوية أو الوصاية أو الحضانة[189]، وفي ذلك ضمانة لإلزام الأبوين بتولي شؤون الطفل لتجنب إهماله وما قد يترتب عن ذلك من أضرار صحية.

       وفي نفس السياق ألزمت مدونة الأسرة الأب بالإنفاق[190] على أطفاله، كما ألزمت الأم أيضا للإنفاق عليهم في حالة إعسار الأب[191]، كما اعتبرت حماية حياة وصحة الأطفال حقا من حقوق الأطفال على أبويهم، بل ذهبت أبعد من ذلك –مدونة الأسرة- حينما ألزمت الأبوين باتخاذ كل التدابير الممكنة للنمو الطبيعي للأطفال من أجل الحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية والعناية بصحتهم وقاية وعلاجا[192].

       وعليه، فإن أي إخلال بالالتزامات السالفة الذكر من قبل متولي شؤون الطفل، يدخل في حكم 482 ق.ج الذي ينص على أنه "إذا تسبب أحد الأبوين في إلحاق ضرر بالغ بأطفاله أو بواحد أو أكثر منهم، وذلك نتيجة سوء المعاملة أو إعطاء القدوة السيئة في السكر أو سوء السلوك أو عدم العناية أو التقصير في الإشراف الضروري من ناحية الصحة أو الأمن أو الأخلاق، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنة وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم، سواء حكم عليه بالحرمان من السلطة الأبوية أم لا".

       وبناء على ما سبق، يتضح مدى اهتمام المنظومة القانونية بالحماية الجنائية لحق الطفل في الرعاية الصحية –سواء عن طريق نصوص مباشرة أو غير مباشرة- وذلك بإقرار جزاءات في حق الوالدين أو من في حكمهما إذا أهملوا الطفل صحيا، إلا أن هذه المقتضيات على الرغم من تعددها، فإنها تلاقي صعوبات كبرى في التطبيق.

       ويمكن إرجاع ذلك لصعوبة إثبات حالات الإهمال الصحي للأطفال، فإذا كانت العديد من الدراسات التي تناولت الإهمال الصحي للأطفال، في بعض البلدان ذات المستوى العالي من التوثيق والمراقبة أثبتت أن هذه المشكلة مستترة يستعصي قياسها أو حصرها، نظرا لعدم كفاءة التقارير الطبية التي تشير إليها في تلك المجتمعات، فإن الوضع في المغرب أكثر غموضا وأشد استتارا[193].

       هذا الوضع لا يعيشه المغرب لوحده، بل تشترك معه فيه باقي بلدان العالم العربي حيث لم تحظ الظاهرة –الإهمال الصحي- بنصيب وافر من الاستقصاء العلمي بالرغم من وضوح المشكلة من الناحيتين الثقافية والصحية، حيث يموت آلاف الأطفال يوميا بسبب الإهمال الصحي، مثل: سوء التغذية أو المعالجة الخاطئة سواء بالكي أو عن طريق الوصفات الشعبية أو وصفات المشعوذين والدجالين..

       وينضاف إلى مشكلة الإثبات، امتناع العديد من الأسر التبليغ عن جرائم الإهمال الصحي للأطفال خوفا من المتابعة الجنائية، ليظل بذلك حق الطفل في الحماية من الإهمال الصحي حبرا على ورق في أغلب الحالات، لتبقى جرائم الإهمال الصحي من بين اكثر أنواع سوء معاملة الأطفال شيوعا داخل المجتمع المغربي، لتنضاف إلى ظاهرة الأطفال اقتصاديا وما يترتب عنها من أضرار صحية جسيمة لهم.

       وختاما يمكن القول بأن حماية حق الطفل في الصحة لا يقتصر فقط على فرض عناية ورعاية صحة خاصة به، بل يجب حماية الطفل من بعض الأنشطة التي من شأنها أن تلحق بليغ الأذى في صحته كالإشتغال في سن مبكرة. 

       المطلب الثاني: تشغيل الأطفال؛ مساس بحق الطفل في الصحة:

       يعد الاستغلال الاقتصادي للأطفال من أشد أنواع سوء معاملة الأطفال إيذاء لصحتهم حيث كثيرا ما يتعرض الأطفال في مجالات العمل لإصابات بليغة تضر بصحتهم، بل قد تجهز على حقهم في الحياة في بعض الأحيان، فضلا عما يتعرضون له من أمراض ومخاطر مهنية، ناهيك هم حرمانهم من العديد من الحقوق الأخرى.

       إذا ثبت ذلك، فما هي اوجه الحماية الزجرية للأطفال من الاشتغال في سن مبكرة؟ (الفقرة الأولى) وحتى على فرض إمكانية تشغيل الأطفال بعد بلوغهم السن القانونية، فما هي الإجراءات الزجرية المتخذة لحمايتهم من الاشتغال في الأعمال الشاقة والخطرة التي تضر بصحتهم، (الفقرة الثانية).  

     الفقرة الأولى: الحماية الزجرية للطفل من الاشتغال في سن مبكرة؛ حماية لصحته:

       لقد أصبح تشغيل الأطفال في سن مبكرة يؤرق مختلف القطاعات المهتمة بقضايا الطفولة نظرا للتزايد المتصاعد لفئات الأطفال العاملين في مختلف دول العالم، خاصة الفقيرة منها[194].

       ففي سنة 1997 قام المكتب الدولي للعمل (BIT) بحملة تحسيسية شملت 250 مليون طفل عامل في العالم تتراوح أعمارهم ما بين 5 و14 سنة، اكثر من نصف هؤلاء الأطفال يعملون لأكثر من ثمان ساعات في اليوم وغالبيتهم يعملون في الفلاحة والصناعة التقليدية[195]. ويتعرضون لمخاطر صحية كبرى داخل مجالات العمل هذه.

       مما حدا بمنظمة العمل الدولية إلى التدخل من اجل وضع حد لمعاناة وآلام الأطفال العاملون وذلك بإصدار الاتفاقية رقم 138[196] لتحديد السن الأدنى للقبول في الاستخدام فقد نصت في المادة الثانية منها على مبدأ أساسي مفاده، أن جميع الدول المصادقة على الاتفاقية ملزمة بتحديد السن الأدنى للقبول في الاستخدام أو العمل، على أساس ألا يقل هذا السن بصفة عامة عن ذلك الذي يقف عنده التعليم الإلزامي، وفي جميع الحالات يجب ألا يقل عن 15 سنة كما دعت الدول الأطراف إلى تبني سياسة وطنية ترمي إلى ضمان الإلغاء الفعلي لعمل الأطفال ورفع الحد الأدنى لسن القبول في الاستخدام أو العمل بالتدريج إلى مستوى ينسجم واكمل نمو بدني وذهني للأحداث[197].

       وبسبب التزام المغرب بالمقتضيات الدولية المتعلقة بحقوق الطفل التي صادق عليها، فقد عمل على إدماج مقتضياتها ضمن التشريعات الوطنية وذلك في إطار إعماله لمسطرة ملاءمة القوانين الوطنية للتشريعات الدولية.

       وارتباطا بموضوع تشغيل الأطفال، وانسجاما مع ما جاء في الاتفاقية رقم 138 التي صادق عليها المغرب[198]، فقد تضمن القانون رقم 99-65 الذي يعتبر بمثابة قانون الشغل في المغرب العديد من المقتضيات القانونية الآمرة وذلك من أجل وضع إطار قانوني لتشغيل الأطفال يأخذ بعين الاعتبار حداثة سنهم وعدم نضج قدراتهم البدنية والعقلية حفاظا على صحتهم وباقي حقوقهم الأخرى.

       ومن بين هذه المقتضيات التي تهدف حماية صحة الطفل نجد المادة 143 من مدونة الشغل التي تمنع تشغيل الأحداث أو قبولهم في المقاولات أو لدى المشغلين قبل بلوغهم سن خمس عشرة سنة كاملة[199]. وفي حال مخالفة هذا المقتضى، فإنه تفرض على المشغل غرامة تتراوح بين 25.000 إلى 30.000 درهم وفي حالة العود، تضاعف الغرامة والحكم على المخالف بعقوبة حبسية تتراوح بين 6 أيام و3 أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين[200].

       كما أن حماية مدونة الشغل لصحة الطفل من خلال تحديد السن الأدنى للقبول في الاستخدام لم تقف عند هذا الحد، بل تضمنت بعض الأحكام الخاصة لرفع هذا السن إلى أكثر من 15 سنة خاصة في بعض مجالات الشغل التي تشكل خطورة كبيرة على صحة الطفل.

       وعلى هذا الأساس منعت تشغيل أي حدث دون الثامنة عشرة، ممثلا أو مشخصا في العروض العمومية المقدمة من قبل المقاولات التي تحدد لائحتها بنص تنظيمي، دون إذن مكتوب يسلمه مسبقا للعون المكلف بتفتيش الشغل بخصوص كل وحدة على حدة، وذلك بعد استشارة ولي أمره[201]. وفي حال عدم توفر المشغل على هذا الإذن فإنه يعاقب بغرامة تتراوح بين 2000 إلى 500 درهم.

       وفي نفس السياق منعت مدونة الشغل على أي شخص أن يكلف أحداثا دون الثامنة عشر سنة بأداء ألعاب خطيرة أو القيام بحركات بهلوانية، أو التوائية، أو أن يعهد إليهم بالاشتغال في أعمال تشكل خطرا على صحتهم أو أخلاقهم. كما يمنع على أي شخص إذا كان يحترف مهنة بهلوان أو ألعبان أو عارض حيوانات، أو مدير سرك، أو ملهى متنقل أن يشغل في عروضه أحداثا دون السادسة عشر[202]. ويعاقب المخالف في هذه الحالة بغرامة من 300 إلى 500 درهم[203].

       ولتحقيق هذا الغرض، فقد ألزمن مدونة الشغل كل من يتعاطى المهن السالفة الذكر أن يتوفر على نسخ من عقود ولادة الأحداث الذين يتولى توجيههم، أو بطاقات تعريفهم الوطنية وان يدلي بها ليثبت هويتهم بمجرد طلبها من طرف العون المكلف بتفتيش الشغل أو من السلطات الإدارية المحلية[204]. وإذا خالف المشغل هذا المقتضى، فإن العقوبة هي الغرامة من 2000 إلى 5000 درهم[205].

       وحفاظا على صحة الأحداث من الآثار السلبية للعمل الليلي[206]، منعت مدونة الشغل هذا النوع من العمل على الأحداث الذين لم يبلغوا سن السادسة عشر من العمر. لكن للأسف نصت على استثناءات يمكن للمشغل في حال توفرها تشغيل الأحداث ليلا[207]، وبناء على ذلك يمكن القول بأن المشرع لم يأت بجديد مهم بهذا الخصوص لجعله يواكب ركب بعض التشريعات المقارنة التي ذهبت إلى حد المنع المطلق للعمل الليلي بالنسبة للأحداث كالتشريعين المصري والفرنسي[208].

       وخلاصة القول، إن المغرب يتوفر على نصوص حمائية مهمة (على الرغم من بعض النقائص التي تعتريها) للأطفال من الاشتغال في سن مبكرة، إلا أن الواقع يظل شاهد إثبات على مدى إخفاقها في تحقيق الحماية الواجبة للأطفال.

       وللوقوف على حقيقة هذا القول، فإنه يكفي الاطلاع على بعض الإحصائيات الرسمية أو غير الرسمية حول تشغيل الأطفال بالمغرب، فحسب الدراسة التي أنجزتها منظمة العمل الدولية ((OIT بالمغرب فإن 5,61% من الأطفال العاملين لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، وترى  المنظمة أن هذه النسبة يمكن أن ترفع إلى أكثر من ذلك بكثير إذا تم الأخذ بعين الاعتبار المشغلين بصفة غير مستقرة، والأطفال الذين يزاولون مهنا بالشارع، وكذا فئة الخادمات، تلك الفئة التي تمثل نموذجا صارخا للقهر الاجتماعي واستغلال براءة الأطفال في المغرب. فقد كشفت الدراسات حول ظاهرة الخادمات عن عدة ملابسات تكتسي صبغة استغلالية سواء تعلق الأمر بأعمار الفتيات الخادمات، أو بطبيعة الأعباء الملقاة عليهن، أو بوضعيتهن الصحية والمعاشية، هذا ناهيك طبعا عن الاعتداءات الجنسية والجسدية التي يتعرضن لها من طرف الأسر التي تشغلهم، فحسب البحث الميداني الذي قامت بإنجازه العصبة المغربية لحماية الطفولة بمساندة اليونسيف والذي شمل 450 طفلة خادمة دون الخامسة عشر سنة، تبين أن 26,4% من الخادمات تقل أعمارهن عن 10 سنوات وأن 45,5% منهن تتراوح أعمارهن بين 10 و12 سنة في حين تبلغ نسبة 28,2% من الخادمات 13 سنة فما فوق.    أما بخصوص الأطفال العاملون بقطاع الصناعة التقليدية، فإن وضعهم لا يقل سوءا عن وضعية الطفلات الخادمات في المنازل، فقد أظهر البحث الذي أجراه صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة حول الأطفال المشتغلين بقطاع الصناعة التقليدية بمدينة فاس، أن 595 طفلا من بين 801 طفل تم إحصاؤهم، تتراوح أعمارهم بين 12 و15 سنة مقابل 108 أطفال تتراوح أعمارهم بين 9 و11 سنة و89 طفلا تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة[209].

       وختاما يستخلص من كل ما تقدمن انه على الرغم من توفر مدونة الشغل على عقوبات زجرية فإنها لم تتمكن من ضمان حق الطفل في الصحة عن طريق منع اشتغاله في سن مبكرة لتبقى بذلك براءة الطفولة رهينة الاستغلال الاقتصادي[210] بشكل يومي وممنهج والأخطر ما في ذلك أن الأطفال يشتغلون في أعمال شاقة وخطرة مسيئة لصحتهم وأخلاقهم.

الفقرة الثانية: منع تشغيل الأطفال في الأعمال الشاقة والخطرة؛ حماية لصحة الطفل:

       إذا كان المجتمع الدولي من خلال منظمة العمل الدولي يقر بضرورة محاربة تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعتبر عادية، لمساسها بصحة الطفل، فإنه من باب أولى أن يجمع على تجريم التشغيل في الظروف التي تعتبر من أسوأ أشكال عمل الأطفال وفي هذا الإطار تمت صياغة الاتفاقية 182 بتاريخ الفاتح من يونيو 1999 حيث لاحظ المؤتمر العام لمنظمة العمل الدولية أن الحاجة إلى اعتماد صكوك جديدة ترمي إلى حظر أسوأ أشكال تشغيل الأطفال والقضاء عليها أصبحت ملحة[211].

       ونظرا لخطورة مجالات العمل هذه على الطفل وخاصة على صحته، فقد حددت الاتفاقية أسوأ أشكال التشغيل[212] من خلال أربعة نقط:

       – الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق كبيع الأطفال والاتجار بهم وكبودية الدين والقنانة والعمل القسري والإجباري بما في ذلك التجنيد الإجباري أو القسري للأطفال لاستخدامهم في الصراعات المسلحة.

       – استخدام الأطفال لأغراض الدعارة أو لإنتاج أو تسويق أو أداء عروض إباحية.

       – استخدام طفل أو تشغيله أو عرضه لمزاولة أنشطة غير مشروعة ولاسيما إنتاج المخدرات بالشكل الذي حددته المعاهدات الدولية ذات الصلة والإتجار فيه.

       – الأعمال التي يرجح أن تؤدي بفعل طبيعتها أو بفعل الظروف التي تزاول فيها إلى الإضرار بصحة الأطفال أو سلامتهم أو سلوكهم الأخلاقي.

       فلا يخفى على أحد ما لمجالات العمل هذه من انعكاسات خطيرة على صحة الطفل وأخلاقه، وهذا ما أكده التقرير الأخير الذي أعد في المغرب في إطار برنامج IPEC[213]، والذي أوضح أن طبيعة الأعمال التي ينجزها الأطفال تعرضهم لمخاطر صحية بليغة، ففي صناعة الزليج مثلا:81% من العينة المدروسة يعانون من الإرهاق البصري و59% يتعرضون لمضاعفات صحية خطيرة خاصة على مستوى الظهر والكتفين أو العمود الفقري بسبب حمل الأثقال أثناء ممارستهم للعمل.

       بالإضافة إلى ذلك فإن العديد من الأطفال يتعرضون في مجالات العمل إلى حوادث خطيرة بل ومميتة أحيانا كما هو الشأن بالنسبة لعمال الحدادة والنجارة بسبب استعمال بعض الآليات التي تتطلب القوة البدنية التي يفتقدها الأطفال.

       أما على المستوى النفسي: فإنه للمعاملة العنيفة التي يتلقاها الأطفال من أرباب العمل (ضرب، شتم، سب، نظرات التنقيص والاستهزاء وغيرها من المضايقات المختلفة) إذ يتفنن بعضهم في تعذيب الأطفال وتوجيه مختلف أشكال الإساءة إليهم، والتي قد تصل إلى مستوى الاعتداء الجنسي، تلك الإساءة التي لا تكتفي عادة بترك بصماتها على الأجساد الغضة للأطفال، وإنما تتجاوز ذلك لتوجيه ضربات موجعة إلى نفسياتهم مطيحة بإحساسهم بالأمن والاستقرار النفسي الشيء الذي ينعكس سلبا على الصحة النفسية للأطفال، إذ كثيرا ما يصبحون أقل ثقة بأنفسهم وأقل اندماجا وتوافقا مع الآخرين كما يولد لديهم نوعا من الكبت والحرمان، خاصة عندما يشاهدون الطفل المتمدرس الذي يمثل بالنسبة إليهم الأمل والمستقبل المسلوب، وهذا يولد أيضا لديهم الشعور بالنقص وعدم النجاح والإحساس بالدونية[214].

       لهذه الأسباب ولغيرها، دعت الاتفاقية 182 من خلال ديباجتها الدول الأطراف إلى سن تشريعات داخلية من أجل ضمان حماية جنائية خاصة الأطفال من مختلف أسوأ أشكال الاستخدام[215].

       وعلى هذا الأساس، فقد عدد الباب الخامس من مدونة الشغل، الأعمال الممنوعة على الأحداث، كمنع اشتغال الأحداث دون الثامنة عشر في المقالع وفي الأشغال الجوفية التي تؤدى في أغوار المناجم[216]، نظرا لخطورة العمل في هذه المجالات والتي تترتب عنها أضرار صحية خطيرة للكبار فبالأحرى الأطفال.       

       كما يمنع على الأحداث دون الثامنة عشر الاشتغال في الأشغال التي من شانها أن تعيق نموهم أو تساهم في تفاقم إعاقتهم إذا كانوا معاقين، سواء كانت هذه الأشغال على سطح الأرض أو في جوفها[217].

       ولم تتوقف مدونة الشغل عند هذا الحد، بل منعت تشغيل الأحداث دون الثامنة عشرة في الأشغال التي تشكل مخاطر بالغة عليهم، أو تفوق طاقتهم، أو قد يترتب عنها ما قد يخل بالآداب العامة[218].

       وفي حال إخلال المشغل بهذه المقتضيات، فإنه يعاقب بغرامة من 300 إلى 500 درهم.

       بعد هذه الإطلالة على أوجه الحماية القانونية التي أقرتها مدونة الشغل للأحداث لحمايتهم من الاشتغال في الأعمال الشاقة والخطيرة باعتبارها شكلا من أشكال سوء معاملة الأطفال داخل المجتمع، يتضح بالملموس ضعف هذه الحماية، لأن مدونة الشغل لم تحدد الأشغال التي يمنع على الأحداث الاشتغال فيها، بل اكتفت بالتنصيص في المادة 181 على انه سيصدر نص تنظيمي يحد لائحة هذه الأشغال وهو ما لم يصدر لحد الآن. الأمر الذي سيجعل هذه الحماية عديمة الجدوى، هذا من جهة، أما من جهة ثانية فالجزاءات المالية المفروضة على المشغل في حال الإخلال بالمقتضيات الحمائية للأطفال –السابقة الذكر- هزيلة جدا، ولا يمكنها أن تحقق الردع المطلوب[219]، هذا بالإضافة إلى صعوبة تطبيق هذه النصوص على أرض الواقع نظرا لغياب آليات صارمة للمراقبة باستثناء مفتشية الشغل التي تعاني من شلل شبه تام.

       ولعل الواقع خير شاهد على عدم قدرة هذه المقتضيات الزجرية على إقرار حماية حقيقية للأطفال من الاشتغال في ظروف صعبة وخطيرة، حيث يشتغل الأطفال في أوضاع مهنية بليغة الخطورة والإساءة، وذلك بدءا بطبيعة الأعمال التي يقومون بها والتي تفوق غالبا طاقتهم وقدراتهم العضلية كحمل الأثقال المرهقة والبقاء في أوضاع جسدية غير سليمة لفترات طويلة (الانحناء الشديد في بعض الصناعات التقليدية كالزليج مثلا أو الجلوس على وضعية واحدة لساعات طويلة كما يحصل، في صناعات الزرابي مثلا، يضاف إلى ذلك التعرض الشديد لمؤثرات كيماوية وبيئية وغازات وحرارة وغبار… إلخ وصولا على المخاطر المتصلة بالتعامل غير الواعي مع الآلات وأدوات صممت أصلا للكبار. كل ذلك يؤدي على إصابة الأطفال بأمراض مزمنة كداء السل وأمراض صدرية أخرى والإصابة ببعض التشوهات في العمود الفقري وبعض الأمراض الجلدية الخطيرة الناتجة بصفة خاصة عن الاستعمال العشوائي لبعض المواد الكيماوية[220].

       وفي ختام هذا القسم نستنتج بأن الحماية الجنائية للطفل ضحية سوء المعاملة تبقى ناقصة في بعض الأحيان بسبب الثغرات التي تعاني منها بعض النصوص الحمائية من جهة، ولتشتت هذه النصوص من جهة ثانية، بالإضافة على ضعف آليات الرقابة، الأمر الذي يستدعي تفعيل دور القضاء لتجاوز كل هذه الإشكالات.

 

 

 

 

 

 

القسم الثاني

 حماية قانونية ناقصة ودور

 القضاء في تجاوزها.

 

 

 

أولى المشرع المغربي للطفل والطفولة حماية خاصة من كل ما من شأنه أن يسيء معاملته منذ وجوده جنينا في بطن أمه ووليداً وطفلا إلى حين اكتمال نضجه البدني والعقلي والنفسي وذلك ببلوغه 18 سنة من عمره.

لكن على الرغم من أوجه الحماية الهامة التي حظي بها الطفل لينعم بالأمان والطمأنينة، فإن الواقع المعاش يشهد على خلاف ذلك، حيث يعكس صورة قاتمة يحياها الأطفال من اعتداءات تطال حقهم في الحياة، واستغلال جنسي وعنف بدني ونفسي واستغلال اقتصادي وإهمال صحي والعيش في أوضاع جد صعبة.

فالحاجة إذن تستدعي تدخل المشرع من جديد لتلافي الثغرات التي تعاني منها بعض النصوص الحمائية من جهة ولإيجاد نصوص جديدة لتجريم بعض أشكال سوء المعاملة الطفل داخل الأسرة مثل زنا المحارم، من جهة ثانية.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوصول إلى حماية حقيقية للطفل من جرائم إساءة المعاملة، فالأمر لا يستدعي فقط سد ثغرات النصوص الحمائية أو إيجاد نصوص جديدة لتجريم اعتداءات غير مجرمة، بل إن الأمر يستدعي إيجاد آليات قوية للمراقبة تسهر بشكل جدي وفعال على مراقبة مدى احترام المقتضيات الحمائية وكذا إيجاد جهاز قضائي يتميز أعضاؤه بتكوين خاص في ميدان الأسرة والطفولة ليطلع بدوره على أكمل وجه حماية للطفل الضحية.

فما هي إذن أوجه قصور الحماية القانونية المقررة للطفل ضحية سوء المعاملة؟ وما هي أهم الحقوق المقررة للطفل خلال مراحل التقاضي؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الفصلين التاليين:

الفصل الأول: تجليات محدودية الحماية الجنائية للطفل ضحية سوء المعاملة.

الفصل الثاني: الحماية القضائية للطفل ضحية سوء المعاملة.

 

 

 

الفصل الأول

محدودية الحماية القانونية.

 

لا يكفي لإقرار حماية حقيقية لطفل أن ينص المشرع على مجموعة من الضمانات الزجرية لتحصين حقوقه، بل يجب أن تكون هذه الضمانات المحصنة للحق دقيقة حتى تفي بالغرض منها من جهة وحتى تحقق علة التجريم هدفها من جهة ثانية حيث يصدق هذا القول على العديد من النصوص المحضة جنائيا لحقوق الطفل حتى لا يقع ضحية سوء المعاملة ولا أدل على ذلك ضعف الحماية المقررة للطفل ضحية زنا المحارم والطفل ضحية جرائم إهمال الأسرة وكذا الطفل في وضعية صعبة (المبحث الأول) كما لا يكفي لتحقيق علة التجريم هدفها أن توجد النصوص الزجرية المحصنة للحق سليمة من الثغرات ومحيطة بكافة جوانب الحماية المطلوبة، بل إن الأمر يستدعي تجاوز كل ما من شأنه أن يعيق تطبيق هذه النصوص كتجاوز ضعف آليات الرقابة من جهة وتشتت النصوص الحمائية من جهة ثانية (المبحث الثاني).

 

المبحث الأول

تجليات محدودية الحماية الجنائية للطفل

 ضحية سوء المعاملة.

       على الرغم من تعدد النصوص الحمائية للطفل ضحية سوء المعاملة، داخل المنظومة القانونية المغربية، فإنه توجد بعض النواقص التي تؤثر سلبا على هذه الحماية كما هو الأمر بالنسبة لغياب نصوص خاصة تجرم الزنا بين المحارم، حماية للطفل من هذا النوع من الجرائم التي أصبحت منتشرة داخل المجتمع المغربي بسبب الانحلال الخلقي وتراجع القيم الاجتماعية وضعف الوازع الديني وتأثير الحضارة الغربية (المطلب الأول) وأيضا تحرز القانون الجنائي من التدخل في بعض قضايا الأسرة كما هو الشأن بالنسبة لتحرزه في جرائم إهمال الأسرة، وأيضا لضعف الحماية المقررة لشريحة هامة من الأطفال وهم الأطفال في وضعية صعبة الذين أقل ما يمكن اعتبارهم أطفال ضحايا سوء معاملة (المطلب الثاني).

       المطلب الأول: حماية جنائية محدودة للطفل ضحية زنا المحارم:

       في المغرب كما في غيره من الدول، لا توجد بيانات دقيقة عما يقع من زنا بين المحارم، وذلك راجع إلى طبيعة هذه الجريمة من جهة وإلى الظروف التي تحدث فيها من ناحية أخرى مما جعل الإبلاغ عنها قليلا جدا بالمقارنة مع الواقع الحقيقي للظاهرة.

       فزنا المحارم من بين الجرائم التي تهدد كيان الأسرة والمجتمع والأخطر ما فيها هو أن أغلب حالاتها تنضاف إلى الرقم الأسود لكونها جرائم صامتة وتشتد خطورتها إذا وقع قاصر ضحيتها، لما تخلفه من آثار مدمرة على نفسيته (المطلب الأول) وبالنظر إلى الخطورة التي تكتسيها هذه الجريمة فإنه قد حان الوقت لسن نصوص جنائية خاصة حماية للطفل من هذه الجريمة التي كثيرا ما يتعرض لها خاصة في السنوات الأولى من عمره (الفقرة الثانية).

 

       الفقرة الأولى: زنا المحارم بالمغرب؛ واقعه وانعكاساته على الطفل:

       إن الزنا بالمحارم شأنه شأن الظواهر الإجرامية بصفة عامة نشأ عن عوامل متعددة بعضها اجتماعي والبعض الآخر اقتصادي والبعض الثالث ثقافي أو نفسي[221] .

       ومهما اختلف الأسباب فإنه لا يمكن الفصل بينهما، فالزنا بالمحارم باعتباره ظاهرة إجرامية، فإنه لا يشذ عن هذه القاعدة، فهو ينتج عن عوامل ثقافية واقتصادية ونفسية وعضوية قد تجتمع كلها أو بعضها فتؤدي إلى الجريمة[222].

       وبالرغم من كون الزنا بالمحارم في المغرب لم يرق بعد ليصل إلى حد الظاهرة إلا أن تكرارها بشكل يثير القلق والخوف لدى الأسر المغربية، خاصة وأن بعض الصحف أصبحت تطالعنا بين الفينة والأخرى، بجرائم من هذا القبيل تعرض على محاكم المملكة في كافة أرجاء البلاد، ومع ذلك فإن هذا الموضوع لازال يشكل نوعا من الطابوهات رغم انه من أكثر الصور قتامة في مجتمعنا، فكل من السلطات والأفراد يتحفظون في الاعتراف بهذه الآفة.

       ومن الأكيد أن زنا المحارم من أخطر أشكال الاعتداءات الجنسية التي يمكن أن يقع الطفل ضحيتها، وذلك لسببن على الأقل: الأول هو أن لكل اعتداء جنسي انعكاسات بدنية ونفسية خطيرة على الطفل[223]، أما الثاني لأن الاعتداء الجنسي في هذه الحالة يصدر عن الأشخاص الذين يفترض فيهم حماية الطفل وليس الإضرار به وهو ما يدفع الطفل إلى فقدان الثقة في كل الأشخاص المحيطين به.

       وبناء على ذلك فإنه تترتب عن زنا المحارم آثار مختلفة تتفاوت فيما تحدثه من أضرار وهي تلك المتمثلة في التذمر الذي تشعر به الضحية مباشرة بعد حصول الاعتداء عليها وتتفاوت في الشدة بحسب سن الضحية، فإذا كانت صغيرة دون البلوغ فإن الصدمة تبلغ أشدها بخلاف البالغة التي قد تكون الصدمة خفيفة نسبيا بالنسبة لها بالإضافة إلى عدم التوازن والقلق الذي يصيب الضحية، هذا بالإضافة إلى الأضرار التي تصيب الأسرة والمجتمع مما قد يؤدي إلى تصدع الأسر وما يترتب عن ذلك من امتداد آثار هذه الجريمة إلى المجتمع ككل[224].

       وعليه فإن عواقب الاستغلال الجنسي للطفل من قبل أحد أفراد الأسرة تتوقف على طبيعة السلوك الذي يسلكه المعتدي وعلى عمر الطفل وقت الحادثة، وكذا لطبيعة العلاقة التي تربط الطفل بالمعتدي، ولقد بين باحثون مختلفون أن النساء اللاتي تعرضن في طفولتهن لعنف جنسي تظهر عليهن اضطرابات صحية ونفسية متعددة مثل الاكتئاب العميق، القلق المزمن، اضطرابات حسية إدمان الكحول أو المخدرات، الشعور بفقدان السيطرة على المصير والأفكار الانتحارية، وتوجد معطيات تدل على أنه بين الفتيات اللاتي يحملن قبل الأوان سفاحا قبل العشرين من العمر يوجد عدد غير قليل منهن ضحايا الاستغلال الجنسي داخل الأسرة وتختلف نسبتهن بين الباحثين، فهناك من قدرها ب 54% فيما قدرها آخرون في 61%[225].

       فزنا المحارم إذن ينتهك براءة الطفولة بأشد الطرق هدرا وتدميرا وغدرا، لأنها في الوقت الذي تتوقع فيه الحب من والدها وإخوتها وعمها وخالها، تجد نفسها في مواجهة تصرفات غريبة تظنها في أول الأمر تعبيرا عن الحب ولكنها سرعان ما يساورها الشك فيها، لأن من تحبهم وتفرض أنهم يحبونها يتصرفون معها على نحو لا ترتاح إليه ولا تتفهم سببه وهكذا يفسدون التطور الطبيعي للثقة التي يفترض أن تنمو لدى البنت[226] نحو أقاربها الذكور فيقضون على أي فرصة لديها للشعور بالاستقلال والتقدير الذاتي ليحل محلها الشعور بالخوف وكراهية النفس والاشمئزاز مما يدفعها إلى العزلة[227] والإنطواء السبب الذي قد يمهد الطريق أمام الضحية لارتياد الجنوح من بابه الواسع كالهروب من البيت الأسري الذي لم يوفر للضحية الأمن والطمأنينة وتعاطي المخدرات اعتقادا من الضحية بأن المخدرات هي الوسيلة الوحيدة لنسيان ما حصل لها.

       وتزداد خطورة زنا المحارم لكونه جريمة تحاط بسرية وكتمان كبير حيث ناذرا ما تصل إلى علم العدالة الجنائية حتى ولو شاع خبر الجريمة داخـل المحيط الأسـري، لأن هؤلاء يجدون أنفسهم بين مطرقة التبليغ عن الجاني (الذي هو أحد أفراد الأسرة) وبين سندان مصلحة الأسرة لحمايتها من التشتت والانهيار خاصة إذا كان الجاني هو (أب) الضحية ومعيل الأسرة الوحيد.

       وعلى الرغم من هذا التستر، فإن هذه الجريمة تعرض بين الفينة والأخرى على أنظار المحاكم، ففي سنة 1993 مثلا عرضت على محكمة الاستئناف بالدار البيضاء سبع حالات تدخل في خانة زنا المحارم[228]. هذا الواقع تؤكده أيضا دراسات قامت بها هيئات لها وزنها الدولي مثل اليونسيف، إذ ورد في تقرير له حول "العنف ضد النساء" بأن جريمة زنا المحارم والاعتداءات الجنسية الأخرى المرتكبة في حق الأطفال والمراهقين داخل الأسرة تعتبر أخطر أشكال العنف المسكوت عنه، وذلك بسبب اعتبارها من الطبوهات التي يستعصي الجدل فيها في أغلب البلدان، وحسب نفس التقرير أثبتت بعض الدراسات أن نسبة 40% إلى 60% من الاعتداءات الجنسية داخل العائلة والتي تم الإفصاح عنها قد ارتكبت في حق طفلات يبلغن من العمر 15 سنة أو أقل[229]. وحسب الإحصائيات الصادرة عن المرصد الوطني لحقوق الطفل فإن نسبة الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال من طرف الآباء تصل 6%[230] وهي نسبة مرتفعة جدا وهو ما يعكس بجلاء تردي العلاقات داخل بعض الأسر بسبب تراجع الوازع الديني والانحلال الخلقي الذي أصبح سائدا داخل بعض الأسر المغربية، بالإضافة إلى عجز القانون المغربي عن حماية الطفل ضحية هذه الجريمة.

الفقرة الثانية: غياب مفهوم جريمة زنا المحارم في القانون المغربي:

       لقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الأسرة لبنة المجتمع، وجعلت الزواج السبيل الوحيد إلى بنائها، كما جعلت الزواج الطريق الوحيد لتلبية الرغبات الجنسية، وما دون ذلك فهو زنا، ولم تكتف الشريعة الإسلامية بهذا الحد بل منعت الزواج بين الأشخاص الذين تربط بينهم علاقة قرابة سواء كانت قرابة دموية أو كانت قرابة مصاهرة أو رضاع[231]

       وعليه فإن أية علاقة جنسية خارج الإطار الشرعي الذي رسمه الإسلام لها تعتبر زنا وتلقى استهجانا داخل المجتمع ومنتهى التفاحش في هذه الجريمة أن ترتكب بين المحارم، لأن الزنا بالمحارم بالإضافة إلى الأضرار الأخرى التي يشترك فيها مع باقي الجرائم الجنسية مع غير المحارم، فإنه يؤدي إلى تدمير الأسرة وتشتيت أواصر الرحمة أفراد الأسرة[232].

       وإذا ثبت بأن لزنا المحارم خطورة كبيرة على الفرد، الأسرة والمجتمع أتساءل عن موقف القانون الجنائي المغربي من هذه الجريمة؟ بمعنى هل أخذ المشرع بعين الاعتبار أهمية علاقات الحرمة بين الأفراد كمنطلق في التجريم والعقاب على جرائم العرص؟ وهل أخذ المشرع بعين الاعتبار وضعية الطفل الذي يسهل جعله ضحية هذه الجريمة نظرا لضعف إدراكه من جهة وللثقة التي يضعها الطفل في أفراد أسرته من جهة ثانية؟

       بالرجوع إلى القانون الجنائي المغربي نجده لا يتحدث عن جريمة إسمها زنا المحارم، كل ما هنالك أنه اعتبر من خلال بعض النصوص صفة "أصل الطفل الضحية" ظرفا من ظروف التشديد في بعض الجرائم الواقعة على القاصر، كما هو الشأن بالنسبة لجرائم هتك العرض والاغتصاب…

       وحقيقة أن تشديد المشرع المغربي لعقوبة الجاني باعتباره أصلا للضحية في هذه الجرائم، لم يهدف من ورائه حماية أواصر القرابة وحماية العلاقات الخاصة التي تربط بين أفراد الأسرة والتي قد تسبب الصلات الجنسية بين أفرادها إلى انهيارها وإنما كان الهدف من هذا التشدد هو زجر الاعتداءات الجنسية ضد الأطفال[233] من قبل أصولهم حماية للطفل نظرا لضعفه البدني والنفسي من جهة –كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ولإخلالهم بالثقة التي وضعت فيهم اتجاه الطفل من جهة ثانية.

       وما يؤكد صحة هذا القول هو أن المشرع لم يأخذ بعين الاعتبار علاقة القرابة[234] بين الجناة في جريمة الفساد حيث ينص الفصل 490 ق.ج " بأن كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة.." ولم تتم الإشارة في أي مقتضى تابع لهذا الفصل إلى تشديد عقوبة الجناة إذا كانت تربطهم علاقة قرابة، الأمر الذي يظهر بشكل واضح غياب حماية أواصر القرابة في القانون الجنائي المغربي من جريمة فضيعة تستهجنها الأخلاق. 

       ولسد هذه الثغرات، فإنه على المشرع المغربي أن يضع نصا خاصا يجرم الصلات الجنسية بين الأقارب وأن يضع تسمية خاصة لهذه الجريمة، لذلك فإنه في تقديري يجب التوسع في مدلول الفعل الذي يقوم به زنا المحارم على نحو يحقق العلة من العقاب عليه، ومن ناحية أخرى، فإذا كانت علة التجريم هي حماية التناسل والوقاية من الأمراض الوراثية، فإن ذلك لن يتحقق ما دام نطاق القرابة محصور جدا لا يتجاوز أصول الطفل، لذا يجب على المشرع أن يجرم كل العلاقات المحرمية في هذه الجريمة وأن يحدد بدقة من هم المحارم، لأن نصوص القانون الجنائي يجب أن تكون محددة بدقة ولا يكفي تحديد لفظ عام مثل كون الشريك في الصلة الجنسية محرما بل يجب أن يتكفل التشريع ببيان حدود هذه الصلة المحرمية ونطاقها بوضوح، كما يجب على المشرع أن يفرد لهذه الجريمة عقوبات رادعة[235] بالنظر إلى جسامة الأخطار المترتبة عنها سواء بالنسبة للفرد الأسرة أو المجتمع.

       كما يجب على المشرع المغربي أن يضع نصب عينيه قدسية أواصر القرابة التي يجب حمايتها من كل ما من شأنه أن يؤدي إلى زعزعتها وألا يحدو حدو بعض التشريعات النفعية التي حرمت العلاقات الجنسية بين المحارم ليس لقدسية أواصر القرابة وإنما لحماية أطراف ضعيفة فقط كالأطفال أو في حالة استعمال العنف أو الإكراه، أما إذا وقع الاتصال بين شخصين بالغين برضاهما، فإنه لا عقاب في هذه الحالة ما دام الاتصال خال من أي إكراه أو عنف وهذا ما أكدته لجنة مراجعة القانون الجنائي في الولايات المتحدة الأمريكية قائلة، "بأن القانون الجنائي يجب أن يقتصر على تحقيق أهدافه فحسب وان يبحث عن الوسائل الفعالة لتحقيقها وأن الصلات والأفعال الجنسية مهما كانت طبيعتها والتي تقع بالرضاء بين بالغين ليست محلا لتدخل القانون الجنائي مهما كانت أفعالا بغيضة أو مثيرة للاستهجان الأخلاقي وتشكل خطيئة أخلاقية وذلك ما لم ترتكب علنا وأن زنا المحارم بين الأخ وشقيقته البالغين بالرضا يجب أن يخرج من حيز التجريم، وأنه لا يوجد سبب جدير بالاعتبار يدعو إلى تدخل القانون في مثل هذه العلاقات فضلا عن نذرتها، فإنه لا تأثير لها على البنيان الأخلاقي للمجتمع ولا تنطوي على تهديد لنظام الأسرة أو إحداث ضرر بالغير ولا تتضمن كذلك أي عنصر من عناصر الاستغلال، بين طرفيها" وعلى عكس ما انتهت إليه اللجنة من إباحة زنا المحارم بين الأب وابنته فتقول: "إن غالبية أعضاء اللجنة شعر أن زنا المحارم الواقع بين الأب وابنته يتعين أن يبقى في نطاق التحريم والسبب في ذلك هو غلبة الاعتبار الأخلاقي على الاعتبار القانوني والعملي للغريزة وعللت اللجنة هذه التفرقة "بأن الابنة المجني عليها سيصيبها ضرر معنوي محتمل من فعل الأب، وأن هذا الفعل ينطوي على معنى الإفساد والاستغلال وأن المجني عليه تكون في سن تجعلها عرضة للتأثر وأن الأب يكون لديه السلطة في الأسرة[236].

       ولاشك بأنه حتى من منظور التشريعات النفعية التي تحمي الممارسات الجنسية غير المشروعة، فإن زنا المحارم يجد سنده من التجريم لأنه يضر بمصالح العائلة ومن ثم فإنه يلحق بها أضرار بليغة كما يمس المجتمع بدوره بالإضافة إلى إضراره بالنسل وتسببه في العديد من الأمراض الوراثية، كما أنه ينطوي على استغلال جنسي لصغار السن، ولذلك نصت كثير من القوانين التي تبنت النفعية في تشريعاتها على تجريمه فجعلته بذلك استثناء من مبدأ الحرية الجنسية.

       وفي هذا الصدد يمكن القول بأنه لا يوجد أي تبرير علمي يمكن أن يستند عليه المشرع المغربي لعدم عقابه على زنا المحارم، فإذا كانت العديد من القوانين الغربية التي تأخذ بمبدأ الحرية الجنسية كأصل لها في مجال العرض قد جرمته وعاقبت عليه كالقانون الأنجليزي[237] والقانون الألماني[238] والسويسري. فهل يكون المشرع المغربي إذن قد تبنى مبدأ الحرية الجنسية على نحو يفوق ما أخذت به هذه القوانين؟ أم انه لم ير في زنا المحارم فعلا يستوجب العقاب؟ وإذا كان المشرع المغربي قد جرم كثيرا من الأفعال غير المتصلة بالعرض وهي بمعيار الضرر الاجتماعي تقل كثيرا في أهميتها عن زنا المحارم، فهل رأى الشارع المغربي أن الضرر الناجم عن زنا المحارم لا يستهل عقابا؟

       لذا يجب على المشرع المغربي أن يتدخل في أقرب الأوقات لتدارك هذه الثغرة ولإقرار حماية خاصة للطفل من الاعتداءات الجنسية المدمرة التي قد يتعرض لها داخل محيطه الأسري خاصة وأن الواقع يعكس في بعض الحالات تردي العلاقات الأسرية بسبب انتشار بعض أشكال الإساءة الجنسية للأطفال داخل المحيط الأسري، فحسب الإحصائيات الصادرة عن المرصد الوطني لحقوق الطفل، فإن 204 من بين 491.013 طفل معنف تعرضوا للاستغلال الجنسي من طرف أشخاص كبار من بينهم أقرباؤهم في الفترة الممتدة بين دجنبر 2000 وشتنبر 2003[239].

المطلب الثاني:حماية جنائية محدودة للطفل في وضعية صعبة والطفل  ضحية جرائم إهمال الأسرة:

       يعاني الآلاف من الأطفال لوجودهم في وضعيات صعبة أو لوجودهم ضحايا جرائم إهمال الأسرة، وعلى الرغم من إقرار حماية خاصة لهذه الفئة من الأطفال إلا أن هذه الحماية تشوبها بعض الثغرات تجعلها حماية ناقصة.

       هذا ما سأوضح من خلال هذا المطلب، حيث سأخصص الفقرة الأولى لإبراز جوانب قصور الحماية القانونية للطفل في وضعية صعبة باعتباره طفل ضحية سوء المعاملة في كل الأحوال، فيما الفقرة الثانية سأوضح من خلالها بعض جوانب قصور الحماية القانونية للطفل ضحية جرائم إهمال الأسرة.      

       الفقرة الأولى: حماية قانونية ناقصة للطفل في وضعية صعبة:

       إن الطفل في وضعية صعبة هو طفل يعاني ولا يمكن لأي طفل أن يزج بنفسه ضمن هذه الفئة من الأطفال إلا إذا كان قد تعرض لشكل من أشكال سوء المعاملة الجسدية أو النفسية سواء داخل الأسرة، المدرسة أو المجتمع.

       وقد تدخل المشرع المغربي من أجل إقرار حماية خاصة لهذه الفئة من الأطفال التي أصبحت منتشرة بشكل في المجتمع المغربي، إلا أن هذه الحماية تعتبر ناقصة وهو ما سأوضحه من خلال تأمل مقتضيات المادة 513 م.ج.

       نصت هذه المادة على أنه يعتبر الحدث البالغ من العمر أقل من ست عشرة سنة في وضعية صعبة، إذا كانت سلامته البدنية أو الذهنية أو النفسية أو الأخلاقية أو تربيته معرضة للخطر من جراء اختلاطه بأشخاص منحرفين أو معرضين للانحراف أو معروفين بسوء سيرتهم أو من ذوي السوابق في الإجرام، أو إذا تمرد على سلطة أبويه أو حاضنه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو الشخص أو المؤسسة المكلفة برعايته أو لكونه اعتاد الهروب من المؤسسة التي تابع بها دراسته أو تكوينه أو هجر مقر إقامته أو لعدم توفره على مكان صالح يستقر فيه.

       من خلال مقتضيات هذا الفصل يتبين لنا بأن المشرع حدد سن الطفل الذي يمكنه الاستفادة من تدابير حماية الأطفال في وضعية صعبة إذا كان سنه أقل من 16 سنة وهو ما يعني حرمان فئة الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و18 سنة.

       وفي حقيقة الأمر يمكن القول بأن هذه التفرقة في الحماية لا تستند على أساس منطقي أو واقعي بل وتعكس ضعف الحماية القانونية المقررة للطفل حتى اكتمال نضجه البدني والعقلي من جهة كما تعكس عدم انسجام مفهوم الطفل في هذا النص مع المفهوم الذي أعطي له في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل من جهة ثانية، كما أن هذا النص غير منسجم بخصوص تحديد سن الطفل حتى مع باقي مقتضيات المسطرة الجنائية الأخرى التي تضمن حماية ومعاملة خاصة للأطفال إلى حين بلوغ سن 18 سنة من جهة ثالثة.

       ومن خلال تأمل التعريف[240] الذي عرف به هذا الفصل الطفل في وضعية صعبة يتبين لنا أنه مفهوم ضيق لا يستوعب كافة حالات الأطفال الموجودين في وضعية صعبة. حيث أن النص حدد على وجه صريح الحالات التي إذا ما وجد الطفل في إحداها يعتبر في وضعية صعبة وهي إذا كانت سلامته البدنية أو الذهنية أو النفسية أو الأخلاقية أو تربيته معرضة وذلك لعدة أسباب حددها النص على سبيل الحصر وهي: اختلاط الطفل بأشخاص منحرفين أو معرضين للانحراف أو معروفين بسوء سيرتهم أو من ذوي السوابق في الإجرام، أو إذا تمرد على سلطة أبويه أو حاضنه أو الوصي عليه أو المقدم عليه أو كافله أو الشخص أو المؤسسة المكلفة برعايته أو لكونه اعتاد الهروب من المؤسسة التي يتابع بها دراسته أو تكوينه، أو هجر مقر إقامته أو لعدم توفره على مكان صالح يستقر فيه، وهذا موقف منتقد لأن هذا التعداد الحصري يقلص من جانب الحماية خاصة وأن النص لا يمكنه أن يشمل كافة الحالات التي يمكن اعتبارها إساءة معاملة سواء بالفعل أو باللإمتناع.

       وبعبارة أوضح، إن زيادة المشرع المغربي في التعداد يؤكد أنه لم يستوعب بشكل منطقي مفهوم الطفل في وضعية صعبة، ولذلك لم يستطع أن يعبر عنه في هذا النص القانوني ويمكن الاستدلال على هذا القول بأن معظم الحالات المحددة تدخل في نطاق ما يعرف بالانحراف، وهي المادة التي سيطرت مضمونا ومصطلحا على تفكير المشرع المغربي وأصبح لا يفرز غيرها ويمكن تأكيد ذلك بما يلي:

       أولا: إن جل الأفعال المعتبرة خطرا يهدد سلامة الطفل حسب النص مثلا: الاختلاط بأشخاص منحرفين أو التمرد أو الهروب أفعال لا يقومون بها إلا الأطفال الذين يصلون سنا معينا وغالبا ما يكون بعد 12 سنة وهي مرحلة بداية المراهقة ومن المستبعد أن يقوم بها طفل يقل عمره عن 6 سنوات مثلا، وهذا يبين على أن المشرع المغربي لم يفكر قط في الفئة التي يقل عمرها عن 12 سنة وإنما كأنها هاجسه هو حرمان الفئة التي يزيد عمرها عن 16 سنة[241].

       ثانيا: إن هناك العديد من الأطفال المعتبرون في وضعية صعبة من الناحية الواقعية ويفصل بينهم وبين من ذكرهم المشرع المغربي في المادة 513 خندق من اللافهم ومع ذلك فإنهم لا يعتبرون في وضعية صعبة من الناحية القانونية طبقا لهذا الفصل، مثل الأطفال المتخلى عنهم والأطفال المستغلون جنسيا والأطفال ضحايا زنا المحارم وأطفال الأسر المعدمة[242].

       ومن التدابير التي جاء بها المشرع المغربي لحماية الطفل في وضعية صعبة إعطاء الإمكانية لقاضي الأحداث لإيداع الحدث لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر بمركز مقبول ومؤهل لذلك كلما رأى أن حالة الحدث الصحية أو النفسانية أو سلوكه العام تستوجب فحصا دقيقا، إلا أن المشرع لم يحدد أولا من هو المسؤول على إحالة الحدث على قاضي الأحداث وذلك بخلاف القانون الفرنسي الذي يلقي هذه المسؤولية صراحة على الوالدين أو المؤسسة المكلفة برعاية الطفل أو ضباط الشرطة المختصين في قضايا الأحداث تحت طائلة المسؤولية الجنائية في حالة الإخلال بهذا الواجب[243].

       وهو ما يفسر ارتفاع حالات الأطفال في وضعية صعبة في المجتمع المغربي دون أن يتم إحالتهم على قاضي الأحداث لاتخاذ تدابير الحماية الملائمة في حقهم وكأن مسؤولية حماية هذه الفئة لم تلق على عاتق أحد، ويمكن الاستدلال على صحة هذا القول بطفل الشارع[244] الذي أقل ما يمكن القول عنه بأنه يوجد في وضعية أكثر من صعبة، حيث نرى هذه الفئة من الأطفال تجوب كل يوم شوارع المدن، سلامتهم الجسدية والنفسانية والعقلية جد مهددة.

       إذ يوجدون في أوضاع جد مزرية، حيث ينامون في ظروف قاسية معرضين للبرد دون غطاء وفي أماكن غير مريحة ودون أمن وأمام الأزبال والتلوث والضجيع وفي خطر مستمر للتعرض إلى عنف الكبار من المنحرفين والمستردين خاصة الاعتداءات الجنسية، كما ينامون في أبواب بعض الإدارات العمومية والعمارات والحدائق حيث يكون نومهم قليلا ومتقطعا ومضطربا ومأكلهم غير منتظم، ويستنجدون أصحاب المقاهي والمطاعم… ويتعاطون لمختلف أنواع المخدرات[245] خاصة شم بعض المواد السامة التي تدمر…، خلايا الدماغ مثل "الديليو" و"السلسيون"… هذه إذن بعض الظروف المتعلقة بأوضاع هذه الفئة من الأطفال المغاربة في وضعية صعبة وضحايا سوء المعاملة بمختلف أشكالها. وهي كما هو معلوم ظروف قاسية جدا وكأن النص الذي وضع لحماية هذه الفئة من الأطفال غير موجود البتة.

       الفقرة الثانية: حماية جنائية محدودة للطفل ضحية جرائم إهمال الأسرة:

       يعتبر الطفل دائما في حاجة إلى من يحتضنه ليقوم بتوفير مستلزمات حياته من طعام وملبس ومسكن وتطبيب[246]… وإذا ما أهمل أحد الأبوين الملقاة على عاتقه هذه المسؤوليات، فإنه يعتبر مرتكبا لجريمة إهمال الأسرة، إلا أن النيابة العامة لا يمكنها تحريك المتابعة ضد مرتكب هذه الجريمة مباشرة[247] ما لم تتلقى شكاية من الزوج الآخر وذلك على الرغم مما قد يلحق الطفل من أضرار بسبب هذه الجريمة.

       حيث ينص الفصل 481 ق.ج بأنه لا يجوز رفع دعاوى إهمال الأسرة إلا بناء على شكوى من الشخص المهمل أو المستحق للنفقة أو نائبه الشرعي[248] مع الإدلاء بالسند الذي يعتمد عليه، (الحكم القضائي ومحضر الامتناع عن الأداء).

       فإذا كان هذا القيد على ممارسة الدعوى العمومية يهدف إلى ضمان سلامة الأسرة وعدم تفككها عن طريق الشكاوى الطائشة والدعاوى التي تعود بالندم على أصحابها[249] فإنه قد يترتب عنه إضرار بالطفل، فقد يتحاشى أحد الأبوين تقديم الشكوى ضد الأب الآخر المرتكب لجريمة إهمال الأسرة طمعا في عدوله وقد تدوم وضعية الإهمال هاته مدة طويلة وفي ذلك إضرار بليغ بمصالح الطفل[250].

       وبما أن المشرع حدد الأشخاص المسموح لهم بتحريك المتابعة على سبيل الحصر، فإن ذلك طرح بعض الإشكالات في الواقع، كما هو الشأن بالنسبة للولد الذي يوجد تحت حضانة أمه بعد الطلاق مثلا أو في حضانة شخص آخر إذا امتنع أبوه عن أداء النفقة؟ فهل للشخص الحاضن الصلاحية لتحريك الدعوى العمومية؟

       إن الجواب على هذه الأسئلة من الصعوبة بمكان، خصوصا وأننا لا نجد أي نص يتكلم عن ذلك والصعوبة تتفاقم حينما نجد أن الفصل 481 ق.م.م. يقتصر في إعطاء الصلاحية في تحريك الدعوى العمومية للشخص المهمل أو نائبه الشرعي لا غير وإذا رجعنا إلى مدونة الأسرة، نجد أن الشخص الحاضن ليس دائما هو النائب الشرعي طبقا لمقتضيات الفصلين 231 و232 من مدونة الأسرة.

       فاقتصار الفصل 481 ق.ج على تخويل الصلاحية فقط للشخص المهمل أو نائبه الشرعي يعرقل للحاضنة في القيام بواجبها اتجاه المحضون طبقا لمقتضيات المادة 163 من م.أ. "الحضانة حفظ للولد مما قد يضره والقيام بتربيته ومصالحه".

       لهذا وجب على المشرع أن يتدخل لحماية الطفل المهمل بإعطاء الشخص الحاضن الصلاحية لتحريك الدعوى العمومية.

       كما أن من بين الإشكالات التي تثور بهذا الخصوص هي تلك المرتبطة بإلزامية استجواب[251] المتهم وإنذاره طبقا لمقتضيات الفقرة 3 من الفصل 481 التي تنص بأنه "يجب أن يسبق المتابعة إنذار المخل بالواجب أو المدين بالنفقة أن يقوم بما عليه في ظرف خمسة عشر يوما، ويتم هذا الإنذار في شكل استجواب يقوم به أحد ضباط الشرطة القضائية وذلك بناء على طلب من النيابة العمومية". فعلى الرغم من أهمية هذا الإنذار الذي يسبق تحريك المتابعة في حماية الروابط الأسرية من التفكك، فإنه يتطلب مدة لا تقل عن 15 يوما. ويمكن أن تنضاف إليه إشكالية أخرى ممثلة في صعوبة إثبات هذا  النوع من الجرائم، حيث لم ينص المشرع على أية قاعدة استثنائية في هذا المضمار، لهذا فقواعد الحق العام هي التي تطبق حيث الإثبات عبء على المدعي وعليه أن يثبت الفعل الجرمي للمتابع لذا فإنه على النيابة العامة أو المشتكي إثبات جميع الأركان المكونة للجنحة.

       وبخصوص هذه الإشكاليات يقول الأستاذ أحمد الخمليشي: إن هذه الإجراءات عقدت كثيرا المتابعة بإهمال الأسرة، سيما بالنسبة للامتناع عن أداء النفقة، حيث   يتطلب الأمر استصدار حكم قضائي ثم طلب تنفيذه وفقا للإجراءات المادية عن طريق كتابة الضبط، وبعد انتهاء إجراءات كتابة الضبط، ترفع الشكوى إلى النيابة العامة التي تطلب من ضباط الشرطة القضائية استجواب المعني بالأمر وإنذاره بأداء ما عليه داخل أجل 15 يوما كما أن هذه الأعباء التي تتطلب جهدا ماديا متواصلا وتستغرق فترات زمنية غير يسيرة لا تبدو متناسبة مع طبيعة النفقة وعلى الخصوص نفقة الزوجة والأولاد القاصرين[252].

       وأخيرا إذا كانت هذه النقائص تضعف من الحماية المنشودة للطفل من جرائم إساءة المعاملة، فإن هذه الحماية قد تتهدد بشكل أكبر إذا لم تجد النصوص الحمائية آليات قانونية صلبة تسهر على مراقبة مدى تطبيقها.

 

 

المبحث الثاني

 ضعف تطبيق النصوص الحمائية بين قصور آليات الرقابة

 وتشتت النصوص الحمائية:

       تتضمن المنظومة القانونية المغربية عدد غير قليل من المقتضبات الزجرية لحماية الأطفال من مختلف أشكال إساءة المعاملة، لكن للأسف الشديد، كثيرا ما نلاحظ مفارقات كبيرة بين ما تقره هذه النصوص من حماية وبين الواقع الذي يعكس في واضحة النهار الضعف الشديد لهذه الحماية، لتظل بذلك هذه الفئة من الأطفال تكتوي بنار أشكال سوء المعاملة.

       ولعل مكمن هذا التناقض البين يرجع -في نظري المتواضع- لأمرين أساسيين: الأول يتمثل في غياب تفعيل حقيقي للنصوص الحمائية للأطفال بسبب ضعف آليات الرقابة التي من المفروض أن تسهر على مراقبة مدى احترام النصوص الحمائية. هذا الفشل الذريع في تطبيق النصوص الحمائية على أرض الواقع يجعل الطفولة تعيش في وضعية إساءة دائمة، لأن وجود نص قانوني دون تطبيقه على أرض الواقع كعدم وجوده، ولإبراز هذه الحقيقة سأقتصر فقط على نموذج لآلية من آليات الرقابة وهي مؤسسة مفتشية الشغل التي كثيرا ما فشلت في مراقبة مدى احترام النصوص الحمائية للأطفال في ميادين العمل وما يعزز هذا القول هو الواقع المزري الذي تعيشه هذه الفئة من الأطفال التي تتصدر لائحة الأطفال ضحايا سوء المعاملة (المطلب الأول) أما السبب الثاني فيتمثل في تشتت النصوص الحمائية للأطفال وما يترتب عن ذلك من مشاكل في تطبيقها تحد من الحماية المنشودة منها (المطلب الثاني).

 

المطلب الأول: ضعف مفتشية الشغل؛ استدامة لإساءة معاملة الأطفال في ميادين العمل:

       كما سبقت الإشارة فظاهرة تشغيل الأطفال في سن مبكرة أو تشغيلهم في أعمال شاقة وخطرة من بين أشكال سوء المعاملة الأكثر شيوعا داخل المجتمع المغربي، فبعد صدور مدونة الشغل تنفس المهتمون بقضايا الطفولة الصعداء حينما اعتبروا هذه المدونة بلسما لحماية الأطفال من انعكاسات هذه الظاهرة التي سلبتهم طفولتهم، لكونها تضمنت مقتضيات زجرية تصل إلى حد العقوبات الحبسية. إلا أنه سرعان ما خاب هذا الأمل، بعدما أظهر الواقع العجز الشبه التام لهذه المقتضيات الزجرية عن توفير أدنى حماية حقيقية لهذه الفئة من الأطفال ويرجع ذلك في تقديري لعدة أسباب يأتي ضعف مفتشية الشغل كآلية للرقابة في مقدمتها. إذن فما هي أوجه ضعف هذه المؤسسة التي يمكن اعتبارها سببا يحول تفعيل الحماية القانونية؟

       قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من إلقاء نظرة وجيزة على أهم الاختصاصات الموكولة لأعوان تفتيش الشغل.

       إن من أبرز الوظائف التي يطلع بها أعوان تفتيش الشغل هي تلك المتمثلة في بسط الرقابة على محلات العمل للتأكد من مدى احترامهم لمقتضيات الشغل حيث حددت المادة 532م.ش مهام مفتش الشغل كالآتي:

        1- السهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلق بالشغل.

2- إعطاء المشغلين والأجراء معلومات ونصائح تقنية حول أنجع الوسائل لمراعاة الأحكام القانونية.

3- إحاطة السلطة الحكومية المكلفة بالشغل علما بكل نقص أو تجاوز في المقتضيات التشريعية والتنظيمية المعمول بها.

4- إجراء محاولات التصالح في مجال نزاعات الشغل الفردية.

وليتأتى لأعوان تفتيش الشغل القيام بهذه المهام على أحسن وجه فقد سمح المشرع لهم الدخول بكل حرية ودون سابق إعلام إلى كل مؤسسة تخضع لمراقبة مفتشية الشغل في أي وقت من ليل أو نهار م 533 م.ش)، حيث يمكن لهم أن يباشروا كل أنواع المراقبة والبحث والتحري التي يرونها ضرورية للتأكد من أن الأحكام القانونية والتنظيمية مطبقة فعلا ويمكنه أن يعتمد على الخبرة التقنية في هذا الميدان أو باستفسار الأجراء والمشغلين.

       إلا أنه على الرغم من هذه الصلاحيات المهمة التي أعطيت لأطر وأعوان تفتيش الشغل، فإنهم لا يتمكنون في أحسن الأحوال من القيام ولو بجزء يسير من هذه المهام على أحسن وجه، نظرا لتعدد العراقيل التي تصادفهم، الأمر الذي يتسبب في بقاء الطرف الضعيف في علاقات الشغل ضحايا الاستغلال الممنهج خاصة كلما تعلق الأمر بالأطفال.

       ويمكن تصنيف هذه العراقيل إلى قسمين الأولى قانونية والثانية ذاتية، فبالنسبة للعراقيل القانونية فتتمثل في بعض النواقص والثغرات التي تعرقل مهمة مفتش الشغل، فمثلا عندما يجري عون تفتيش الشغل مهمة المراقبة ويكشف خروقات للقوانين أو النصوص التنظيمية للشغل كما هو الشأن مثلا بخصوص عدم احترام المشغل للأحكام المتعلقة بالصحة والسلامة، مثل تشغيل الأطفال في ظروف خطيرة قد تؤذي صحتهم فلا يمكنه في هذه الحالة تحرير محضر ضبطي إلا بعد انصرام الأجل المحدد لإنذاره (م 540 م.ش)، فهذه ثغرة يجب تجاوزها، لأن هذا الإنذار لا يمكن أن يكون له أي وقع على نفسية المشغل الذي يثري لنفسه على حساب أطراف ضعاف مثل الأطفال خاصة إذا غابت أخلاقه ونقص الوازع الديني عنده.

       ويمكن أن نذكر في هذا الصدد أيضا ضعف السلطات الممنوحة لأعوان تفتيش الشغل، فعلى الرغم من اعتبار عون الشغل ضابط من ضباط الشرطة القضائية، فإنه لا يمكنه أن يوجه المحاضر التي يحررها بشأن الخروقات التي يسجلها بمناسبة ممارسة مهمة المراقبة حتى ولو كانت الخروقات المسجلة بالمحضر ترتب مسؤولية جنائية للمشغل كما هو الشأن بالنسبة لحالة العود عند تشغيل أحدات قبل 15 سنة، حيث يتعين على عون تفتيش الشغل في هذه الحالة أن يحرر المحضر في ثلاثة نظائر يوجه واحد إلى المندوب الإقليمي للشغل، فيما نظير آخر من المحضر يوجه إلى مديرية الشغل بالمصالح المركزية ويحتفظ بالنظير الثالث في الملف الخاص بالمؤسسة في حين كان على المشرع أن يمنحه الصلاحية لإحالة المحضر مباشرة على النيابة العامة باعتباره يحمل صفة ضابط شرطة.

       هذه الثغرات القانونية إذن هي التي تفسر صراحة العقاب الشبه التام لقضايا أدين فيها أرباب عمل لتشغيلهم لأطفال تقل أعمارهم عن السن المسموح بها قانونا مع العلم أن الواقع يعج بأطفال يشتغلون قبل السن القانونية بل وفي ظروف مأساوية تهدد صحتهم أخلاقهم بل حياتهم أحيانا.

       وما يزيد هذا الوضع تكريسا هو ضعف الغرامات التي لا تحقق أي ردع بالإضافة إلى طول المساطر وتعقدها حيث يجب على مفتش الشغل أن يحيل المحضر على المندوب الإقليمي للشغل ولا يمكنه أن يوجهه مباشرة إلى القضاء الجنحي وفي ذلك ضياع للوقت قد يستغله المشغل.

       أما بالنسبة للمعيقات الذاتية، هي تلك المرتبطة بجهاز مفتشية الشغل نفسه الذي يعاني من خصاص كبير في أطر وأعوان التفتيش بالمقارنة مع عدد المؤسسات والمعامل التي يسهرون على تفتيشها، فإذا أخذنا على سبيل المثال مدينة فاس، باعتبارها من بين المدن الصناعية بالمغرب، فإننا نجد النفوذ الترابي لمندوبية الشغل يشمل مجموع ولاية فاس بالإضافة إلى إقليم تاونات كما نجد بها بالإضافة إلى دائرة واحدة للفلاحة أربع دوائر للصناعة والتجارة والمهن الحرة، مقابل ذلك فهي لا تتوفر سوى على أربعة مفتشين، أي مفتش واحد لكل دائرة[253]. وأمام هذا النقص الفادح في أطر مفتشية الشغل، فإنهم يضطرون إلى تفتيش بعض المؤسسات والمعامل فقط ويهملون البعض في حين غالبا ما يغضون الطرف عن تفتيش المؤسسات السرية التي تشغل الآلاف من الأطفال في ظروف تنعدم فيها الكرامة الإنسانية.

       ويمكن أن يضاف إلى ذلك ارتفاع عدد الزيارات المخصصة لكل عون من أعوان التفتيش بالإضافة إلى تباعد المؤسسات فيما بينها خاصة مع عدم تخصيص وسائل لتنقلهم الأمر الذي يضطرهم إلى اخذ وسائل تنقلهم الخاصة بالإضافة إلى هزالة التعويضات الجزافية الممنوحة لهم لتغطية مصاريف تنقلاتهم.

       فضلا عن هذه لمعيقات التي تعاني منها مفتشيات الشغل يمكن الحديث عن عراقيل من نوع آخر وهي تلك المرتبطة بأعوان تفتيش الشغل، من حيث ضعف تكوينهن خاصة في بعض الجوانب التقنية التي تتطلب معرفة معمقة بمجالات الشغل للتأكد من كل الجوانب سواء التقنية الاجتماعية أو الاقتصادية لمعرفة مدى احترام المشغل للنصوص القانونية والتنظيمية خاصة وان اللجوء للخبرة في كل الحالات أمر غير يسير.

       وعموما أمام هذه العراقيل والصعوبات المتعددة تبقى مفتشية الشغل مجرد جهاز شكلي عاجز عن القيام بالمهام المنوطة به على أحسن وجه وهو ما يشكل ثغرة كبيرة ينفذ منها بعض أرباب العمل أصحاب النفوس الميالة إلى استغلال براءة الطفولة في سن مبكرة وفي أعمال شاقة وخطرة أحيانا يعجز عن أدائها حتى الشخص المؤهل لها في بعض الأحيان، بسبب هذا الوضع الذي تعيشه مفتشية الشغل إذن تبقى النصوص الحمائية دون تفعيل حقيقي وهو ما يفسر استمرار تشغيل الأطفال ليحتل بذلك الصدارة ضمن لائحة أشكال إساءة معاملة الأطفال بالمجتمع المغربي.

       وأخيرا إذا كان لضعف آليات الرقابة انعكاسات سلبية على الحماية المنشودة للطفل، فإن لعامل تشتت النصوص الحمائية للطفل نفس الانعكاس.

      المطلب الثاني: تشتت النصوص الحمائية للطفل:

       منذ مصادقة المغرب على اتفاقية حقوق الطفل وهو يولي عناية فائقة لحقوق الطفل، حيث عمل على ملاءمة القوانين الداخلية مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها كما هو الشأن بالنسبة للقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية ومدونة الشغل ومدونة الأسرة كما عمل على إنشاء بعض المؤسسات الرسمية أو غير الرسمية من أجل دعم الحماية المرسومة قانونا.

       إلا أن هذه المقتضيات الحمائية تبقى في بعض الأحيان مجرد فسيفساء لإثراء الترسانة القانونية المغربية وما يدعم هذا القول هي الإحصائيات الرسمية أو غير الرسمية التي تعكس وضعا قاتما للطفل المغربي الذي يتعرض لكافة أشكال سوء المعاملة من استغلال جنسي، اقتصادي وإهمال وكذا التعرض لكافة أشكال الاعتداءات الأخرى.

       ويرجع السبب في صعوبة تطبيق هذه المقتضيات الحمائية على أرض الواقع بالإضافة إلى ضعف آليات الرقابة –كما أشرت إلى ذلك أعلاه- إلى تشتت النصوص الحمائية للطفل بين مختلف فروع القوانين حيث نجد القانون الجنائي يتضمن نصوصا تختص بحماية الطفل من الجرائم التي يمكن أن يقع ضحيتها، كما تضمنت المسطرة الجنائية إجراءات خاصة لحماية الطفل سواء جانحا أو ضحية أما مدونة الأسرة فقد تطرقت لحقوق الطفل من نسب وحضانة ونفقة ورضاع… فيما مدونة الشغل تكفلت بحماية الطفل في مجالات الشغل بالإضافة إلى المقتضيات الحمائية الأخرى المشتتة بين مختلف فروع القانون الأخرى.

       ومما لاشك فيه أن هذا التشتت الذي تعرفه النصوص الحمائية للطفل بالمغرب يوازيه تعدد في الفلسفات التي تكون روح لكل مجموعة من القواعد القانونية بحسب انتمائها إلى إحدى التصنيفات القانونية الموجودة لكن هذا لا يعني أن هناك حواجز بين هذه النصوص إذ كلا منها يتمم الآخر وهدفها جميعا هو صيانة حقوق الطفل من كل اعتداء أو تلاعب كما يراد لها نظريا في الحلول الشيء الذي ينتج عنه وجود ثغرات قانونية يقع ضحيتها الطفل، إذ قد يؤدي عدم القيام بإجراء قانوني إلى عدم تمتع الطفل ببقية حقوقه ونذكر على سبيل المثال عدم تسجيله في الحالة المدنية مما قد يترتب عنه عدم الاعتراف بواقعة شرعية تثبت نسبه ويكرس الأمر في حالة غياب أدلة قانونية تثبت ميلاد الطفل داخل الأجل الشرعي لمدة الحمل كما في حالة الولادة داخل المنازل ولا توجد وثائق رسمية تثبتها مما يؤدي في حالة التخلي عن الطفل إلى اعتباره مهملا بل أكثر من ذلك أن ينعت غالبا بأنه ابن سفاح، وفي ذلك إضرار بليغ بنفسية الطفل ومن ثم يكون القانون قد كرس النظرة الواقعية لهذه الفئة التي أصبحت تتفاقم أكثر فأكثر وهي الصورة التي يتعين على القضاء تصحيحها. وهذه الأمثلة ما هي إلا غيض من فيض للواقع القانوني للطفل في المغرب الأمر الذي يتولد عنه انفلات اجتماعي خطير فنجد الآلاف من الأطفال المهملين والمشردين وعدد كبير من الأطفال مشتغلين في ميادين الشغل بشكل لا إنساني[254].

       ولهذا التشتت بطبيعة الحال انعكاس على تحديد الجهات القضائية المعينة بحماية الطفل، فبالنسبة للحماية مثلا نجد هيئات قضائية متعددة تطلع بهذا الدور لأن النصوص الزجرية لا يقتصر تواجدها في مدونة القانون الجنائي فحسب، بل إنها موزعة على فروع قانونية أخرى كما هو الشأن بالنسبة للنصوص الزجرية التي تضمنتها مدونة الشغل أو مدونة الأسرة مثلا، السبب الذي يؤدي حتما إلى تعدد الجهات القضائية التي تنظر في قضايا الأطفال، لأن توزيع اختصاص المحاكم يتم بالنظر إلى طبيعة المادة التي تنظم القضية موضوع الطلب.  

       وعليه فإن من بين نتائج هذا التشتت الذي تعرفه النصوص القانونية وكذا الجهات القضائية التي تنظر في قضايا الطفولة، تضارب في تحديد المصلحة الفضلى للطفل.

       ولتجاوز هذه النقائض أدعو المشرع المغربي أن يبادر إلى الإسراع لإخراج مدونة قانونية خاصة بالطفل تراعي خصوصياته ومصلحته الفضلى، هذه المدونة حتما ستمهد الطريق لإنشاء مؤسسة قضائية خاصة بالأطفال يتميز أعضاؤها بتكوين خاص في مجال الأسرة والطفولة لضمان فعالية أكثر في تحقيق الحماية المنشودة للأطفال عموما ولفئة الأطفال ضحايا سوء المعاملة على وجه الخصوص.

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

الحماية القضائية للطفل ضحية سوء المعاملة.

إن من بين الحقوق الأساسية التي يجب أن تضمن للإنسان عموما، للطفل ضحية سوء المعاملة على وجه الخصوص حق اللجوء إلى القضاء لطلب الدفاع عن نفسه سواء لطلب تحريك المتابعة ضد الجاني لزجره عما اقترفت يداه في حق الطفل أو للمطالبة بإقامة الدعوى المدنية للتعويض عن الأضرار التي لحقته سواء إثر المساس بكيانه المادي أو المعنوي، لكن هذا الحق لا يمكن أن يتحقق ما لم يقيم الطفل دليلا على ما تعرض له من أفعال سوء المعاملة نظرا لما تثيره هذه الأخيرة من إشكاليات كبرى في الإثبات وهنا تظهر أهمية دور القاضي في تقدير وسائل الإثبات كلها للوصول إلى حقيقة الاعتداءات التي تستهدف الطفل.

وبما أن الأبحاث العلمية التي قام بها علماء الضحية أثبتت بأن هذه الأخيرة تعاني آلاما مريرة جراء الاعتداء عليها، فإن دور القاضي لا يمكن أن يقتصر على زجر الجاني وتعويض الطفل الضحية بل يتعدى ذلك باتخاذ تدابير خاصة لتأهيل الضحية لإخراجها من دوامة الآلام التي تعاني منها.

وإيمانا منا بأهمية دور القضاء في حماية الطفل الضحية سأعمل على تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين:

المبحث الأول: الضمانات القضائية لحماية الطفل الضحية.

المبحث الثاني: حق الطفل ضحية سوء المعاملة في التأهيل والتعويض.

 

المبحث الأول

 دور القضاء في حماية الطفل ضحية سوء المعاملة.

       تتجلى الضمانات القضائية التي يقرها المشرع حماية لمصالح الضحية في تمكينه من حقه في اللجوء إلى القضاء لطلب تحريك المتابعة ضد الجاني لينال عقابه وكذا حق إثارة الدعوى المدنية لطلب جبر الأضرار الناجمة عن الجرم (المطلب الأول) ولكي تتمتع الضحية بهذه الضمانات يجب إثبات الجرم الواقع عليها ونسبته إلى المتهم الحقيقي وهو أمر صعب بالنسبة للطفل الضحية، لذلك فإن الأمر يستدعي بذل القاضي المعروضة عليه القضية لجهد كبير عند تقدير القيمة الإثباتية لوسائل الإثبات الممكنة لكي لا تضيع حقوق الطفل أمام القضاء (المطلب الثاني).

       المطلب الأول: الضمانات القضائية لحماية الطفل الضحية.

       إن أبسط حق يجب الإقرار به للمجني عليه هو حقه في ملاحقة  الجاني قضائيا لينال جزاء الجرم الذي ارتكبه (الفقرة الأولى) وكذا تمكينه من حقه في إثارة الدعوى المدنية التابعة للمطالبة بالتعويض عن الضرر أمام المحاكم الزجرية لما لذلك من أثر في تخفيف عبء المصاريف القضائية عنه (الفقرة الثانية).

       الفقرة الأولى: إقامة الدعوى العمومية ضد الجاني:

       إن الدعوى العمومية ملك للمجتمع باعتبارها وسيلة لتوقيع الجزاء على مرتكبي الجرائم وقد عهدت نصوص المسطرة الجنائية إلى هيئة أو جهاز بإثارة الدعوى العمومية باسم المجتمع هذا الجهاز هو النيابة العامة إلى جانب ذلك سمح القانون لبعض الأشخاص أو الهيئات بإثارة الدعوى في حدود معينة حيث نصت المادة 2 ق.م.ج. بأنه "يقيم الدعوى العمومية ويمارسها قضاة النيابة العامة، كما يمكن أن يقيمها الطرف المتضرر طبقا لشروط محددة".

       كل ما يهمنا من هذا المقتضى هو حق المتضرر من الجريمة في إقامة الدعوى العمومية في جميع الجرائم التي لحقت به ضررا شخصيا[255]. وعليه فهل يحق للطفل المتضرر من جرائم إساءة المعاملة أن يقيم الدعوى العمومية ضد الجاني؟

       قبل الإجابة عن هذا السؤال تجدر الإشارة بأن حق المجني عليه عموما لا ينصب على الدعوى العمومية مباشرة فيحركها، وإنما ينصب على وسيلة أو وسائل يتيح له القانون استعمالها فيحرك بهذا الاستعمال الدعوى العمومية بالعقاب عن الجريمة التي سببت الضرر[256].

       فطبيعي إذن أنه لا يعتبر كافيا أن تكون لمن يستعمل هذا الحق صفة المجني عليه، بل يلزم أن يتوافر فيه إلى جانب ذلك شرطان هما المصلحة في الادعاء والأهلية، فإذا كان الشرط الأول لا يثير إشكالا باعتباره خاص بكل المجني عليهم، فإن شرط الأهلية يثير إشكالا بالنسبة للطفل، لأنه لازال قاصرا، إذن فما هو مضمون أهلية الإدعاء؟ وهل يحق للطفل الضحية أن يتمتع بهذا الحق؟

       تشتمل أهلية الإدعاء التمتع بالحق في التقاضي وأهلية مباشرة هذا الحق، فالحق في التقاضي هو أحد الحقوق التي يتمتع بها الشخص سواء كان معنويا أو طبيعيا شريطة توفره على الأهلية التي تكفل له حق التقاضي، وبما أن الطفل يعتبر غير كامل الأهلية، فلا يمكنه إثارة الدعوى العمومية، ومن تم فإن وليه القانوني هو الذي يمكنه أن يثير الدعوى العمومية   عوضا عنه.

       وارتباطا بأهلية القاصر في إثارة الدعوى العمومية، فكثيرا ما يشترط القانون تقديم الشكاية لتحريك المتابعة ضد الجاني، فهل يحق للقاصر أن يقوم بهذا الإجراء بنفسه؟ وإذا كان غير مؤهل لذلك، وكان له ولي للنفس وآخر للمال فمن يؤهل منها للقيام به؟

       إن الإجابة عن السؤال الأول تقتضي التمييز بين الصغير دون سن التمييز (12 سنة) والصغير المميز.

       فبالنسبة للصغير دون سن التمييز غير مؤهل إطلاقا لتقديم الشكاية لأن المادة 217 من مدونة الأسرة تجعله فاقدا للأهلية مباشرة حقوقه المدنية ورفع الشكوى يدخل ضمن هذه الحقوق فلا يقدمها إذن إلا ولي القاصر.

       أما الصغير المميز فيقدم الشكاية عنه وليه باعتبار أن هذا التقديم يتوقف على تقدير ما تجلبه من منافع وأضرار وهو ما لا يتأتى للقاصر القيام به بسبب صغر سنه، ومع هذا المبدأ، فإن القاصر البالغ يؤهل لتقديم الشكاية لأن البلوغ ينهي الحجر على النفس في سائر المذاهب الفقهية ولكن يبقى غير متوفر على أهلية التقاضي ما لم يتم سن الرشد القانوني[257].

       أما بالنسبة للسؤال الثاني فلا شك أن ولي النفس هو المؤهل لتقديم الشكاية أو عدم تقديمها، لأن ذلك يتعلق بتقدير الاعتبارات والمصالح المعنوية التي قد تسيء إليها المتابعة، وولي النفس هو المكلف برعايته وهو المكلف برعاية هذه المصالح وتوجيه القاصر في المحافظة عليها، فإذا تعرض قاصر لقذف[258] مثلا وكانت أخته مقدمة عليه ويخضع في الولاية على النفس إلى أخيه، فإن الأخ هو الذي يحق له تقديم الشكاية بالقاذف دون الأخت، لأن المتابعة قد تضر معنويا بالقاصر وتسيء إلى سمعته وعلاقاته العائلية، والذي يسهر على توجيه القاصر في هذا المجال وفي سلوكه عموما هو ولي النفس دون ولي المال الذي تقتصر صلاحياته على إدارة المال وتنميته[259].

       وعلى الرغم من اعتبار المشرع الشكاية أمرا ضروريا لتحريك المتابعة في بعض الجرائم مراعاة لمصلحة المتضرر وتقديمها على حق المجتمع في المتابعة كما هو الشأن بالنسبة لاشتراط الشكاية من أجل تحريك المتابعة في جرائم إهمال الأسرة والإمتناع عن أداء النفقة مراعاة لمصلحة الأسرة، فإن المشرع نص على مقتضى استثنائي بخصوص هذه الجريمة بموجبه يمكن للنيابة العامة تحريك المتابعة مباشرة ضد الجاني متى كان نائبا شرعيا للقاصر لتعارض مصلحة القاصر ووليه لأن هذا الأخير لا يمكنه أن يحرك المتابعة ضد نفسه.

       هذا التعارض نفسه، بين مصلحة القاصر ووليه هو الذي حدا بالمشرع المغربي عند تعرضه في المادة 5 ق.م.ج لمدد تقادم الدعاوى العمومية إلى التنصيص على أنه "إذا كان الضحية قاصرا وتعرض لاعتداء جرمي ارتكبه في حقه أحد أصوله أو من له عليه رعاية أو كفالة أو سلطة، فإن أمد التقادم يبدأ في السريان من جديد لنفس المدة ابتداء من تاريخ بلوغ الضحية سن الرشد المدني". هذا المقتضى إذن سيمكن الطفل الذي تعرض لجرائم سوء المعاملة من طرف أصوله أو من له سلطة عليه أو من الشخص المكلف برعايته من طلب تحريك المتابعة الجنائية في حقهم عند بلوغه سن الرشد.

       وعليه يمكن اعتبار هذه المقتضيات من الحسنات التي تحسب لصالح المشرع المغربي لمراعاته مصالح الطفل الضحية من أي تعسف أو حيف.

       وبعد أن تطرقت للأحكام المنظمة لحق الطفل الضحية في إثارة الدعوى العمومية أتسائل عن المبادئ المؤطرة لعمل النيابة العمومية حماية لمصالح الطفل الضحية؟

 

 

       إن أهم مبدأ يؤطر عمل النيابة هو أنها في حدود اختصاصها المكاني والنوعي والشخصي حرة في أن تتابع أو لا تتابع وهو ما يدعى بقاعدة ملائمة المتابعة[260]. إلا أن السلطة التقديرية هذه الممنوحة للنيابة العامة قد يترتب عنها نوع من التجاوز من طرف النيابة العامة بامتناعها أحيانا عن المتابعة تقصيرا أو تعسفا[261] وفي ذلك إضرار بمصالح الضحية عموما والطفل الضحية على وجه الخصوص، فقد تكون النيابة العامة ميالة إلى المغالاة في الرأفة وإلى مضاعفة الامتناع، عن اتخاذ الإجراءات المسطرية لإقامة الدعوى العمومية إما لعدم معرفة الجاني وإما لخضوع جهة التحقيق لضغوط ما من جانب الجاني أو من جانب محاميه[262].

       وبناء على ما سبق يمكن القول بأن السلطة التقديرية الممنوحة للنيابة العامة بخصوص إثارة الدعوى العمومية وعلى الرغم من مزاياها، فإنه قد تترتب عنها أضرار بمصالح الطفل الضحية لأنه بموجب هذه السلطة التقديرية تصبح النيابة العامة محكمة تتولى تقدير قيمه وسائل الإثبات مع أن هذا ليس من اختصاصها بالإضافة إلى انه يسهل عليها إمكانية التحيز والمحاباة[263].

       ولتجاوز هذا الإشكال نقترح أن تكون علاقة النيابة العامة بقاضي الأحداث علاقة تشارك حيث تتنازل النيابة العامة عن بعض اختصاصاتها، وفي مقدمتها حق غربلة القضايا التي تصل إلى علمها وجعل قاضي الأطفال هو المختص باستقبال الآباء والمسؤولين عن الأطفال وبعد المناقشة الضرورية وإذا تبين للقاضي جدية الطلب خاصة من قبل غير الأبوين يكلف النيابة العامة بإجراء بحث للتأكد، أما إذا كان القاضي يتوفر على أدلة تكون اعتقاده بشكل جازم بأن الطفل ضحية فعلا أو في خطر حقيقي، فإنه يصبح مختصا ضمنيا أضف إلى ذلك أن التشاور مع قاضي الأطفال كمؤسسة قائمة على فلسفة الحماية قد يشجع الآباء على اللجوء إليها طلبا للمساعدة بدل اعتمادهم لسياسة التستر التي ساهمت في انفجار المتشردين والمنحرفين والأطفال المستغلين جنسيا".

       كما أن من بين الأدوار الجديدة المنوطة بالنيابة العامـة بموجـب قانون المسطرة الجنائية الجديدة رقم 01-22 إطلاعها بدور هام يتمثل في السهر على مسطرة الصلح في المخالفات وبعض الجنح سواء قبل تحريك الدعوى العمومية أو بعد تحريكها حيث يمكن للمحكمة إيقاف سير الدعوى العمومية ما لم تكن قد بثت فيها بحكم نهائي –بناء على ملتمس من النيابة العامة في حالة تنازل المتضرر من الفعل الجرمي عن شكايته كلما تعلق الأمر بجريمة يعاقب عليها القانون بسنتين حبسا أو أقل أو بجريمة يعاقب عليها بغرامة مالية لا يتجاوز حدها الأقصى خمسة آلاف درهم. وعلى الرغم من أن لهذه الصلاحيات الجديدة التي أسند قانون المسطرة الجنائية للنيابة العامة الإطلاع بها إيجابيات عدة ترمي إلى رأب الصدع والإبقاء على وشائج المودة والتآخي بين أفراد المجتمع والنظر بعين المرشد الإنساني من أجل التخلي عن الدعوى العمومية لتحقيق غاية أسمى قد لا تحققها العقوبة[264]. إلا أن هذا الصلح في بعض الأحيان قد يأتي على حساب حقوق الطفل الضحية خاصة وأن الذي يتولى هذا الصلح هو وليه القانوني الذي قد يلجأ إليه لمصلحة ما تربطه بالجاني أو بهدف الحفاظ على الترابط العائلي ولو كان الصلح في غير مصلحة الطفل، لذا على النيابة العامة أن تراعي مصلحة الطفل الضحية عند طلب إجراء مسطرة الصلح خاصة وأن الفصل 41 من قانون المسطرة الجنائية يشترط لقبول إجراء الصلح موافقة وكيل الملك.

       وعموما إذا كانت قواعد العدالة تقتضي تمكين الضحية من متابعة الجاني، فإن ثمة إشكالات تثور بخصوص تطبيق هذا الحق من بينها مشكلة عدم التبليغ بجرائم إساءة معاملة الأطفال، نظرا لما تتميز به هذه الجرائم من سرية وكتمان من جهة ولوجود الطفل في موقف ضعف لسهولة تهديده أو إكراهه للتراجع عن التبليغ بالجرائم الواقعة عليه أو حتى مجرد البوح بها لولي أمره من جهة ثانية.

       ولحماية مصالح الطفل الضحية في هذه الحالة أقترح أن تكون علاقة النيابة العامة بالأسرة مبنية على الثقة والتعاون من أجل مصلحة الطفل.

       ويبقى الأمل قائما على المؤسسات التعليمية والصحية وكذا الشرطة ومؤسسات المجتمع المدني ممثلة بالجمعيات للتبليغ عن الجرائم التي يروح ضحيتها الأطفال.

       وتظهر أهمية المجتمع المدني في التبليغ عن الجرائم التي يقع الأطفال ضحيتها من خلال الاتفاقية الثنائية التي أبرمت بين وزارة العدل والمرصد الوطني لحقوق الطفل والتي تضمنت في إحدى بنودها، بندا تعهد فيه المرصد الوطني لحقوق الطفل بالتبليغ عن حالات إساءة معاملة الأطفال إلى العدالة لينال الجاني عقابه.

       كما أن الالتزام نفسه يقع على عاتق الأطر التعليمية والصحية التي يجب عليها أن تبلغ بحالات سوء معاملة الأطفال التي تصل إلى علمها خاصة وأن المشرع أعفى الأطباء والجراحون وملاحظوا الصحة… من العقاب إذا بلغوا عن إجهاض علموا به بمناسبة ممارسة مهنتهم أو وظيفتهم، أو إذا بلغوا السلطات القضائية أو الإدارية المختصة عن ارتكاب أفعال إجرامية أو سوء معاملة أو الحرمان في حق أطفال دون الثامنة عشرة علموا بها بمناسبة ممارسة مهنتهم أو وظيفتهم.

       وختاما إذا تضافرت جهود كل هذه الجهات للتبليغ عن جرائم إساءة معاملة الأطفال تكون قد مكنت الطفل الضحية من حقه في متابعة الجاني لزجره عما اقترفت يداه، ولتمكين الطفل أيضا من حقوقه الأخرى التي يمكن طلبها أمام العدالة، كالحق في إقامة الدعوى المدنية التابعة.

الفقرة الثانية: الحق في المطالبة بالتعويض عن طريق الدعوى المدنية التابعة:

       لقد أتاح قانون المسطرة الجنائية للأشخاص المصابين بأضرار نابعة مباشرة من الواقعة الإجرامية أن يلجؤوا حسب اختيارهم إلى المطالبة بالتعويض عنها إما لدى المحاكم المدنية وذلك هو الأصل وإما لدى المحاكم الزجرية حيث ترفع الدعوى المدنية موازاة مع الدعوى الجنائية ويعد هذا استثناء من القاعدة العامة[265] التي توجب رفع الدعوى المدنية أمام القضاء المدني وقد أقره المادة 9 م.ج التي تقضي بأنه "يمكن إقامة الدعوى المدنية والدعوى العمومية في آن واحد أمام المحكمة الزجرية المحالة إليها الدعوى العمومية".

       ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن إقامة الدعوى المدنية التابعة حق للضحية يمكن أن تمارسه دون إشكال متى تضررت شخصيا ومباشرة من الجريمة، وبما أن المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي أحدثته الجريمة يعتبر حقا ماليا للضحية، فإن هذه الأخيرة لا يمكنها إقامة الدعوى المدنية التابعة ما لم تتوفر على الأهلية القانونية.

       وإذا كانت الأهلية مسطريا هي صلاحية الشخص لأن يرفع الدعوى أو ترفع ضده[266] فإن الطفل لا يمكنه أن يقيم الدعوى المدنية التابعة للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق به جراء جرائم إساءة المعاملة لانعدام أو نقص أهليته، ومن ثم فإن وليه القانوني هو الذي يرفعها نيابة عنه سواء تعلق الأمر بوليه أو وصيه أو بالمقدم عليه، وهذا ما قضت به المادة 352 من ق.م.ج بأنه "لا يجوز للأشخاص الذين ليست لهم أهلية ممارسة حقوقهم المدنية أن يقيموا الدعوى المدنية، إلا بإذن من ممثلهم القانوني أو بمساعدته".

       أما إذا لم يكن للقاصر ممثل قانوني، فإن المحكمة تعين له وكيلا لهذا الغرض ليقيم الدعوى المدنية التابعة نيابة عنه بناء على ملتمس من النيابة العامة كما تقضي بذلك المادة 353 ق.م.ج التي تنص على أنه "إذا كان الشخص الذي يدعي الضرر غير مؤهل لتقديم الطلب بنفسه بسبب مرض عقلي أو بسبب قصوره ولم يكن له ممثل قانوني فللمحكمة أن تعين له لهذا الغرض وكيلا خصوصيا بناء على ملتمس من النيابة العامة" لكن ما الحكم إذا تعارضت مصلحة ناقص الأهلية مع من يمثله قانونا، كان يكون فاعل الجرم هو ممثل القاصر؟

       كثيرا ما يقع مثل هذا التعارض في المصالح بين القاصر ووليه القانوني في الواقع العملي، لأن جرائم إساءة معاملة الأطفال كما يمكن أن تصدر عن الشخص الأجنبي عن الطفل يمكن أن تصدر أيضا عن وليه القانوني ولحل مثل هذا الإشكال ألزمت المادة 353 ق.م.ج الهيئة القضائية المحالة عليها الأفعال المرتكبة في حق القاصر أن تعين له وكيلا خصوصيا ليقوم بتقديم المطالب المدانية لفائدته.

       وإذا كان يحق للطفل الضحية أن يقيم الدعوى المدنية التابعة عن طريق ممثله القانوني أو وكيل خصوصي تعينه المحكمة، فهل يحق لأقرباء الطفل الضحية اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض عن الأضرار النفسية التي قد تلحقهم بسبب الاعتداء الذي وقع ضحيته طفل ينتمي لأسرتهم، خاصة بالنسبة للأم والإخوة الصغار الذين يعيشون في مثل هذه الحالات آلاما وأحزانا كبيرة؟

       للإجابة عن هذا السؤال يمكن القول أولا بأنه لا يكفي للمطالبة المدنية أن يكون الضرر الذي تعرض له الطفل محققا وإنما ينبغي إلى جانب ذلك أن يكون شخصيا ويقرر هذا الشرط صريح المادة 7 م.ج التي تخول حق رفع الدعوى المدنية لمن لحقه شخصيا ضرر ذاتي أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة[267]. ويؤكد ذلك المجلس الأعلى في قراره رقم 338 المؤرخ في 13/2/1975 الذي قضى بأن "الدعوى المدنية  لا تسمع أمام المحاكم الجزائية إلا من الطرف الذي تضرر شخصيا ومباشرة من الجرم الذي نشأ عنه الضرر" والحكمة من هذا الشرط هي إبعاد الفضوليين والمتطفلين الذين ليست لديهم مصلحة جدية في رفع الدعوى المدنية التابعة. ومن المؤكد أن الذي لم يلحقه أي ضرر من الجريمة لا صفة له في رفع الدعوى المدنية التابعة ما لم يكن نائبا بحكم القانون أو الاتفاق عن المتضرر المباشر حيث يرجع في ذلك إلى القواعد العامة فليس هناك إمكانية للتطوع قصد رفع الدعوى المدنية لفائدة الغير الذي كان ضحية للجريمة، خاصة وأن حق إقامة الدعوى المدنية أمام المحاكم الزجرية قصد المطالبة بالتعويض عن الضرر هو حق استثنائي يحرص الاجتهاد القضائي على قصره على الضحايا المباشرين للجريمة وعدم التوسع فيه[268].

       وإذا كان هذا التوجه يحرم صراحة    كل شخص غير متضرر مباشرة من الجريمة من حقه في طلب التعويض المتمثل في الآلام النفسية التي ألمت به جراء الجرم الذي لحق أحد أقربائه، فإنه بعيد كل البعد عن مبادئ العدالة والإنصاف خاصة إذا تعلق الأمر بأبوي وإخوة الطفل ضحية سوء المعاملة الذين يكابدون آلاما نفسية بليغة. لذا في تقديري يجب تمكينهم من مباشرة هذا الحق أمام المحاكم الزجرية حتى وإن كانوا يصطدمون في الواقع بصعوبات كبرى لإثبات هذا النوع من الضرر.

       وخاتمة القول إذا كان يحق للولي القانوني للطفل المجني عليه أن يلاحق الجاني لزجره عن طريق إقامة الدعوى العمومية، أو مطالبته بالتعويض عن الأضرار التي لحقت الطفل بسبب الجريمة عن طريق إثارة الدعوى المدنية التابعة، فإن هذا الحق يبقى رهينا بمدى القدرة على إثبات الفعل الجرمي الواقع على الطفل ونسبته إلى الجاني الحقيقي، وهذا لن يتأتى طبعا ما لم يطلع القاضي الزجري المعروضة أمامه القضية بدور كبير في تقدير وسائل الإثبات المعروضة عليه ما دامت جرائم إساءة معاملة الأطفال تحاط بسرية كبيرة تعقد مأمورية إثباتها.

المطلب الثاني: سلطة القاضي الزجري في تقدير وسائل الإثبات؛ ضمانة لحماية حق الطفل الضحية.

       يقصد بالإثبات في المواد الجنائية إقامة الدليل على وقوع الجريمة وعلى نسبتها إلى المتهم فيراد به إثبات الوقائع  لا بيان وجهة نظر الشارع وحقيقة قصده، ويختلف في هذا الصدد دور كل من القاضي الجنائي والقاضي المدني، فبينما القاضي المدني دوره سلبي يقتصر على مجرد تقدير الأدلة التي قدمها الخصوم وترجيح بعضها على البعض، نجد القاضي الجنائي يقوم بدور إيجابي بحثا عن الحقيقة بأي طريق مشروع[269] خاصة كلما تعلق الأمر بالجرائم الواقعة على الأطفال، حيث تواجه العدالة الجنائية صعوبات كبيرة في إثباتها.

       ولتجاوز صعوبات الإثبات في الجرائم الواقعة على الأطفال ينبغي على القاضي أن يطلع بدور إيجابي جدا بتحري كل وسائل الإثبات الممكنة[270] من أجل تكوين قناعته سواء كانت وسائل الإثبات هذه قضائية (الفقرة الأولى) أو كانت علمية (الفقرة الثانية).

       الفقرة الأولى: سلطة القاضي الزجري في تقدير وسائل الإثبات القضائية.

       يتيح نظام الإثبات الوجداني للقاضي سلطة واسعة لتقدير قيمة ما يعرض عليه من الحجج في النازلة التي يبث فيها، وعلى هذا الأساس سمي بنظام الإثبات القضائي الذي يعتمد على إقامة الدليل أمام القضاء بالطريقة التي يحددها القانون على وجود حق متنازع فيه.

       وبالنظر إلى تعدد وسائل الإثبات القضائية، من اعتراف ومستندات كتابية وشهادات، فإنه يمكن للقاضي أن يزيح الغموض عن الجرائم التي يقع الطفل ضحية لها. وإذا كانت القرائن والاعتراف والمستندات الكتابية لا تطرح إشكالا في إثبات الجرائم الواقعة على الأطفال، فإن الشهادة تثير أكثر من إشكال لذلك سأقتصر ضمن هذه الفقرة الحديث عن أهمية الشهادة في إثبات جرائم إساءة معاملة الأطفال ودور القاضي في تقدير قيمتها الإثباتية.

       يقصد بالشهادة إثبات واقعة معينة من خلال ما يقوله أحد الأشخاص عما شاهده أو سمعه أو أدركه بحواسه من هذه الواقعة بطريقة مباشرة[271] ونسبتها إلى المتهم وهي وسيلة إثبات أساسية أمام المحاكم الزجرية حيث يعسر أحيانا أو يتعذر اللجوء إلى الإثبات بوسائل أخرى كالكتابة أو القرائن المستخلصة من أبحاث علمية ويمكن القول عموما بأن الشهود هم "عيون العدالة وآدانها" وعن طريقهم يتجلى أحد الأدوار الأساسية التي يمكن أن يقوم بها المواطن لمساعدتها على أداء مهامها السامية[272].

       وإذا كانت الشهادة عماد الإثبات في الميدان الزجري، فقد أعطيت لها قيمة أكثر من اللازم نظرا لأدائها تحت القسم، والواقع أنه ينبغي الاحتراز من ذلك لأن القسم ليس له عمليا نفس الوزن عند كل الأشخاص وتتميز الشهادة في حقيقة الأمر بنسبيتها، فهي ليست دائما ترجمة صادقة وأمنية لما حدث بالفعل وقد يكون ذلك مقصودا لأغراض مشبوهة شتى كالحقد أو الطمع أو الخوف وما إلى ذلك، كما قد يكون غير مقصود وتأتي الشهادة مغلوطة. ذلك أن الشهادة دائما رهينة بسلامة الحواس التي    اعتمد عليها الشاهد لتلقي المعلومات المدلى بها وهي لا تسلم على الدوام من وجوه الضعف الظاهرة أو الخفية، كما أنها مرهونة بسلامة كافة مكونات إدراكه ومن جملتها شخصيته ككل[273].

       ولما كان أداء الشهادة يعبر عن نوع من التضامن مع الضوابط التي يحددها المجتمع في شكل قانون لحماية كيانه من الاعتداءات التي قد تطاله، فإن أداءها يعد واجبا بالنسبة لكل شخص بعد أداء اليمين القانونية، غير أن المشرع اعتبر شهادة بعض الأشخاص مجرد بيانات يستأنس بها القاضي كما هو الشأن بالنسبة للقاصر والأقارب حيث يعفون من أداء اليمين القانونية[274].

       ومن الأكيد أن تقع جريمة من جرائم إساءة معاملة الطفل فلا تجد المحكمة شهودا آخرين غير أطفال وجدوا معه وقت ارتكاب الجريمة، لذا فإنه على القاضي في هذه الحالة أن يأخذ بتصريحات القاصرين الذين عاينوا الجرم، متى حصل له اقتناع صميم بما أدلوا به، لأن شهادة القاصر، حتى ولو كانت مجرد تصريح يستأنس به القاضي، يمكن ترجيحها على شهادة من أدوا اليمين القانونية وأقسموا على قول الحق ما دام نظام الإثبات الوجداني يمكن القاضي الزجري بأن يعطي لأقوال الطفل على الرغم من عدم أدائه اليمين القانونية قيمة مماثلة أو زائدة على أقوال الشاهد الذي أدى اليمين القانونية.  

       وما يعزز هذا الطرح، هو أن المشرع أعطى للقاضي حرية واسعة لتقدير القيمة الإثباتية للشهادة –إلا ما استثني منها- ويسانده في ذلك الفقه والاجتهاد القضائي، فقد جاء في قرار للمجلس الأعلى "وحيث إنه من جهة أخرى فإن الأخذ بشهادة الشهود أو عدم الأخذ بها موكول إلى تقدير محكمة الموضوع التي لها أن تأخذ بها متى اطمأنت إليها أو لا تأخذ بها ولا يحتاج الأمر إلى تعليل خاص"[275].

       وإضافة إلى ما سبق يمكن لشهادة الضحية نفسها أن تأخذ قوة إثبات كاملة لا سيما في الجرائم التي ترتكب خلف الأبواب مثل الجرائم الأخلاقية[276]، كاغتصاب أو هتك عرض قاصر أو زنا المحارم، لذا يجب على القاضي أن يأخذ بعين الاعتبار تصريحات الطفل بخصوص هذه الجرائم نظرا لخصوصيتها[277]، لاسيما وأن النص القانوني[278] لا يمنع القاضي من الأخذ بالأقوال التي تدلي بها الطفل متى آنس فيها الصدق والصحة بل أكثر من ذلك، فالاستماع إلى الطفل حق من حقوقه، وهذا ما أكدته المادة 12 من إتفاقية حقوق الطفل التي تدعو إلى ضرورة الاستماع للطفل بخصوص قضايا تهمه مباشرة أو من خلال هيئة ملائمة وبطريقة تتفق مع القواعد الإجرائية للقوانين الوطنية.

       وهذا ما أخذت به محكمة الاستئناف بالدار البيضاء التي أدانت معلما متهما بهتك عرض تلميذاته بناء على تصريحاتهن فقط، حيث بعدما قدمت أم إحدى الضحايا بشكاية  مرفوقة بخبرة طبية تثبت تعرض ابنتها للاعتداء الجنسي من طرف معلمها، صرحت تلميذات أخريات وصل عددهن أثنى عشرة تلميذة بتعرضهن للاعتداء الجنسي من طرف نفس المعلم أثناء فترة الاستراحة[279]، فكانت تصريحات هؤلاء القاصرات وسيلة إثبات كافية حققت اقتناع القاضي الصميم فحكم بإدانة المتهم بما نسب إليه.

       وفي الختام يمكن الجزم بأن جرائم إساءة معاملة الأطفال تطرح إشكالات كبرى في إثباتها نظرا لما تحظى به من سرية وكتمان، لذا فإن اعتماد القاضي على وسائل الإثبات السالفة الذكر، غير كاف ما لم يعتمد على وسائل الإثبات العلمية كلما تطلب الأمر ذلك.

       الفقرة الثانية: سلطة القاضي الزجري في تقدير وسائل الإثبات العلمية.

       إن الفرض يقتضي أن يكون القاضي خبيرا في القانون ومثقفا وعالما أيضا ولكن في كثير من الأحيان يصعب عليه فهم معطيات علمية أو تقنية أو فنية بدون أن يلجأ إلى أخصائي في بعض الحالات، ومن هنا فإن القاضي في وسائل الإثبات يقوم بتقديرها دون الاستعانة بغيره، أما في المسائل العلمية والتقنية والفنية فإنه لا ضرار عليه أن يلجأ إلى الأخصائي ليستعين بتخصصه في معرفة ما قد يشكل عليه.

       وكما هو معلوم فقد أعطى التقدم العلمي للإثبات الجنائي قيمة علمية مهمة باعتمادها يمكن لأجهزة العدالة فك ألغاز العديد من القضايا المعروضة عليها لإثبات مدى حدوثها فعلا من جهة أو لتسهيل معرفة مرتكبيها من جهة ثانية حفاظا على حقوق الجاني أو المجني عليه.

       وبما أن العدالة الجنائية تلاقي صعوبات كبرى لإثبات جرائم إساءة  معاملة الأطفال، إما بسبب صغر سن المجني عليه الذي لا يتمكن في أغلب الأحيان من معرفة الجاني أو حتى إدراك ما حصل له، أو بسبب اتسام هذا النوع من الجرائم بالسرية والكتمان لأن أغلبها ترتكب خلف الأبواب المغلقة، فإن اعتماد وسائل الإثبات العلمية سيدلل كثيرا من هذه الصعوبات ومن أهم هذه الوسائل الخبرة وتسجيل الأصوات والتصوير الفوتوغرافي.

       أولا: الخبرة L’expertise:

 وتعني انتداب المحكمة شخصا من ذوي الاختصاص العلمي أو الفني للاسترشاد بآرائه لحل مسألة يحتاج حلها إلى دراية علمية أو تقنية تخرج عن إطار التكوين العام للقاضي[280]. ذلك أن القاضي مهما غزرت معلوماته واتسع أفقه الثقافي لا يكون على دراية مرضية بكل دقائق النوازل التي تعرض عليه[281] وأخص بالذكر هنا الخبرة الطبية التي يتعين على القاضي ألا يتواني في طلبها[282] كلما تعلق الأمر بالجرائم الواقعة عل الطفل، إما لتحديد العجز والضرر وسبب الوفاة وإما لتحديد نوع الجرائم التي ارتكبت على جسده أو نفسيته.

       وقد أثبت الواقع أهمية الخبرة في إثبات الجرائم[283] الواقعة على الطفل بل وأحيانا تمكين المحكمة من معرفة مرتكبيها، فلولاها، لضاعت حقوق أطفال عدة، ضحايا الجرائم، خاصة بالنسبة لجرائم الاستغلال الجنسي التي يمكن إثباتها عن طريق إجراء تحليلات مخبرية للحامض النووي لمني الجاني مثلا.

       ولبيان أهمية الخبرة في الواقع العملي أذكر قضية الطفل "أيوب" الذي تعرض لاستغلال جنسي بشع من طرف حارس الروض الذي كان يتمدرس فيه، فبعد عودة الطفل الضحية إلى المنزل اكتشفت أمه سائلا بثيابه تبين بعد إجراء خبرة طبية أنه مني حارس الروض كما صرح الطفل بذلك، وقد كانت النتائج التي توصلت إليها الخبرة دليلا كافيا حقق اقتناع القاضي الصميم، فأدان المتهم بجريمة هتك عرض قاصر بخمس سنوات سجنا نافذا وتعويض مدني قدره 30 ألف درهم[284]. فلولا تلك الخبرة التي أنجزت لما تمكنت المحكمة من إثبات هذه الجريمة في حق حارس الروض لانعدام شهود أو وسائل إثبات أخرى.

 

       ثانيا: وسائل حديثة سمعية بصرية:

       أضاف علم التصوير الجنائي قيمة علمية حديثة بماله من أثر في نقل صورة صادقة للأماكن والأدلة وكذا صور أشخاص وأصواتهم، وإذا كان قانون المسطرة الجنائية قد أجاز إلقاء القبض على المتهم وتفتيشه والاستعانة بكافة المساعدات الفنية لإثبات الجريمة، فإن تصوير المتهم أو الواقعة حال تلبس الجاني بجريمة لا يعتبر تعديا على حق الإنسان في خصوصياته. وتستمد الصورة حجيتها لدى القاضي الجنائي من عوامل موضوعية وذاتية. فبالنسبة للعوامل الموضوعية فيقصد بها العوامل التي تتعلق بالواقعة المصورة وأثر الصورة في إيضاح الغرض منها، وبالنسبة للعوامل الذاتية وهي التي تتصل بشخص المصور، فالصورة تتوقف على صاحب المصلحة فيها ومسلك المصور[285].

       أما بالنسبة للوسائل السمعية التي يستعملها رجال الضابطة القضائية في جمع المعلومات، فيمكن أن تكون مباشرة كالتنصت على المكالمات الهاتفية أو غير مباشرة كالتسجيل على الشرائط، فأما عن التنصت على المكالمات الهاتفية فهو ممنوع على الضابطة القضائية اتخاذ مثل هذا الإجراء لأن فيه خرق لسرية المراسلات والتدخل في الحياة الخاصة للأفراد وانتهاك حرمة حياتهم الخاصة وان هذا التصرف يعتبر جريمة أو عملا غير مشروع للبحث عن الجريمة ولا يمكن إثبات جريمة بارتكاب جريمة وإنما يمكن في حالة الشك في شخص ما أن تتطلب الضابطة القضائية من وكيل النيابة العامة أو قاضي التحقيق أن يمنحها الإذن بالتنصت[286]. ويستفاد ذلك من مقتضيات المادة 108 م.ج. التي تنص على أنه "يمنع التقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها أو اخذ صور منها أو حجزها، غير أنه يمكن لقاضي التحقيق إذا اقتضت ضرورة  البحث ذلك أن يأمر كتابة بالتقاط المكالمات الهاتفية وكذا الاتصالات المنجزة بواسطة وسائل الإتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها أو حجزها".

       وبما أن جرائم إساءة معاملة الأطفال غالبا ما تتم وراء الأبواب المغلقة حيث يصعب إثباتها، فإن لإعمال هذه الوسائل دور مهم في تسهيل إثباتها.

       بل ويمكن للمحكمة أيضا أن تعتمد على الصور والتسجيلات التي ضبطت بحوزة الجاني أو الضحية لإثبات الجريمة المرتكبة كما هو الشأن بالنسبة لتسخير الأطفال لأغراض "بورنوغرافية" فكما حصل مؤخرا بالمغرب في قضايا متعددة مثل قضية السائح الفرنسي "ارفي هيف" الذي أدانته محكمة الاستئناف بمراكش بأربع سنوات سجنا نافذا لاستغلاله لأطفال قاصرين لإنتاج أفلام خليعة، وقد اعتمدت المحكمة لإثبات هذه الجريمة على الصور والأفلام الخليعة التي ضبطت بحوزة الجاني، وكذا تصريحات الضحايا أنفسهم.

       انطلاقا مما سبق يتبين لنا ما لأهمية استعمال الوسائل العلمية السمعية البصرية لإثبات الجرائم التي يقع الأطفال ضحيتها، غير أن هذه الوسائل الحديثة وإن كانت متقدمة وتساعد القاضي في الكشف عن حقيقة الجرائم الواقعة على الطفل، إلا أن هذه الوسائل يمكن أن تؤدي أحيانا إلى تظليل العدالة وخداعها بسبب تطور الأجهزة الرقمية التي يمكن الاستعانة بها لخلق مشاهد لا أساس لها من الصحة، لذا يجب على القاضي أن يتعامل مع وسائل الإثبات هذه بنوع من الحيطة والحذر دفاعا عن مبادئ العدالة والإنصاف.

       وخلاصة القول إن حماية حقوق الطفل الضحية أمام العدالة لا تتجلى من خلال ما سبق فقط، وإنما يجب على القاضي أن يأخذ بعين الاعتبار وقع الجرم عليه وذلك باتخاذ تدابير تهدف لعلاجه وتأهيله وأيضا ضمان حقه في التعويض عن الأضرار التي لحقت به جراء الفعل الجرمي.

 

المبحث الثاني

 حق الطفل ضحية سوء المعاملة في التأهيل والتعويض.

       الطفل الضحية إنسان يعاني ويتألم جراء الاعتداءات التي حصلت له، لذلك فالحاجة ملحة لتمكينه من حقه في العلاج والتأهل لدمجه من جديد في المجتمع، لتجنب تعرضه لاعتداءات أخرى من جهة[287]، ولحمايته من سلوك طريق الانحراف من جهة ثانية (المطلب الأول). وبما أن عملية العلاج والتأهيل طويلة ومعقدة وقد تتطلب مجهودات مالية كبيرة مرهقة للأسر الفقيرة، فإنه يحق للطفل أن يتلقى تعويضات مدنية هامة لتحملها (المطلب الثاني).

       المطلب الأول: حق الطفل الضحية في التأهيل:

       بالاستناد إلى النتائج التي توصل إليها علماء الضحية، فالطفل ضحية سوء المعاملة في حاجة ملحة لإخراجه من دوامة الآلام التي يعاني منها في صمت، غير أن ذلك لا يمكن تحقيقه دون إخضاع الطفل لسلسلة من حلقات التأهيل والعلاج (الفقرة الأول) إلا أن هذا الهدف يصدم في الواقع بمعيقات عديدة تجعل مأمورية تحقيقه صعبة المنال (الفقرة الثانية).

       الفقرة الأولى: مبررات إقرار حق الطفل الضحية في التأهيل:

       لقد أثبتت مختلف الدراسات والأبحاث التي أجريت على الأطفال الضحايا حاجتهم الملحة للتأهيل لتمكينهم من تجاوز صدمة الإساءة التي يكون وقعها مؤلما عليهم[288].

       ففي هذا السياق كشفت نتائج الدراسات التي أجريت على الأطفال ضحايا سوء المعاملة عن صورة إكلينية واضحة المعالم، تكمن بؤرة نشأتها في "صدمة" الإساءة التي قد تبتدئ آثارها في بعض الحالات فيما يعرف "باضطرابات ضغوط ما بعد " الصدمة عند الأطفال" وهو اضطراب يظهر في متلازمة من الأعراض مثل الخوف الشديد والهلع والسلوك المضطرب أو غير المستقر، ووجود صور ذهنية أو إدراكات أو ذكريات متكررة وملحة عن الصدمة، والأحلام المزعجة (كوابيس) أثناء النوم وصعوبة التركيز وصعوبات النوم[289].

       وقد صنف مارتن (Martin 1980) آثار سوء معاملة الطفل إلى أربعة أصناف هي الآثار الطبية والنمائية والنفسية والبعيدة المدى إذ تظهر آثار التعديات الجسدية على الأطفال على شكل إصابات نتيجة للتعدي عليهم وقد تظهر في شكل كسر عظام أو خدوش أو تمزق عضلي أو تشوه، أو إصابات في الرأس أو الوجه أو الجروح، كما تظهر على شكل صعوبات أو إعاقات في السمع أو النظر أو كمتخلف عقلي، كما أن الاضطرابات الخطرة قد تؤدي إلى الارتعاش لدى الطفل، أو وضع كميات من الفلفل في فم الطفل، أو التسمم أو الغرق أو الخنق كما تشمل آثار الأذى الطبي عدم تقديم الرعاية الصحية مثل تناول المطاعيم الرئيسية، كما أن انتقال الأمراض المعدية مثل الإدز قد يؤدي بحياة هؤلاء الأطفال[290].

       وبالإضافة إلى المشكلات الجسمية تترتب مشكلات نفسية قد تتصف بالإزمان والشدة في بعض الأحيان فهي مشكلات طويلة الأمد تنتج عن عدم حل القضايا المحيطة بإساءة معاملة الطفل، وحيث تظل الصدمة قائمة ونشطة التأثير على الصحة النفسية للطفل لأنها بقيت كخبرة أو مهمة "غير منتهية" فالصدمة تعيش في الطفل ويعيش الطفل فيها.

 

 

       وفي هذا السياق حدد بعض الباحثين الإكلينين أعراضا مميزة للأطفال ضحايا سوء المعاملة[291]، منها الأعراض الانفعالية تتضمن الغضب والإنكار والكبت والخوف ولوم الذات والشعور بالذنب والبلادة، كما يبدي هؤلاء الأطفال أعراضا سلوكية تشمل الهروب من المنزل والانسحاب والأعراض الجسدية والكوابيس واضطراب المخططات المعرفية في الذهن فيصاب الطفل بالتشوه المعرفي[292].

       وبناء على ما سبق يمكن الجزم بأن الأطفال الذين يتعرضون لسوء المعاملة ليسوا بحالة سهلة فقد تعلموا عدم الثقة في أنفسهم وفي الناس من حولهم، فالعالم والناس مصدر إيذاء لهم، مما يجعل الضحية تحس في أغلب الأحيان بالرغبة الملحة في الانسحاب من هذا العالم المؤلم لها.

       لعل هذه الأسباب هي التي دفعت المهتمون بقضايا الطفولة إلى إيلاء هذه الفئة أهمية كبرى من أجل إعادة تأهيلهم وإدماجهم من جديد في المجتمع.

       وإذا ثبت بأن للطفل الضحية حاجة ملحة لإعادة تأهيله، فما هي يا ترى التدابير القانونية التي اتخذها المشرع المغربي لهذا الغرض؟

       لقد اعتبر علماء الإجرام الضحية إنسان يعاني ويتعذب[293] في صمت وأنه مسلوب الإرادة ولا دخل له في الجرائم الواقعة عليه، لأنه لم يختر وضعية الضحية، بل أن هذه الصفة (الضحية) فرضت عليه، لذلك فإن من حق الضحية أن تتمتع بإجراءات خاصة في التأهيل والعلاج. 

       وهذا ما تنبه إليه المشرع الجنائي المغربي مؤخرا حيث نصت المادة 510 من قانون المسطرة الجنائية على انه إذا ارتكبت جناية أو جنحة وكان ضحيتها حدثا لا يتجاوز عمره 18 سنة فلقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث أما استنادا لملتمسات النيابة العامة وأما تلقائيا، بعد أخذ رأي النيابة العامة أن يصدر أمرا قضائيا بإيداع الحدث المجني عليه لدى شخص جدير بالثقة أو مؤسسة خصوصية أو جمعية ذات منفعة عامة مؤهلة لذلك أو بتسليمه لمصلحة أو مؤسسة عمومية مكلفة برعاية الطفولة إلى أن يصدر حكم نهائي في موضوع الجناية أو الجنحة، وينفذ هذا الأمر رغم كل طعن.

       كما يمكن للنيابة العامة أو لقاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث الأمر بعرض الحدث على خبرة طبية أو نفسية أو عقلية لتحديد نوع الأضرار اللاحقة به وبيان ما إذا كان يحتاج إلى علاج ملائم لحاجته حالا ومستقبلا.

       كما أعطت المادة 511 م.ج. للنيابة العامة الإمكانية في حالة صدور حكم من أجل جناية أو جنحة ارتكبت ضد حدث أن تحيل القضية على قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث المختص إن ارتأت أن مصلحة الحدث تبرر ذلك، ويمكن للقاضي المذكور أن يتخذ ما يراه مناسبا من تدابير الحماية كما يمكنه أن يأمر بالتنفيذ المعجل لقراره.

       غير أن ما يلاحظ على المشرع في هذا الخصوص هو أنه لم ينص على إلزامية إحالة الحدث على قاضي الأحداث أو المستشار المكلف بالأحداث المختص من طرف النيابة العامة لاتخاذ التدبير الملائم لتأهيله، وإنما جعلت ذلك غير ملزم للنيابة العامة من خلال توظيف عبارة "يمكن" وفي تقديري كان على المشرع أن يلزم النيابة لتحيل الحدث الضحية على قاضي الأحداث ليتأكد هذا الأخير من وضعيته كونها تستوجب علاجا أم لا باعتبار قاضي الأحداث يملك الإمكانيات التي قد يلجأ إليها لمعرفة حالة الحدث وذلك عن طريق الاستعانة بالخبرة مثلا.

       وتجدر الإشارة إلى أنه لا ينبغي أن نتصور الضحية بمفهومها المادي المتمثل في الجرح أو الاستغلال أو التعذيب المادي أو المعنوي، وإنما يتعين توسيع مفهوم النص ليشمل طفل الشارع والطفل المتخلى عنه باعتبارهما غالبا ما يكونا ضحية جريمة الإهمال أو التخلي.

       غير أنه ما يلاحظ على قانون المسطرة الجنائية بهذا الخصوص هو جعله لإختصاص قاضي الأحداث يتم تحريكه استنادا على ملتمس النيابة العامة أو تلقائيا بعد أخذ رأيها وهو على خلاف الأمر في القانون الفرنسي إذ يسمح للنيابة العامة للدائرة التي عثر فيها على القاصر في حالة الاستعجال اتخاذ ت التدابير المؤقتة التي يمكن أن يتخذها قاضي الأطفال، بل إن الممارسة القضائية في فرنسا تتطور متجاوزة للقانون، حيث أن قضاة النيابة العامة غالبا وبموافقة قاضي الأطفال يتخذون القرار في حين أن قاضي الأطفال يكون موجودا أو من الممكن أن يحضر في وقت معقول وهو القاضي المخول له وحده اتخاذ القرار في هذه الحالة[294].

       من خلال هذه المقتضيات إذن يتبين لنا بأن المشرع المغربي قد سار في نفس التوجه الذي نهجه المشرع المصري، حيث نص في المادة 365 من قانون الإجراءات الجنائية على أنه يجوز عند الضرورة في كل جناية أو جنحة تقع على نفس الصغير الذي لم يبلغ من العمر 15 سنة أن يأمر بتسليمه إلى شخص مؤتمن يتعهد بملاحظته والمحافظة عليه، أو إلى معهد خيري معترف به من وزارة الشؤون الاجتماعية حتى يفصل في الدعوى ويصدر الأمر بذلك من قاضي التحقيق سواء من تلقاء نفسه أو بناء على طلب النيابة العامة أو من مستشار الإحالة أو من المحكمة المنظورة أمامها الدعوى حسب الأحوال.

       وفي إطار الحديث عن التجارب المقارنة في هذا الإطار يمكن اعتبار التجربة التونسية أكثر تقدما، حيث أولى المشرع التونسي عناية فائقة للطفل الضحية، إذ تضمنت مجلة حماية الطفل[295]، تدابير هامة لحماية الطفل الضحية نذكر من بينها.

       - التدابير الاتفاقية: حيث يقوم مندوب حماية الطفولة بالاتفاق مع ولي الطفل أو مع من له سلطة عليه باتخاذ التدابير الملائمة لصالح الطفل وذلك تحت رعاية القضاء (ف 40- ف44 من مجلة حماية الطفل).

       -التدابير العاجلة: تلزم مندوب حماية الطفولة أن يتخذ بصفة مؤقتة التدابير العلاجية الرامية إلى وضع الطفل بمؤسسة إعادة تأهيل أو بمركز استقبال أو بمؤسسة استشفائية أو لدى عائلة أو هيئة أو مؤسسة اجتماعية أو تعليمية ملائمة وذلك طبقا للقواعد المعمول بها.

       ويتخذ مندوب حماية الطفولة هذه الإجراءات بعد إذن قضائي عاجل، ويلزم مندوب حماية الطفولة طوال المدة التي يتم فيها تطبيق التدابير العاجلة تقديم كل أنواع المساعدة الصحية والرعاية الاجتماعية والنفسية الملائمة دون الإذن المسبق من قاضي الأسرة (ف 50 من مجلة حماية الطفل التونسية).

       - تدابير الحماية القضائية: بموجب هذه التدابير يتعهد قاضي الأسرة بوضع الطفل المهدد بناء على مجرد طلب صادر عن قاضي الأطفال أو النيابة العامة أو مندوب حماية الطفولة أو المصالح العمومية للعمل الاجتماعي أو المؤسسات العمومية المعنية بشؤون الطفولة. ويتولى قاضي الأسرة سماع الطفل ووليه أو حاضنه أو مقدمه أو كافله أو تلقي ملاحظات ممثل النيابة العمومية ومندوب حماية الطفولة وعند الاقتضاء محاميه ويمكن له أن يقرر إجراء المرافعات دون حضور الطفل مراعاة لمصلحته، ويمكن لقاضي الأسرة أن يأذن بإحدى الوسائل التالية:

       * إبقاء الطفل لدى عائلته.

* إبقاء الطفل لدى عائلته وتكليف مندوب حماية الطفولة بمتابعة ومساعدة العائلة وتوجيهها.

        * إخضاع الطفل للمراقبة الطبية والنفسانية.

* وضع الطفل تحت نظام الكفالة أو لدى عائلة استقبال أو لدى مؤسسة اجتماعية أو تربوية مختصة.

* وضع الطفل بمركز للتكوين أو التعليم (ف 59 من مجلة حماية الطفل التونسية)

       وختاما إذا كان قانون المسطرة الجنائية المغربي، قد تضمن بعض التدابير لحماية الطفل الضحية فهل وجدت هذه التدابير سبيلا لتطبيقها على أرض الواقع لتمكين الطفل الضحية من حقه في العلاج والتأهيل؟ أم أن تلك المقتضيات يمكن اعتبارها نوعا من الترف القانوني لمضاهاة القوانين المقارنة فقط ليبقى الطفل الضحية إنسان يعاني في دوامة من الصمت؟

       الفقرة الثانية: معيقات تأهيل الطفل الضحية:

       إن تأهيل الطفل الضحية عملية صعبة بالنظر إلى غياب الاهتمام بشكل جدي بالضحية إذا ما قورنت مع وضعية الجانح من جهة ولضعف الإمكانيات والوسائل المتاحة لدعم عملية الإدماج والتأهيل.

       لقد اعتبرت المجموعة الموضوعاتية لحماية الطفل الضحية بالمرصد الوطني لحقوق الطفل[296] بأنه قد حان الأوان لاستثمار عناصر الوعي الوطني والجمعي بخطورة ظاهرة سوء معاملة الأطفال في استراتيجية شاملة متكاملة موضوعية عملية تنصب على الجوانب الطبية والنفسية والقانونية والاجتماعية وتضع المصلحة العضلى للطفل الضحية كشخصية إنسانية تعاني ويتعين إدماجها وإعادة تأهيلها وإدماجها وإعادة تأهيلها ما أمكن داخل أسرتها باعتبارها بيئتها الطبيعية.

       لذلك تمت الدعوى إلى الإسراع بوضع خلايا استقبال متخصصة على صعيد المستشفيات الإقليمية مكونة من أطباء معالجين وأطباء أخصائيين ونفسانيين ومساعدات إجتماعيات ودعم هذه المراكز تقنيا وماديا وتشجيع أعمالها والدفاع عن نتائجها، وفي نفس السياق تم تحديد وتوحيد العناصر الفنية والتقنية المتعلقة بالفحص والكشف الطبيين والشواهد الطبية المتعلقة بها وقواعد متابعة العلاج وإعادة التأهيل.

       كما اعتبرت المجموعة الموضوعاتية لحقوق الطفل بالمرصد الوطني بأن الطفل ضحية سوء المعاملة إنسان يعاني ولذلك يتعين على العدالة وقبل البث في المصالح المدنية تحت طائلة البطلان، الأمر بإجراء خبرة طبية أخرى نفسية لتحديد كافة عناصر الضرر اللاحقة به من عجز دائم وآلام وتشويه وكذا سبل إعادة تأهيله نفسيا وإجتماعيا.

       ولتحقيق هذا الهدف بذل المرصد الوطني لحقوق الطفل جهودا كبرى عن طريق المركز المرجعي للاستماع للأطفال ضحايا سوء المعاملة لدعم أهداف تأهيل هذه الفئة من الأطفال عن طريق الاستماع إلى الضحايا بواسطة الرقم الأخضر وتقديم المساعدات والاستشارات القضائية لهم أو إرسال الحالات المستعجلة إلى المستشفيات المختصة وكذا دعم برامج التوعية والتحسيس بخطورة الظاهرة وبأهمية إخضاع الأطفال الضحايا إلى عملية العلاج والتأهيل وفي ذلك يقول"سعيد الراجي" مدير المرصد الوطني لحقوق الطفل: "بأن أهم شيء نلمسه هو الوعي الذي أصبح لدى الأسر المغربية، بحيث أصبحت العائلات المغربية تأتي رفقة أبنائها إلى المرصد لتشتكي" ويضيف "بأننا نسجل ارتفاعا في عدد الشكاوى وليس في عدد الجرائم وهذا يدل على الوعي الذي حصل لدى العديد من فئات المجتمع خاصة بعد الحملات الإعلامية التي قمنا بها من اجل التحسيس بخطورة الظاهرة"[297].

       وفي هذا السياق فقد تمت الدعوة لوضع برامج حديثة ومتطورة لتكوين وإعادة تكوين الأطر المشرقة على خلايا الاستقبال وكافة الأطراف والأشخاص المتدخلين في مجال حماية الأطفال الضحايا.

       ولتحقيق هذه الدعوات فقد تم إحداث خلايا في المراكز الاستشفائية الكبرى لتعنى بهذه المهمة، كما هو الشأن بالنسبة لمصلحة الفحص الطبي والقضائي بالمستشفى الجامعي "بن رشد" بالدار البيضاء التي تستقبل حالات الاعتداءات الجسدية والجنسية التي يقع الأطفال ضحيتها. حيث ارتفع عدد الواردين على هذه المصلحة خاصة الأطفال ضحايا الاعتداءات الجنسية والجسدية، وبعد تواتر مثل هذه الحالات بدأ المستشفى يحرر شهادات طبية شرعية ويحيلها على وكيل الملك لمتابعة مرتكبيها، خصوصا وأن الآباء كانوا يحجمون عن التبليغ بسبب الخوف أو تجنب الفضيحة وضمت هذه المصلحة مجموعة من الأطباء المتخصصين في الخبرة الطبية ويعملون على تجميع حالات الضحايا عبر فحصهم وأخذ معلومات كاملة عن أوضاعهم، ثم توجيهها إلى المختصين في الطب النفسي للأطفال لمساعدتهم للتغلب على وضعهم النفسي المتأزم، وانطلاقا من هذه الحالات تقوم المصلحة بوضع إحصائيات محلية عن الظاهرة، كما لاحظ الفريق الطبي في هذه المصلحة من خلال التجربة اليومية أن الأطفال المعتدى عليهم جسديا صنفان: فهناك حالات الأطفال المصدومين والذين لا يتكلمون ولا يتجاوبون مع العلاج، ومثل هذه الحالات تعقد مسألة التوجيه والعلاج. وهناك صنف آخر من الأطفال تكون حالتهم مخالفة تماما إذ يتحدثون بتلقائية وكأن ما وقع لهم نوع من اللعب، خاصة عندما يكون الجاني شخصا له سلطة معنوية عليهم بحيث كثيرا ما تعرض على المصلحة حالات لأطفال استغلهم الكبار لبعض الممارسات الشاذة دون أن يعوا بأن ما تعرضوا له أمرا مشينا. وبهذا الخصوص صرح الدكتور سعيد الواهية رئيس مصلحة الفحص الطبي بان أغلب ضحايا العنف الجسدي والجنسي هن خادمات بيوت، بسبب انعدام الحماية وصغر سنهم وبعد العائلة أو فقرها أو جهلها لتبقى الفتاة عرضة لانتهاك جسدها وعرضة لكل أنواع العذاب[298].

       وعلى الرغم من إيلاء أهمية كبرى للجانب الطبي في إعادة تأهيل الطفل الضحية باعتبار علاج الطفل ضحية سوء المعاملة أول تدبير يمكن مباشرته فإن هذا التدبير يواجه العديد من العراقيل والمعوقات التي تحد من فعاليته بل وتقصيه في بعض الأحيان.

       ويرجع السبب في ذلك إلى غياب بنيات متخصصة لاستقبال الأطفال الضحايا في أغلب المستشفيات باستثناء بعض المصالح المختصة التي تم إنشاؤها في بعض المراكز الاستشفائية الكبرى بالرباط والدار البيضاء وهو ما يجعل مأمورية إعادة تأهيل الطفل الضحية طبيا جد صعبة خاصة وأنه لا يمكن لكل أسر الضحايا أن تتوجه إلى هذه المراكز بسبب بعدها أو بسبب ضعف الإمكانيات المادية.

       وحتى في حالة الاستعانة بأطباء في مراكز الاستشفاء الإقليمية في المناطق القروية والشبه الحضرية، فإن أغلبها تفتقد إلى أخصائيين في الطب النفسي مما يعقد مأمورية العلاج وإعادة التأهيل. 

       وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن المغرب تنقصه استراتيجية واضحة ومتكاملة من أجل إعادة تأهيل الأطفال، ضحايا سوء المعاملة. ولمواجهة هذا الخلل تقوم بعض جمعيات المجتمع المدني بمبادرات خاصة من أجل مساعدة الضحايا وإعادة تأهيلهم إلا أنها صادفت مشاكل عويصة والمتمثلة في محدودية الأماكن المخصصة للإيواء وضعف الميزانيات المخصصة وفي هذا الخصوص صرحت "نبيلة التبر" مديرة المعهد الوطني للتضامن مع النساء في وضعية صعبة بأن المشكلة تكمن في أن لدى الجمعية المقدرة للاحتفاظ بالطفلات لمدة 6 أشهر فقط، في حين تحتاج أغلب الطفلات فترة أكثر خاصة إذا كن حوامل بسبب الاستغلال الجنسي، وتزداد هذه المشكلة استفحالا عندما ترفض عائلة الضحية بسبب الشعور بالعار.

       وبما أن التجربة المغربية في مجال إعادة تأهيل الطفل الضحية لازالت محتشمة فإنه لا بأس من التعرض إلى بعض التجارب العربية الرائدة في هذا المجال، كتجربة "دار الأمان لحماية الطفل" بالأردن حيث تم تأسيس مراكز لحماية الطفل "التدخل والعلاج" متخصصة أساسا في إعادة تأهيل الأطفال الضحايا ويستقبل المركز كل أشكال انتهاكات الأطفال سواء كانت جنسية أو بدنية أو بسبب الإهمال. ويعتبر برنامج حماية الطفل برنامجا طموحا جدا، حيث يقوم حاليا عدد من الخبراء والمهنيين في مجال تنمية وسلامة الطفل بوضع الخطط لتطوير وتوسعة وسائل التدخل/العلاج والوقاية من خلال العديد من المشاريع التي تشمل تصميم وتطوير وعقد برامج تدريبية وجلسات علاج وتقديم استشارات نفسية وقانونية، إضافة إلى عدد من المحاضرات والمواد الإعلامية المسموعة والمرئية، وبرامج متلفزة تعالج تلك القضايا وينظر حاليا إلى "دار الأمان" على انه أول مركز إيوائي من نوعه في الأردن مخصص لاستقبال حالات الإساءة للأطفال والذين يقعون تحت خطر محقق جسدي جنسي أو نفسي إذا بقوا في بيئاتهم الأولى ويعد منشأة متخصصة تؤوي وتعالج الأطفال المساء إليهم بالإضافة إلى تأهيلهم بغية إدماجهم من جديد في المجتمع[299].

       وإجمالا إن وضعية الطفل الضحية لا تبعث على الارتياح لذا يتعين على كل المهتمين بقضايا الطفولة في بلادنا صياغة استراتيجية وطنية متكاملة لإقرار حماية خاصة للطفل الضحية.

       المطلب الثاني: حق الطفل الضحية في التعويض عن الضرر:

       كما أسلفنا، تترتب عن جرائم إساءة معاملة الطفل أضرارا عدية قد تمس جسده حياته، نفسيته وشرفه… لذلك فالتعويض المدني المحكوم به لصالح الطفل كما يجب أن يشمل الأضرار التي تمس كيان الطفل المادي (الفقرة الأولى) يجب أن يشمل الأضرار التي تمس كيانه المعنوي (الفقرة الثانية).

       الفقرة الأولى: تعويض الضرر الناتج عن المساس بالكيان المادي للطفل:

الإنسان بحكم إنسانيته، منَّ الله عليه بالحق في الحياة هذا الحق الذي يكفل للشخص أن يستمتع بوجوده وبكل ما هو مرتبط بحياته ارتباطا لا انفصام له من مكانات وميزات وهبها له الخالق عز وجل وجعله بها قادرا على القيام بالأعمال الضرورية لحياته من جهة، ومن جهة أخرى على القيام بالعمل ليكسب قوته ويعول أسرته.

       هذه القدرات تشكل في مجموعها حق الفرد في الحياة وحقه في السلامة البدنية وهي في حد ذاتها تكون فيما لا تقل في أهميتها عن الحقوق المالية الأخرى التي تثبت له، إن لم تكن أكثر أهمية وخطرا، فإذا كانت حقوق الإنسان المالية تجعل له ذمة تتضمن تلك الحقوق تعرف بالذمة المالية، فإن مكونات حقه في الحياة تستأهل بالضرورة وجود ذمة تتضمنها تسمى بالذمة الأدبية وهي ذمة غير مالية تتضمن حقوقه الأدبية كما تتضمن الأولى حقوقه المالية[300].

       ولما كان الطفل ضحية سوء المعاملة عرضة للضرر[301] الذي يمس حقه في الحياة وسلامته البدنية وشرفه فإنه يحق له الحصول على تعويض عن كافة الأضرار التي تصيبه.

       وإذا كان الضرر الجسمي يتسم بأهمية خاصة ومشتقة من أهمية الجسد الإنساني، فإن تعويض هذا الضرر لم يكن قط أمرا سهلا، فقد عجز الفكر القانوني حتى الآن عن الخروج بمعادل دقيق لما يلحق بالجسد الإنساني من وجوه الأذى سواء تعلق الأمر بإزهاق الروح أو إصابات[302].

       وقد عرفت المادة 98 من ق.ل.ع الضرر الجسمي على أنه الخسارة التي تلحق المجني عليه فعلا والمصروفات التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ألحق أضرارا له، وكذلك ما حرم من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج الفعل الذي ألحق أضرارا به"، كما عرفه بعض الفقه بأنه كل ضرر يصيب الضحية في جسمه فيترتب عنه إصابات جسمية تحمله مصروفات التداوي أو تعجزه عن الكسب كما قد يترتب عنه موت الضحية لأنه يفقد أثمن شيء مادي يملكه وهو الحق في الحياة[303].

       والضرر الذي يصيب جسم الطفل يمكن تقسيمه حسب مقتضيات المادة 98 ق.ل.ع إلى قسمين وهما: ما لحق الطفل من خسارة أو ما فاته من كسب وما حرم منه من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج الفعل الضار الذي وقع ضحيته.

       فحماية سلامة جسد الطفل تكمن في أن يظل جسده مؤديا كل وظائف الحياة على النحو الطبيعي الذي ترسمه وتحدده القوانين الطبيعية، وفي أن يحتفظ بتكامله الجسدي وأن يتجنب الآلام البدنية فالاعتداء على الطفل بالضرب والجرح أو بتر عضو من أعضائه أو إلحاق عاهة أو شل حاسة من حواسه كل ذلك تشكل أضرار ناتجة عن المساس بسلامة جسده تستلزم تعويضا وافيا له، لأنه حرم من وظيفة عضو من أعضائه بشكل مؤقت أو دائم، خاصة وأن الطفل إنسان لازال في مراحل حياته الأولى.

 لذا، على القضاء أن يأخذ بعين الاعتبار حداثة سن الضحية عند تقدير التعويض المستحق[304]، فإذا ترتب عن فعل من أفعال إساءة معاملة الطفل ضرر لحق جسمه، فإن ذلك قد يحرمه من اختيار بعض المهن مستقبلا، كما قد يحرمه من ممارسة بعض الألعاب الرياضية وتكوين حياته المستقبلية.

وعلى هذا الأساس نصت المادة 108 ق.ج على أن التعويضات المدنية المحكوم بها يجب أن تحقق للمتضرر تعويضا كاملا عن الضرر الشخصي  الحال المحقق الذي أصابه مباشرة من الجريمة، خاصة وأن هذا التعويض. سيمكن متولي شؤون الطفل من تغطية المصاريف القضائية بالإضافة إلى مصاريف العلاج الذي سيسهل حتما تأهيله ودمجه من جديد في المجتمع.

وبما أن للقاضي السلطة التقديرية في تحديد مبلغ التعويض، فإن ذلك لا يمكن أن يتم اعتباطيا، خاصة كلما تعلق الأمر بالطفل ضحية سوء المعاملة، لذلك فإنه يتعين على القاضي اعتماد تقارير الخبرة الطبية وكذا تقارير المساعدات الاجتماعيات قبل تحديد مبلغ التعويض المقترح.

ومراعاة للمصالح المدنية للطفل هذه يجب أن تشمل الأوامر القضائية التمهيدية المعينة للخبير على تحديد نسب العجز الكلي المؤقت والعجز الجزئي الدائم والآلام والتشويه… وأن يرتب البطلان على عدم إدراجها.

لأن إعطاء مطلق السلطة التقديرية للقاضي لتحديد مبلغ التعويض عن الضرر قد يهدر حق الطفل المجني عليه في الحصول على تعويض يجبر الأضرار التي أصابته خاصة وأن هذه السلطة التقديرية تنفلت من رقابة المجلس الأعلى حيث جاء في إحدى قرارات هذا الأخير بأن "تحديد مبلغ ما كتعويض في حدود ما طالب به المدعون بالحق المدني لتعويض الضرر الناشئ عن الجريمة يرجع للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع، ولا شيء يحتم عليهم، ما لم تقم لديهم منازعة بشأن عنصر بعينه من عناصر الضرر أن يبروا بأسباب خاصة مبلغ ما يحكمون به من تعويض، وعليه فإن قضاة الموضوع عندما اعتمدوا على استئناف المطالبين بالحق المدني بأن أصحاب الحق المدني بينوا أن القدر المحكوم به لصالحهم قليل بالنسبة للخسارة الواقعة في الأرواح، وأن طلبهم يرتكز على تقارير الخبراء لإثبات مسؤولية المتهم يكونون قد استعملوا سلطتهم التقديرية غير الخاضعة لرقابة المجلس الأعلى، وعللوا ما قضوا به تعليلا كافيا"[305].

وتجب الإشارة إلى أن إصابة الطفل في سلامة جسده غالبا ما ينشأ عنها الضرر المادي والضرر الأدبي في نفس الآن، وقد يشمل الضرر الأدبي في هذه الحالة تلك الأضرار التي تنشأ عن الجروح أو الكسور أو غيرها من أنواع الإيذاء. لذلك حرص المشرع المغربي في المادة 78 ق.ل.ع. على التنصيص على شمول التعويض للأضرار المادية والمعنوية أيضا، فأفصح بذلك عن قابلية الضرر الأدبي كنتيجة لفعل الاعتداء للتعويض شأنه في ذلك شأن الضرر المادي، ويشمل هذا الضرر ما يعانيه المتضرر من آلام وأحزان جسدية ونفسية من جراء إصابته في جسده، خاصة كلما تعلق الأمر بالطفل نظرا للوقع الخطير لنتائج الاعتداء على نفسيته الفتية.

فلا يمكن أن نتصور الآلام النفسية التي يمكن أن يكابدها الحدث جراء بتر عضو من أعضائه، كما يحصل عادة في بعض ورشات العمل التي تشغل الأحداث وخير مثال على ذلك الحادثة المؤلمة التي راح ضحيتها الطفل "عثمان مستقيم" الذي بترت يداه في ورش لصناعة الأحذية بمدينة فاس بسبب الإهمال واللامبالاة[306]، فأي تعويض يمكن أن يهدئ من روع نفسية هذا الطفل الذي أصبح معاقا، عالة على أسرته وعلى المجتمع؟

لذا على القاضي أن يأخذ بعين الاعتبار مثل هذه الحالات التي تستلزم تعويضا مرتفعا يعتمد عليه الحدث في علاجه وليشكل مصدر رزق له في المستقبل.

وعليه يجب أن يشمل التعويض عن الأضرار التي تصيب جسد الطفل ضحية سوء المعاملة، خسارة بعض القيم غير المالية كالسعادة، وفقدان صور الجمال ومتع الحياة التي يترتب عن فقدانها أضرارا أدبية تختلف أشكالها كالآلام الجسمية التي يحسها الطفل المصاب في لحمه وعظمه والآلام النفسية التي يعانيها نتيجة التشويه الذي حصل له إثر الإصابة والآلام الأدبية لشعوره بالنقص على إثر الإصابة[307].

وختاما إذا كان يحق للطفل الضحية أن يتلقى تعويضا عن الأضرار الناتجة عن المساس بسلامته البدنية، فإن التساؤل بثور بالنسبة للأضرار اللاحقة به جراء المساس بكيانه المعنوي؟

الفقرة الثانية: تعويض الضرر الناتج عن المساس بالكيان المعنوي للطفل:

يقصد بالضرر الأدبي كل مساس بشرف الشخص أو اعتباره كما في القذف والسب وكل ألم يصيب الإنسان في جسده أو عاطفته كما في الضرب أو الإهانة، وبوجه عام كل اعتداء على حق سواء ترتب على هذا المساس أو الاعتداء في جميع الأحوال خسارة مالية أم لا[308]. كما عرفه الأستاذ الخمليشي بأنه هو الذي يصيب المدعي في حقوقه غير المالية، ولا تترتب عنه خسارة مادية كإصابة جسمه والمس بحريته أو شرفه أو اعتباره كالقذف أو الإعتداء على الأعراض وفي عاطفته وشعوره كقتل قريب أو عزيز أو إصابتهما إصابات جسيمة[309].

وقد لقي التعويض عن الضرر المعنوي معارضة من الفقه والقضاء في البداية وتركزت المعارضة على أن الشرف والاعتبار يترفعان عن تقويمهما بالنقود وحتى إذا تجاوزنا هذه العقبة الأخلاقية فإنه من المتعذر عمليا تحديد مبلغ النقود كقيمة حقيقية مناسبة للعدالة ليس فيها تفريط ولا إفراط.

لكن المادة 77 من ق.ل.ع. حسمت الإشكال عندما نصت على أن كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار من غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضررا ماديا أو معنويا للغير ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر".

ويتجسد الضرر الناتج عن المساس بشرف الطفل وسمعته أو عرضه… فيما يصيبه من آلام وأحزان وأسى إثر المساس بإحدى هذه القيم المعنوية بسبب القذف أو السب أو هتك العرض مثلا كما قد يترتب عن الضرر الأدبي أيضا أضرار مادية مثل الحالة التي يصاب فيها الطفل بمرض نفسي جراء المساس بشرفه والتي قد يضطر لعلاجها عند أخصائي الطب النفسي. لأن استمرار تعرضه لمثل هذه الأمراض النفسية قد تتسبب في ضياع مستقبله الدراسي، فقد ثبت بأن معظم الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء على أعراضهم تتراجع مستوياتهم الدراسية والأخطر من ذلك أن بعضهم يتمسك بفكرة الإنقطاع عن الدراسة خاصة إذا كان الجاني أحد أفراد الهيئة التدريسية وشاع الخبر بين زملاء الطفل الضحية. 

وإذا كانت سلامة الإنسان هي عبارة عن قيمة أدبية تقتضي كرامة الإنسان بحكم آدميته الحفاظ عليها، فإن للطفل من حيث هو إنسان الحق في أن يطلب من الغير إحترام كرامته وسلامة باقي حقوقه الأدبية كما أن له الحق في أن له في أن يجبر المعتدي على دفع التعويض عن كل ضرر يلحقه بهذه القيم التي يتوقف عليها تكامل كيانه.

فالطفل مهما تواضعت قيمته الاجتماعية، ومهما كان صغير السن، يجب الحفاظ له بالحد الأدنى من هذه القيم، فكما سبق وأشرت في القسم الأول من هذا البحث فالعنف اللفظي اتجاه الطفل يمكن أن ينطوي أحيانا على توجيه كلمات نابية وجارحة والتي قد تسبب له أضرارا نفسية خطيرة قد تضطره لطلب العلاج النفسي ومن ثم فإن له الحق في طلب التعويض عن هذه الأضرار.

ومن بين الصور الأخرى للاعتداءات التي تنضوي ضمن هذا النوع من الأضرار التي تمس شرف الطفل وسمعته، الدعاوى القضائية الكيدية التي قد يرفعها الزوج ليتنكر نسب أطفاله انتقاما من زوجته التي انفصلت عنه.

وحتى لو كان الابن غير شرعي، فقد انتقد بعض الفقه، فكرة إبعاد الأبناء غير الشرعيين من طلب التعويض عن الضرر الأدبي، ذلك أن هذا الولد لا ذنب له فهو مجني عليه، فإذا كانت العلاقة التي نشأ عنها هذا الوالد غير مشروعة فإن آثارها يجب أن تقتصر على طرفيها وأن لا يضار بها الولد.

وعليه فإنه يجب تمكين الطفل الطبيعي من الحق في طلب التعويض من أبيه الطبيعي عن الضرر المعنوي الذي لحقه، لكونه نشأ من سفاح وخاصة إذا كانت الأم ضحية اغتصاب.

وعلى ضوء ما سبق يمكن القول، بأن كل اعتداء تعرض له الطفل وترتبت عنه أضرار أدبية فإنها تستوجب التعويض سواء كانت آلاما جسمانية أو نفسية لمساسها بعاطفته أو كرامته أو بأية قيمة من القيم الأدبية التي يحرص الناس جميعا على حمايتها.

وعلى الرغم من كون التعويض عن الأضرار المعنوية تثير صعوبات كبرى في تحديدها إلا أنه يتعين أن يكون التعويض حقيقيا وليس رمزيا، وهذا وما سار عليه المجلس الأعلى بدوره عندما نقض قرارا صادرا عن محكمة الاستئناف بطنجة[310] والذي  قضى بتخفيض الضرر المعنوي في درهم رمزي، بعلة أن الغاية من تعويض الضرر المعنوي ليس تحقيق نفع مادي بل رد الاعتبار للشخص المتضرر، حيث جاء فيه "إن التعويض عن الضرر المعنوي كالتعويض عن الضرر المادي يجب أن يكون كاملا ومناسبا للضرر لا مجرد تعويض رمزي" وحيث إن قضاة الاستئناف عندما اقتصروا على منح درهم رمزي للطاعن على أساس أن التعويض عن الضرر المعنوي ليس الغاية منه النفع المادي يكونون قد خرقوا مقتضيات الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود وعرضوا قضاءهم للنقض"[311].

وبهذا الخصوص يقول الأستاذ "فرانسوابول بلان" بأن التعليل الذي عللت به محكمة الاستئناف بطنجة قرارها، كان يمكن أن يكون صائبا لو كانت غاية المسؤولية المدنية تهدف حقا إلى محو الضرر لكن التعويض لا يعني المحو ولا ينطبق هذا المثل أيضا على الضرر المادي، إذ أن فقدان عضو مثلا لا يمكن محوه على أنه في مقابل ذلك، يمكن ترميمه بواسطة تعويض نقدي وهي الطريقة الوحيدة[312].

والقاضي هو الذي سيضطلع بدوره حسب كل حالة لتقدير قيمة الضرر ليس لمحو الضرر المعنوي، بل لجبره عن طريق تمكين الطفل الضحية من الحصول على مبلغ مالي يجعله يشعر أنه حقق نتيجة مرضية تعادل قيمه المعنوية التي مست. حتى وإن كانت فكرة التعويض المالي للضرر تبقى في حد ذاتها غير مناسبة، لأن سلامة الطفل لا يمكن أن تقدر بمال ولا يمكن للمال أن يمحو أو يجبر الضرر الحاصل له مهما كانت قيمة التعويض مرتفعة جدا.

 

 

 

 

      

 

 

 

الخاتمـة:

بعد هذه الإطلالة على أوجه الحماية الجنائية التي أقرها المشرع للطفل ضحية سوء المعاملة بأبعادها المختلفة بالإضافة إلى إبرازنا لدور القضاء في تفعيل هذه الحماية تبين لنا بالملموس أن الحماية الجنائية المنشودة نسبيا متوفرة لكن تعتريها مجموعة من النواقص والمعيقات.

ولتجاوز هذه النواقص والمعيقات توصلت إلى مجموعة من الاستنتاجات من خلال محاور هذا البحث والتي يمكن الإعتماد عليها في دعوتنا لإعادة النظر في السياسة الحمائية للطفل ضحية سوء المعاملة:

1- ضرورة تدخل المشرع من جديد لتلافي مكامن الخلل والقصور في النصوص الحمائية لتجاوز الثغرات التي تعاني منها.

2- تفعيل دور القضاء من أجل ضمان التطبيق الحسن للمقتضيات الحمائية ضمانا لمصلحة الطفل، وهذا لن يتأتى ما لم يقم المغرب بإعادة تكوين القضاة الحاليين تكوينا قانونيا ونفسيا واجتماعيا… يتلاءم مع مستجدات الساحة التشريعة المغربية وكذا تكوين أطر قضائية جديدة لها تكوين مسبق في ميدان الأسرة والطفولة متشبعة بالفلسفة الحمائية للأسرة والطفل.

3- دعم المؤسسة القضائية بالموارد البشرية اللازمة خاصة المساعدات الاجتماعيات لما لهذا الجهاز من أدوار هامة تمكن القاضي من اتخاذ القرار الملائم حماية للطفل.

4- وباعتبار الطفل ضحية سوء المعاملة إنسان يعاني ويتألم يجب إنشاء مؤسسات خاصة لتأهيل هذه الفئة من الأطفال وهذا لن يتأتى طبعا دون إعطاء الأولوية للطفولة ضمن الميزانيات الوطنية لتمكين القطاعات التي تعنى بالطفل الضحية من الحصول على الإمكانيات والوسائل اللازمة لتحقيق أهدافها.

5- تسخير كافة الجهات والوسائل المتاحة ليس للتحسيس فحسب وإنما للتحذير من خطورة إساءة معاملة الأطفال على المجتمع، لأن الإساءة إلى الطفل لا يمكن إلا أن يجعل منه شخصا ميالا للجنوح والانحراف والانتقام لنفسه خاصة إذا لم يحظ بالحماية اللازمة.

6- تفعيل دور المجتمع المدني وكذا الجمعيات المختصة لتشكل دعما للجهات الرسمية:

*للتبليغ عن جرائم إساءة معاملة الأطفال بحكم اتصالها المباشر بالأطفال المساءة معاملتهم.

*التوعية والتحسيس بخطورة الظاهرة خاصة الأطفال لتزويدهم بالمعرفة الكافية حتى يتجنبوا الظروف التي قد تؤدي إلى تعرضهم للاعتداءات.

*استضافة الأطفال المساءة معاملتهم ريثما تحل مشاكلهم، خاصة إذا كان الفاعل أحد أفراد الأسرة، لتفادي هرب الطفل إلى الشارع.

7- وعلى أية حال، لا يمكن الوصول إلى هذه الأهداف دون اعتماد مقاربة شمولية يشترك فيها كل الفاعلين في مجال الطفولة لإرساء استراتيجية شاملة، متكاملة وعملية للتصدي للظاهرة، تستقي مضامينها من تجارب الدول السابقة في المجال ومن دراسات الباحثين والمهتمين، استراتيجية تتلاءم وخصوصيات واقعنا الاجتماعي والثقافي وتراعي الإمكانيات المادية والبشرية المتاحة حتى يمكن تطبيقها بجدية واستعجال.

 

لائحة المراجع المعتمدة في البحث

أولا: الكتب العامة

*أحمد أجوييد: الموجز في شرح القانون الجنائي الخاص المغربي، الجزء الثاني، كلية الحقوق، فاس، السنة الجامعية 2004-2005.

*أحمد الخمليشي: شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الأول، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1999.

*أحمد الخمليشي: القانون الجنائي الخاص، الجزء الثاني، مكتبة المعارف الطبعة الأولى، الرباط 1982.

*الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الفكر بيروت لبنان.

*العلمي عبد الواحد: القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1996.

*أديب السلاوي: أطفال الفقر، مطبعة المعاريف الجديدة، ط1، الرباط سنة 2000.

*أحمد المجدوب: زنا المحارم، مكتبة مدبولي، مصر، 2003.

*أحمد الدريج، الأطفال في وضعية صعبة، سلسلة المعرفة للجميع العدد 25، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، سنة 2002.

*أحمد أوزي: سيكولوجية الطفل ونظريات النمو النفسي، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية الدار البيضاء، 2003.

*أبو الوفا محمد أبو الوفا: العنف داخل الأسرة بين الوقاية والتجريم والعقاب في الفقه الإسلامي والقانون الجنائي، دار الجامعة الجدية للنشر، الإسكندرية، 2000.

*أحمد فتحي سرور: أصول السياسة الجنائية، دار النهضة العربية القاهرة، دون ذكر الطبعة، 1972.

*إدريس لكريني: السلطة التقديرية للقاضي الزجري، مطبعة التلمساني الطبعة الأولى، فاس، 2004.

*خالد بنيس: دعاوى الحالة المدينة، منشورات جمعية نشر البحوث والدراسات القضائية، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1994.

*سعيد أزكيك: إهمال الأسرة في التشريع المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص 1986، مطبعة الهلال العربية، طبعة 1992.

*سعيد الفكهاني: التعليق على القانون الجنائي المغربي في ضوء الفقه والقضاء، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، الدار العربية للموسوعات، 1993.

*سعد عبد العزيز: الجرائم الواقعة على نظام الأسرة، الديوان الوطني لأشغال التربوية، القاهرة، 2002.

*عبد الحميد أخريف: محاضرات في القانون االقضائي الخاص، كلية الحقوق فاس، السنة الجامعية، 2001-2002.

*عبد العزيز مخيمر عبد الهادي: حماية الطفولة في القانون الدولي والشريعة الإسلامية دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة 1991.

*علي أبو احجيلة: الحماية الجزائية للعرض في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية دار وائل، للنشر ط1 عمان، 2003.

*عصر سامي: أطفال الشوارع، الظاهرة والأسباب، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، القاهرة 2000.

*عبد الوهاب حومد: القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص، مطبعة التومي، الرباط 1968.

*عبد الحميد الشواربي: الإثبات الجنائي في ضوء الفقه والقضاء، منشأة المعارف الجديدة، الإسكندرية، 1986.

*فهمي مصطفى محمود، نور الهنا إبراهيم، العنف الأسري في المغرب، مركز سنا للبحوث العلمية والدراسات، الطبعة الأولى،2001.

*محمد ابن معجوز: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الأول، مطبعة النجاح الجديدة، دون ذكر الطبعة، الدار البيضاء 1998.

*محمد بن معجوز: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة دون ذكر الطبعة، الدار البيضاء، 1994.

*مصباح مصباح القاضي: الحماية الجنائية للطفولة، دار النهضة العربية الطبعة الأولى، القاهرة، 1998.

*محمود أحمد طه، الحماية الجنائية للطفل المجني عليه، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الطبعة الأولى، الرياض، 1999.

*محمد محمود سعيد: حق المجني عليه في تحريك الدعوى العمومية، دار الفكر العربي القاهرة، 1982.

*محمد عياط، دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الجزء الأول، مطبعة بابل الرباط، 1991.

*مجدي محب حافظ: جرائم العرض، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 1993.

*محمد شحات الجندي: جريمة اغتصاب الإناث في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، دار النهضة العربية، 1990.

*هلالي عبد الله أحمد: الحماية الجنائية للأخلاق من ظاهرة الانحراف الجنسي دار النهضة العربية، القاهرة الطبعة الأولى، 1996.

*هلالي عبد الله أحمد: الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، الطبعة الأولى، القاهرة، 1989.

 

ثانيا: الرسائل والأطروحات:

*أحمد الخمليشي: مسؤولية الأب والأم عن أبنائها القاصرين، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، 1973.

*أشرف توفيق: الحماية الجنائية للحق في صيانة العرض في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الحقوق، القاهرة، 1994.

*العزاوي: حماية القاصرين بين التشريع المغربي والشريعة الإسلامية رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط السنة الجامعية 1998-1999.

*إدريس ختا: محاكم الأطفال بالمغرب واقع واستشراف، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد اله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، السنة الجامعية 2002-2003.

*خديجة عاشور: الحماية القانونية للمقومات المادية والمعنوية لحقوق الشخصية الإنسانية، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال، الرباط، السنة الجامعية 1998-1999.

*خديجة أبو مهدي: الحماية الجنائية للمرأة في المنظومة القانونية المغربية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق، فاس، السنة الجامعية 2002-2003.

*رجاء ناجي: قتل الرأفة أو الخلاص، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية الحقوق، أكدال الرباط السنة الجامعية 1999-2000.

*سعاد قلالي: وضعية الطفل العامل بين المواثيق الدولية والتشريع الاجتماعي المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق، فاس، السنة الجامعية 2002-2003

*عبد المجيد غميجة: موقف المجلس الأعلى من ثنائية الفقه والقانون في مسائل الأحوال الشخصية، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في الحقوق، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، أكدال، 1999-2000.

*كوثر كيزي: الحماية الدولية للطفل، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق فاس، السنة الجامعية 2002-2003.

*مراد دودوش: حماية الطفل في التشريع الجنائي المغربي: جانحا وضحية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق، فاس، 2002-2003.

*محمد كرادة: الحق في الأسرة محاولة في التأسيس والحماية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق، فاس، سنة 2002-2003.

*محسن الغازي: وثيقة نيويورك: "عالم صالح للأطفال" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق، فاس، السنة الجامعية، 2002-2003.

*منية عبد الرحيم: أطفال الشوارع، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، فاس، 2002-2003.

 

ثالثا: الندوات والأبحاث:

*محمد ناصر متيوي مشكوري: ملاءمة النصوص الوطنية مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل: منهجية عمل-أولويات-اختيارات، ندوة الأسرة والطفولة تحديات ورهانات، المنظمة من طرف كلية الحقوق بفاس، شعبة القانون الخاص، مع المرصد الوطني لحقوق الطفل يومي 23 و24 نونبر 2000.

*ذياب البداينة: سوء معاملة الأطفال واستغلالهم غير المشروع، أكاديمية ناييف للعلوم الأمنية، أقيمت بالرباط أيام 15-16-17 يناير 2001.

*عائشة التاج، الأطفال المتخلى عنهم أية رعاية اجتماعية؟ ندوة الأسرة والطفل والتحولات المجتمعية، منشورات جمعية الشعلة، الطبعة الأولى، 2001.

*منظمة العفو الدولية: تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم فضائح في الخفاء، عار في طي الكتمان، أمنستي المغرب، الطبعة الثانية، الرباط 2002.

*عبد السلام عسيري: الأنماط التقليدية والمستحدثة لسوء معاملة الأطفال والآثار المترتبة عليها، أعمال الندوة العلمية حول سوء معاملة الأطفال واستغلالهم غير المشروع، أكاديمية نايف للعلوم الأمنية، نظمت بالرباط، أيام 15-16-17، يناير 2001.

*محمد عبد النباوي: الصلح دور إنساني واجتماعي جديد للنيابة العامة، ندوة: الطرق البديلة لتسوية المنازعات، من طرف شعبة القانون الخاص بكلية الحقوق بفاس بشراكة مع وزارة العدل ونقابة المحامين بفاس يومي 4 و5 أبريل 2003 منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية سلسلة الندوات والأيام الدراسية العدد2، ط1 2004.

*العنف ضد النساء أية حماية، أعمال المناظرة الوطنية حول العنف ضد النساء، الجمعية المغربية لحقوق النساء مطبعة فضالة المحمدية، 1997.

*الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء، التحرش الجنسي جريمة، سلسلة لنكسر الصمت، مطبعة النجاح الجديدة أبريل 2001.

*محمد مرزوكي: السياسة الجنائية في مجال الأسرة والأحداث ومساعدة الضحايا ندوة: السياسة الجنائية بالمغرب واقع وآفاق، نظمت بمكناس، أيام، 9-10-11 دجنبر 2004 المجلد الأول، منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية ع3-4 سنة 2004.

*نجاة الرازي وأخريات: العنف ضد النساء، دراسة في ملفات محكمة الجنايات بالدار البيضاء، أعمال المناظرة الوطنية للجمعية المغربية لحقوق النساء، يناير 1995، الدار البيضاء، مطبعة فضالة، المحمدية 1997.

*عبد العالي بناني سميرس: دور مفتشية الشغل وأثره على القضاء الاجتماعي، الندوة العلمية للقضاء الاجتماعي، الرباط، 1992، منشورات تتمة البحوث والدراسات القضائية.

رابعا: مقالات المجلات

*بوعزة ديدن: حماية الطفل في قانون العقوبات الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية الجزء 35، العدد 4، 1997.

*حدو عبد الرحمان: إهمال الأسرة في التشريع المغربي، مجلة الميادين، ع3، 1988.

*صبري الدبيحات: مفهوم وأشكال الإساءة للطفل في الثقافة العربية، مجلة علوم التربية، العدد 22 مارس 2002.

*طلعت منصور: نحو استراتيجية لحماية الطفل من سوء المعاملة والإهمال مجلة الطفولة والتنمية، المجلس العربي للطفولة والتنمية، العدد 4 مجلد 1، 2001.

*علوي جعفر: مفهوم الضحية في القانون الجنائي وفي علم الإجرام محاولة أولية لرصد مجالات الاختلاف والالتقاء، مجلة القانون والاقتصاد، عدد 16، 1999.

*عبد السلام حرمان: مظاهر العقاب البدني وآثاره على الطفل، المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والقانونية والاقتصادية، العدد 5-6، سنة 1992.

*عبد العزيز عبد الهادي مخيمر: اتفاقية حقوق الطفل خطوة إلى الأمام أم إلى الوراء، مجلة الحقوق الكويتية العدد 3، 1993.

*عبد الحفيظ بلقاضي: جريمة قتل الأم لطفلها الوليد، مجلة المحاكم المغربية، ع 88-89، 2001

*فرانسوا-بولان: تعويض الضرر المعنوي في القانون المدني المغربي المجلة المغربية للقانون المقارن، ع 5، سنة 1986.

*كمال لدرع: مدى الحماية القانونية والسياسية والاقتصادية، عدد 1-2، 2001.

*محمد ناصر متيوي مشكوري: موقع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في النظام الوطني المغربي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية العدد 54-55، 2004.

*محمد مطاع بركات: العدوان والعنف في الأسرة، مجلة عالم الفكر المجلد 27، العدد 4، أبريل يونيو 1999.

*مصطفى دانيال – أحمد شوقس بن يوب: حماية الأطفال ضحايا سوء المعاملة: تطور مقاربة، مجلة للطفل حقوق عدد مزدوج، 5-6 يونيو 2002.

*ميشيل مونسيو: سوء المعاملة وآليات التحمل، مجلة للطفل حقوق، عدد 5-6، يونيو 2002.

*مخلد الطراونة: حقوق الطفل دراسة مقارنة في ضوء أحكام القانون الدولي والشريعة الإسلامية والتشريعات الأردنية، مجلة الحقوق الكويتية، مجلس النشر العلمي، العدد 2 يونيو 2003.

*محمد صبري الجندي، في ضمان الضرر الجسدي الناتج عن فعل ضار مجلة الحقوق الكويتية، العدد 1، مارس 2004.

خامسا: مقالات الصحف

*أحمد بوزيان، محاربة تشغيل الأطفال يجب أن تستثني الأنشطة التي لا تنطوي على مخاطر، جريدة الصباح، السنة الثالثة، ع 889، بتاريخ 18 فبراير 2003.

*الاستعانة بالانتربول للقبض على مستغلي الأطفال جنسيا الأحداث المغربية، 20 مارس 2004.

*سميرة عثمان الصقلي، مؤامرة الصمت والسرية الاعتداء الجنسي على الأطفال، جريدة المستقل الأربعاء، 31 دجنبر 2003.

*جميلة البزيوي، العنف ضد الأطفال، جريدة المستقل من الجمعة 18 إلى الخميس 24 مارس 2005.

سادسا: مواقع الانترنيت

www.Islamonline/arabic/Adam/2003/12/article /11.shtn.1

www.hawadith.G.assabah.press.ma.

www.hedayah.net/modules.php?nam=News et Files=print26/05/05=et sid=263.

www.Tuneziene.net/breve.php3?id_breve=783.

http://www.aman jordan. Org/Arabic.news.

 

Bibliographies:

1.Traités et ouvrage 

·       B.L’Herbier-Malbranque, la protection de l’enfant maltraité, protéger, aider, punir et collaboration, l’Harmattan, 2000.

·       Bénedicte Manier : Le travail des enfants dans le monde, Edition la découverte, Paris, 1999.

·       Grosso, la protection de l’enfant en droit pénal, Rapport Italiens, Henri Capitant, 1979.

·       Henry Solus. Jaques Ghestin, la protection de l’enfant contre ses parents, Librairie Générale de droit et de Jurisprudence, Paris, 1984.

·       Ines Angelino : L’enfant, la famille, la maltraitance DUNOD, 2ème édition, 2001.

·       Marie-thérèse Colpin : Enfance de la violence de l’enfance, L’harmattan, Paris, 1999.

·       Roselyme Nerac Croisier, le mineur et le droit Pénal Logiques Juridiques, l’Harmattan, Paris, 1998.

2-Les articles de revues :

·       ARIANE Picco-Margrossin, L’utilisation d’enfants dans les films pornographiques R.I.D.P. N°3-4, 25-30 SEPTEMBRE 1979.

·       Chazal de Mouriac, la protection pénale de l’enfant en France. R.I.D.P. N° 3-4, 25-30 sept 1979.

·       Griacomo Canepa, les tendances actuelles de la protection pénale de l’enfance problème criminologique et médico, légaux, R.I.D.P N° 3-4, septembre 1979.

 

 

 

 

 

 

 

فهــــرس الموضوعات

                                                                                                                                             الصفحة

تقديم عام…………………………………………………………………….     1

القسم الأول: مظاهر الحماية الجنائية للطفل ضحية سوء المعاملة…………………….  13

   الفصل الأول: الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة وسلامته البدنية والنفسية………  16

     المبحث الأول: الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة والنماء…………………..   17     المطلب الأول: حماية الطفل من القتل…………………………………….    17

          الفقرة الأولى: الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة جنينا ووليدا……………   17

            أولا: تجريم الإجهاض……………………………………………….     18

            ثانيا: جريمة قتل الأم لوليدها…………………………………………     22

          الفقرة الثانية: قتل الطفل خلال باقي مراحل حياته…………………………    24

        المطلب الثاني: الحماية الجنائية للطفل المعرض للخطر……………………..   28               الفقرة الأولى: حماية الطفل من الإختطاف…………………………    28

          الفقرة الثانية: الحماية الجنائية للطفل المتخلى عنه والطفل المهمل……………  33                    أولا: حماية الطفل المتخلى عنه…………………………….. 33

                ثانيا: حماية الطفل من جرائم إهمال الأسرة………………………….    36

     المبحث الثاني:الحماية الجنائية لحق الطفل في سلامته البدنية والنفسية…………..  40     المطلب الأول: حماية الطفل من الإيذاء البدني……………………………..   41  

            الفقرة الأولى: الإيذاء البدني العادي ضد الطفل………………………….    41

            الفقرة الثانية: الإيذاء البدني بقصد التأديب………………………………    46

                أولا: مبررات إقرار حق الطفل في التربية والتهذيب………………….      46

                ثانيا: تجريم التعسف في تأديب الطفل………………………………    49

        المطلب الثاني: الحماية الجنائية للطفل من الإيذاء النفسي…………………….  53

           الفقرة الأولى: تجريم العنف اللفظي ضد الطفل…………………………..    53       الفقرة الثانية: إنكار نسب الطفل أو إدعائه، مساس خطير بنفسية الطفل……..  57

الفصل الثاني: الحماية الجنائية لأخلاق الطفل وصحته……………………………..   62

   المبحث الأول: الحماية الجنائية لعرض الطفل وأخلاقه…………………………..   63

        المطلب الأول: حماية الطفل ضحية الإغتصاب وهتك العرض………………..  63

          الفقرة الأولى: تشديد عقوبة اغتصاب قاصر………………………………   64

          الفقرة الثانية: تشديد عقوبة هتك عرض قاصر…………………………….   68

        المطلب الثاني: حماية الطفل من باقي أنواع الإعتداءات الجنسية………………  73

         الفقرة الأولى: حماية الطفل من التحرش الجنسي…………………………..    73

 الفقرة الثانية: تجريم تحريض الأطفال على الفساد وتسخيرهم في الأعمال    

               الإباحية…………………………………………………..    78

   المبحث الثاني: الحماية الجنائية لصحة الطفل…………………………………..   83

        المطلب الأول: تجريم الإهمال الصحي للطفل………………………………    83

          الفقرة الأولى: حق الطفل في الرعاية الصحية…………………………….    83

          الفقرة الثانية: الضمانات الحمائية لحق الطفل في الرعاية الصحية……………  88

        المطلب الثاني: تشغيل الأطفال مساس بحق الطفل في الصحة…………………91

         الفقرة الأولى: حماية الطفل من الاشتغال في سن مبكرة؛ حماية لصحته……….  91

         الفقرة الثانية: منع تشغيل الأطفال في الأعمال الشاقة والخطرة، حمايــة

لصحة الطفل………………………………………………96      

القسم الثاني: حماية قانونية ناقصة ودور القضاء في تجاوزها……………………….   100

        الفصل الأول: محدودية الحماية القانونية…………………………………..   102

         المبحث الأول: تجليات محدودية الحماية الجنائية للطفل ضحية سوء المعاملة…. 103

           المطلب الأول: حماية جنائية محدودة للطفل ضحية زنا المحارم……………  103

             الفقرة الأولى: زنا المحارم بالمغرب: واقعه وانعكاساته على الطفل……….     104

             الفقرة الثانية: غياب مفهوم جريمة زنا المحارم في القانون المغربي……….    107

          المطلب الثاني: حماية جنائية محدودة للطفل في وضعية صعبـة والطفـل

    ضحية جرائم إهمال……………………………………    112

            الفقرة الأولى: حماية قانونية ناقصة للطفل في وضعية صعبة……………..   112       الفقرة الثانية: حماية جنائية محدودة للطفل ضحية جرائم إهمال الأسرة……..    116

المبحث الثاني: ضعف تطبيق النصـوص الحمائيـة بيـن قصور آليـات الرقابـة

 وتشتت النصوص الحمائية……………………………………….    119

          المطلب الأول: ضعف مفتشيـة الشغـل؛ استدامة لإساءة معاملة الأطفال

    في ميادين العمل……………………………………….   120

          المطلب الثاني: تشتت النصوص الحمائية للطفل…………………………..   123

 الفصل الثاني: الحماية القضائية للطفل ضحية سوء المعاملة………………………..126

   المبحث الأول: دور القضاء في حماية الطفل ضحية سوء المعاملة………………..   127

        المطلب الأول: الضمانات القضائية لحماية الطفل الضحية……………………  127

          الفقرة الأولى: إقامة الدعوى العمومية ضد الجاني…………………………    127

          الفقرة الثانية: الحق في المطالبة بالتعويض عن طريق الدعوى المدنية التابعة…  133  

 

                المطلب الثاني: سلطة القاضي الزجر في تقدير وسائل الإثبات؛ ضمانة

 لحماية حق الطفل الضحية…………………………..  136

الفقرة الأولى: سلطة القاضي الزجري في تقدير وسائل الإثبات القضائية..   137

                  الفقرة الثانية: سلطة القاضي الزجري في تقدير وسائل الإثبات العلمية…   140

   المبحث الثاني: حق الطفل ضحية سوء المعاملة في التأهيل والتعويض…………….   144           المطلب الأول: حق الطفل الضحية في التأهيل……………………….   144

          الفقرة الأولى: مبررات إقرار حق الطفل الضحية في التأهيل……………….     144

          الفقرة الثانية: معيقات تأهيل الطفل الضحية………………………………    150

        المطلب الثاني: حق الطفل الضحية في التعويض عن الضرر………………..   154

          الفقرة الأولى: تعويض الضرر الناتج عن المساس بالكيان المادي للطفل……..   154

          الفقرة الثانية: تعويض الضرر الناتج عن المساس بالكيان المعنوي للطفل……..  158

الخاتمة……………………………………………………………………….162

لائحة المراجع المعتمدة…………………………………………………………164      

 

 


[1] – أحمد أوزي الطفل والعلاقات الأسرية، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، الدار البيضاء، 2002، ص:153.

[2] – سورة الإسراء الآية:31.

[3] – سورة النحل الآيتان 58-59.

[4] – رواه البخاري ومسلم.

[5] – أخرجه الترمذي عن أنس.

[6] – عبد العزيز مخيمر عبد الهادي، حماية الطفولة في القانون الدولي والشريعة الإسلامية، دار النهضة العربية، ط1، 1991 ص:315.

[7] – أحمد أوزي، الطفل والعلاقات الأسرية، مرجع سابق، ص:154.

[8] – تم تأسيس المرصد الوطني لحقوق الطفل سنة 1995 للإرتقاء بالمؤتمر الوطني لحقوق الطفل إلى مرصد وطني لحقوق الطفل بصفته مؤسسة وطنية، كما أسندت إلى المرصد مهمة تتبع إعمال مقتضيات الاتفاقية الدولية على صعيد مكونات المجتمع المغربي، فالدور المنوط به لا يقتصر فقط على طرح ومعالجة قضايا الطفولة وإعمال حقوقها بل يطلع بمبادرات أخرى تبقى أهمها التنسيق بين مختلف الشركاء.

[9] – تم تأسيس برلمان الطفل سنة 1999 وهو آلية من الآليات المعتمد عليها في مجال إعمال حقوق الطفل فهو بمثابة منتدى للحوار والتشاور بين الأطفال طبقا لتوصية جوهرية من المؤتمر الوطني لحقوق الطفل.

[10] – عملت الوزارة المكلفة بأوضاع المرأة ورعاية الأسرة والطفولة وإدماج المعاقين بتعاون مع الجماعات المحلية، على الشروع في إحداث مجالس بلدية للأطفال في الدوائر الترابية للعديد من الجماعات بتنسيق مع المجالس المنتخبة ومع نيابات وزارة التربية الوطنية سابقا وذلك من اجل حث الأطفال على الاهتمام بقضايا الشأن العام المحلي ومساهمة في التحسيس بقضاياهم وتلبية حاجياتهم ومراعاة متطلباتهم سواء من طرف المنتخبين الكبار أو الرأي العام المحلي، وقد انطلقت عملية إحداث المجالس البلدية الأطفال خلال شهر يوليوز 2001 في إطار استعداد بلادنا للمشاركة في القمة العالمية للطفولة.

  انظر: محمد الدريج، الأطفال في وضعية صعبة، سلسلة المعرفة للجميع العدد 25 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء 2002. ص:198 وما بعدها.

[11] – خطاب الملك محمد السادس للمؤتمر الوطني لحقوق الطفل في 24 يونيو 2002.

[12] – طلعت منصور، نحو استراتيجية لحماية الطفل من سوء المعاملة، والإهمال مجلة الطفولة والتنمية، المجلس العربي للطفولة والتنمية، العدد 4 مجلد1، سنة 2001، ص:13.

[13] – محمود أحمد طه، الحماية الجنائية للطفل المجني عليه، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، الطبعة الأولى، الرياض، 1999، ص:8.

[14] – محمود أحمد طه، مرجع سابق، ص:10.

[15] – كوثر كيزي، الحماية الدولية للطفل، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، في القانون الخاص جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق، فاس، سنة 2002-2003، ص:9.

[16] – سعاد قلالي، وضعية الطفل العامل بين المواثيق الدولية والتشريع الاجتماعي المغربي، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في لقانون الخاص جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الحقوق فاس، سنة 2002-2003 ص:7.

[17] – عبد العزيز عبد الهادي مخيمر، اتفاقية حقوق الطفل خطوة إلى الأمام أم إلى الوراء مجلة الحقوق ع3.س17، شتنبر 1993، الكويت، ص:138.

[18] – أنظر على سبيل المثال الفصل 459 من القانون الجنائي.

[19] – أنظر أيضا على سبيل المثال الفصل 471 من القانون الجنائي.

[20] – صبري الدبيحات "مفهوم وأشكال الإساءة للطفل في الثقافة العربية" مجلة علوم التربية، العدد 22، مارس 2002 ص:11.

[21] – طلعت منصور، مرجع سابق، ص:15.

[22] – للطفل حقوق، مجلة دورية تصدر عن المرصد الوطني لحقوق الطفل، عدد مزدوج 5-6، يونيو 2002، ص:24.

[23] – ذياب البداينة "سوء معاملة الأطفال، الضحية المنسية، الندوة العلمية حول سوء معاملة الأطفال واستغلالهم غير المشروع، أكاديمية ناييف للعلوم الأمنية أقيمت بالرباط، أيام 15 إلى 17 يناير 2001، ص:14-15.

[24] – طلعت منصور، مرجع سابق، ص:16.

[25] – محمد ناصر متيوي مشكوري: ملاءمة النصوص الوطنية مع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، منهجية عمل –أولويات- اختيارات مداخلة ضمن الندوة التي نظمتها كلية الحقوق، بفاس شعبة القانون الخاص مع المرصد الوطني لحقوق الطفل في موضوع: الأسرة والطفولة تحديات ورهانات يومي، 23 و24 نونبر 2000، ص:6.

[26] – سورة المائدة، الآية:32.

[27] – اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 والتي صادق عليها المغرب سنة 1993.

[28] – أحمد اجوييد، الموجز في شرح القانون الجنائي الخاص المغربي، الجزء الثاني، كلية الحقوق، فاس، السنة الجامعية 2004-2005 ص:55.

[29] – والمراد بالقصد هنا، هو القصد العام الذي يمكن توفره بمجرد القيام بتقديم الوسائل المؤدية إلى الإجهاض أو ممارسة الأفعال الموصلة إلى النتيجة المرجوة حتى ولو لم تتحقق هذه النتيجة انظر: سعد عبد العزيز، الجرائم الواقعة على نظام الأسرة، الديوان الوطني للأشغال التربوية، القاهرة، 2002، ص:45.

[30] – يعاقب الفاعل في هذه الحالة بعقوبة الشروع في الجريمة لأن العنصر المادي للجريمة يكون قد توفر غير أنه إذا كانت المرأة محل الجريمة عجوز بلغت سن اليأس وليس لها حمل ظاهر ولا يمكن توقع الحمل من أمثالها ويستحيل معه حصول النتيجة، فإن الفعل هنا لا يكون أي عنصر من العناصر المطلوب توفرها لجريمة الإجهاض.

[31] – سواء أسقط الجنين ميتا، أو حيا واستمر في الحياة لأنه في هذه الحالة يعاقب الفاعل على الشروع في الإجهاض، ولا تهم الوضعية القانونية للجنين من انه ابن شرعي أو ابن زنا، لأن القانون عاقب على فعل الإجهاض لذاته، ولم يفرق بين الإبن الشرعي وغير الشرعي، كما لا يهم جنس الجنين فالحماية تشمل الذكر كما تشمل الأنثى.

[32] – أحمد الخمليشي، القانون الجنائي الخاص، الجزء الثاني، مكتبة المعارف، الطبعة الأولى، الرباط 1982، ص:173.

[33] – لقد سكت القانون الجنائي المغربي عن الفترة التي يمكن فيها إسقاط النطفة أو الجنين، لذلك يلزم الرجوع إلى آراء الفقهاء لحل هذا الإشكال:

وبالرجوع إلى مختلف المذاهب الفقهية، نجد الفقهاء قد اختلفوا حول الإجهاض قبل نفخ الروح لذلك انقسموا إلى ثلاثة آراء:

الرأي الأول: يحرم الإجهاض مطلقا، ويمثل هذا الرأي فقهاء المالكية، ابن الجوزية من الحنابلة… والإمام الغزالي الذي يرى: "بأنه بمجرد امتزاج ماء الرجل مع ماء المرأة ويتم التلاقح، تكون هذه النطفة قد نالت حرمة تجعل محاولة إسقاطها جناية يعاقب عليها باعتبارها سببا لكائن بشري مرتقب ويستدل على ذلك بالقياس الجلي إذ يقول:

"وكيفما كان، فماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود، فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانيا على العقد بالنقض والفسخ ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع بعده رفضا وفسخا وقطعا، وكما أن النطفة في الفقار، لا يختلق منها  الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي". إحياء علوم الدين، الجزء الثاني، ص:51-53.

 كما يرى الشيخ "عليش" بأن المالكية لا يجيزون حتى مجرد التسبب في إسقاطه، حيث يقول: ما قولكم في التسبب في إسقاطه بعد تخلقه ونفخ الروح فيه؟ فأجبت: وإذا أمسك الرحم المني، فلا يجوز للزوجين ولا لأحدهما التسبب في إسقاطه، قبل التخلق على المشهور ولا بعده اتفاقا والتسبب في إسقاطه بعد نفخ الروح فيه محرم إجماعا". فتح العلي، المالك في الفتوى على مذهب الإمـام مالك، الشيخ عليش 1/399-400.

الرأي الثاني: يجيز إسقاط النطفة ويحرم ما عداها، وفي هذا يقول: الإمام القرطبي "النطفة ليست بشيء يقينا، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة، إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل" الجامع لأحكام القرطبي 12/8.

الرأي الثالث: يجيز الإجهاض قبل نفخ الروح، وهذا هو مذهب الحنفية الذين يعتبرون أن إسقاط الحمل قبل 4 أشهر مباح لأنه ليس بآدمي.

وبالنظر إلى تعدد الآراء فإنني أرجح الرأي الأول، لقوة أدلته، ولمسايرته للقواعد الشرعية، مثل قاعدة، "ما اعتبرت مظنته فهو معتبر شرعا" وأيضا قاعدة "المآل معتبر شرعا".

[34] – سورة المائدة الآية:32.

[35] – هذا الوضع لا يخص المغرب لوحده بل تعرفه مختلف بلدان العالم وإن كان ذلك بدرجة متفاوتة لتبقى بعض بلدان آسيا كالهند والصين تحطم الرقم القياسي من حيث عدد جرائم الإجهاض أو ما يسمى بالإجهاض الانتقائي للجنس حيث تقرر النساء إنهاء حملهن عند الكشف عن جنس الجنين الأنثى ويستمرون بالحمل عند توقع أبناء ذكور. كما أنه تطبيقا للسياسة المتبعة بالصين منذ عام 1989 تحت شعار طفل واحد لكل عائلة وما تقتضيه هذه السياسة من تزويد عديد من النساء بفرص للحصول على خدمات التخطيط العائلي، واجهت الفتيات تهديدات كثيرة حول بقائهن على قيد الحياة من ضمنها الإجهاض الانتقائي للجنس.

[36] – باستثناء بعض الحالات القليلة التي تصل إلى علم العدالة التي يزاح عنها رداء السرية والكتمان بسبب موت المرأة محل الإجهاض أو بسبب الوشايات التي قد يقدمها بعض العاملين بالمصحات كما هو الشأن بالنسبة لجرائم الإجهاض المفضعة التي كان يرتكبها أحد الأطباء بمدينة وجدة حيث كان يقدم الأجنة أكلة شهية لكلبه بعد طبخها فأدين من أجل ذلك بعشرين سنة سجنا نافذا. (حكم عدد 68 الصادر عن محكمة الاستئناف بوجدة بتاريخ 26/5/88).

[37] – عبد الحفيظ بلقاضي، جريمة قتل الأم لطفلها الوليد، مجلة المحاكم ع 88-89 س 2001 ص:74.

[38] – لم يحدد المشرع المغربي الفترة التي يعتبر الطفل فيها وليدا لما فتح الباب أمام تضارب وجهات نظر الفقهاء في تحديدها، وبالرجوع إلى آراء بعض الفقهاء نجده يعتبر الطفل وليدا يسري على قتله الفصل 397/2 منذ انفصاله من الرحم بكيفية تسمح بتوجيه الاعتداء إليه مباشرة حتى ولو كان الحبل السري لم يقطع بعد، وللمزيد من التفاصيل يراجع العلمي عبد الواحد "القانون الجنائي المغربي: القسم الخاص" مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء 1996ص:222.

[39] – أحمد أجوييد، الموجز في شرح القانون الجنائي الخاص، مرجع سابق، ص:27.

[40] – أحمد الخمليشي، القانون الجنائي الخاص، مرجع سابق، ص:68.

[41] – ممدوح خليل، الجرائم الماسة بحق الطفل في الحياة والسلامة البدنية، مجلة الحقوق الكويتية. ع 3 شتنبر 2003، ص:118.

[42] – هلالي عبد الله احمد، الحماية الجنائية لحق الطفل في الحياة بين القانون الوضعي والشريعة الإسلامية دار النهضة العربية، القاهرة 1989 ص:308.

[43] – لقد كان الولد في العصور القديمة ملكا لأبويه لهما حق التصرف فيه بأي شكل من أشكال التصرف أو حتى قتله، إذ تطلعنا العديد من الأحداث التاريخية إلى قدم الظاهرة، خاصة عصر الجاهلية، حيث كان عرب الجاهلية يقومون بوأد أطفالهم، خاصة الإناث منهم ويؤكد الله سبحانه وتعالى تلك الأفعال من خلال القرآن الكريم بقوله عز وجل "وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت" التكوير الآية:8-9

[44] – رجاء ناجي، قتل الرأفة أو الخلاص، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في الحقوق، كلية الحقوق أكدال، الرباط السنة الجامعية 1999-2000 ص:180.

[45] – ينص قانون العقوبات السوري على استفادة الأم التي تقتل وليدها غير الشرعي من هذا العذر المخفف فقط، وذلك اتقاء للعار، ومن ثم فهي لا تستفيد من هذا العذر إذا كان القتل لغير هذا الغرض.

[46] – لقد تطرقت لهذه الجريمة بشكل مستقل في الفقرة السابقة نظرا لما حظيت به من أحكام خاصة.

[47] – د.أحمد أجوييد، مرجع سابق، ص:5.

[48] – عبد الوهاب حومد، القانون الجنائي المغربي القسم الخاص، مكتبة التومي بدون ذكر الطبعة الرباط 1968، ص:64..

[49] – أحمد الخمليشي، مرجع سابق ص:12.

[50] – إلا أن هذا التوجه لا يتلاءم مع موقف الشريعة الإسلامية التي وإن كانت تقر القصاص كأشد عقوبة في حق القاتل مصداقا لقوله عز وجل "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بمعروف وأداء إليه بإحسان" البقرة الآية:178. إلا أنها تخفف العقاب متى كان القاتل والد الطفل المجني عليه لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا يقاد الولد بولده" بل بعقابه تعزيزا وهذا الحكم كما يسري على الأب فإنه يسري على الأم.

[51] – طبعا مع ضرورة توفر القصد الجنائي لدى الفاعل، أي اتجاه نيته إلى إحداث الموت (ف 410 ق.ج)

[52] – هذا التوجه يتماشى مع موقف فقهاء الشريعة الإسلامية الذين يقولون بأن القتل يمكن أن يتم بفعل سلبي وذلك بامتناع الجاني عن عمل معين فيؤدي امتناعه إلى قتل المجني عليه، كمن يحبس طفلا ويمنعه من الطعام والشراب حتى الموت، فإنه يعد قاتلا.

[53] – في هذا الصدد يقول الأستاذ أحمد الخمليشي أن وضع المشرع الجنائي المغربي للمادتين 410 و463 كان لمجرد مجاراة التسريع والاجتهاد المقارنين ولم يكن في حاجة إليهما بعد أن استعمل في المادة 392 عبارة "من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا" ويبرر ذلك بأن ترك الطفل دون تغذية أو عناية أو تركه أو تعريضه للخطر أو ترك عاجز عن حماية نفسه أو تعريضه للخطر بقصد القضاء على حياته يخضع للمادة 397 ق.ج ما دام الموت قد تسبب فيه تصرف الجاني.

[54] -Grosso (S .F) la protection de l’enfant en droit pénal, rapport italiens Henri Capitant, 1979, p :233

[55] – المواد 410 و463 ق.ج.

[56] – لأنه توجد مجموعة من المواد ضمن القانون الجنائي التي تنص على حماية خاصة للطفل حتى سن الثامنة عشرة كالمواد (471-483-486-497…).

[57] – تناول المشرع الكويتي تجريم خطف الأولاد حديثي العهد بالولادة عن طريق نص المادة 183 من قانون العقوبات التي تنص على أنه يعاقب بالحبس مدة ر تزيد على خمس عشرة سنة ولا تقل عن خمس سنوات كل من خطف طفلا حديث العهد بالولادة أو بدله، فيما خصص لجريمة اختطاف الطفل غير الحديث الولادة نص المادة 178 من قانون الجزاء.

[58] – لقد نصت المادة 283 من قانون العقوبات المصري على أن كل من خطف طفلا حديث العهد بالولادة أو أخفاه أو أبدله بآخر أو أغره زورا إلى غير والده يعاقب بالحبس، فإذا لم يثبت أن الطفل ولد حيا تكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على سنة أما إذا ثبت أنه لم يولد حيا فتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على شهرين أو غرامة لا تزيد على خمس جنيهات.

[59] – لأن خطف الأنثى تترتب عنه بعض الآثار الخطيرة إذا ما قورنت بالآثار التي قد تنجم عن خطف الذكر وذلك لعدة اعتبارات منها:

    أولا: الفتاة أقل قدرة على مقاومة الخاطف إذا ما قورنت مع الذكر الذي قد تمكنه قوته البدنية على مقاومة المختطف والإنفلات من قبضته.

    ثانيا: مرتبط بشرف الأنثى، كما هو معلوم فالفتاة في مجتمعاتنا، بل والمجتمعات الإسلامية ككل يتخوف على عذريتها وشرفها وسمعتها، فإذا ما اختطفت، فإن من شأن ذلك أن يؤثر كثيرا على سمعتها وشرفها، الأمر الذي قد تنجم عنه آثار وخيمة على نفسيتها والتي قد تلاحقها مدى الحياة كما أن هذه الآثار غالبا ما ستمتد إلى أسرتها.

[60] – تنص المادة 290 من قانون العقوبات المصري على أن كل من خطف بالتحايل أو بالإكراه أنثى بنفسه أو بواسطة غيره يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة، ومع ذلك يحكم على فاعل هذه الجناية بالإعدام إذا اقترنت بها جناية مواقعة المخطوفة بغير رضاها.

    وفقا لهذه المادة، فإن من يختطف أنثى بالإكراه أو بالتحايل أيا كان سنها يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة لما في استعمال القوة والتحايل من إرهاب وإثارة للرعب لدى الأنثى فضلا عن كشف مواطن الإجرام وشرور نفس الجاني. غير أنه باغتصاب المخطوفة يكون الجاني قد دخل في حالة التعدد وهو بذلك يستحق أشد العقوبات وهي الإعدام.

   انظر: محمود أحمد طه، "الحماية الجنائية للطفل المجني عليه" أكاديمية نايف للعلوم الأمنية، الطبعة الأولى، الرياض 1999، ص:64.

[61] – لقد أصبحت ظاهرة اختطاف الأطفال من قبل أحد الوالدين تعرف انتشارا واسعا خلال العقود الأخيرة خاصة مع تزايد أعداد الزيجات المختلطة، حيث غالبا مع يعمد أحد الأبوين الذي حرم من حقه في الحضانة إلى استغلال صغر سن الطفل محاولا بذلك التأثير عليه ليسهل عليه اصطحابه معه إلى بلده الأصلي، فيصبح بذلك الطفل كوسيلة للانتقام وأداة للضغط على الطرف الآخر من أجل إرغامه على تقديم بعض التنازلات المتعلقة بالحقوق المرتبطة بإنماء العلاقة الزوجية، حيث تمثل نسبة الأطفال المختطفين والناتجين عن زواج مختلط اكبر نسبة من مجموع الأطفال المختطفين على الصعيد الدولي.

ولأجل حل هذه الإشكالية التي تخلق الكثير من المعاناة وانعكاسات خطيرة سواء على نفسية الطفل الذي حرم من أحد أبويه أو على نفسية الأب الآخر الذي يتجرع مرارة حرمانه من فلذة كبده بدون حق، فقد عمل المجتمع الدولي على إيجاد إطار قانوني لمعالجة قضايا النقل غير المشروع للأطفال، يتجلى بشكل أساسي في مجموعة من الاتفاقيات الدولية والثنائية التي أبرمت منذ بداية الثمانينيات وتأتي في مقدمتها اتفاقية لاهاي حول المظاهر المدنية للاختطاف الدولي للأطفال المبرمة سنة 1980 والتي تضمنت العديد من الإجراءات التي من شأنها تامين إرجاع الأطفال الذين نقلوا أو تم الاحتفاظ بهم بطريقة غير مشروعة في إحدى الدول المتعاقدة حيث أعطت هذه الاتفاقية صلاحيات واسعة للسلطتين القضائية والإدارية من أجل تقدير مدى مصلحة الطفل في الرجوع.

وعلى الرغم من عدم مصادقة المغرب على اتفاقية "لاهاي" –السالفة الذكر- فإنه قد أبرم بعض الاتفاقيات الثنائية من اجل هذه الإشكالية، نذكر من بينها الاتفاقية المغربية الفرنسية لسنة 1981، التي تطرقت في مادتها 25 للنقل غير المشروع لأطفال والإجراءات التي يجب اتخاذها لإرجاع الطفل إلى مكان إقامته الاعتيادية وكذلك الاتفاقية المغربية الإسبانية التي عالجت قضايا النقل غير المشروع للأطفال بين البلدين.

[62] – عائشة التاج، الأطفال المتخلى عنهم أية رعاية اجتماعية، ندوة الأسرة والطفل والتحولات المجتمعية، منشورات جمعية الشعلة، الطبعة الأولى 2002 ص:57.

[63] – مصباح مصباح القاضي، الحماية الجنائية للطفولة، دار النهضة العربية ط1، القاهرة 1998 ص:40.

[64] – نفس المقتضى عمل به قانون العقوبات المصري (المادة 285) وقانون العقوبات العراقي (المادة 383).

[65] – ولو كان من شأنه في غيره من الأوقات أن يكون أهلا بالناس، كالطريق العام مثلا، فإنه من الجائز أن يعتبر خاليا من الناس في ساعة متقدمة من الليل ولو كلن السير به لا ينقطع مطلقا أثناء النهار، لذا فإن خلو الشارع من الناس أو عدم خلوه منهم، مسألة موضوعية تترك لتقدير محكمة الموضوع. محمد مصباح القاضي، مرجع سابق ص:41.

[66] – القرار عدد 1909/7 الصادر بتاريخ 16/09/1999، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 57-58 السنة 23. يوليوز 2001.

[67] – لقد اختلفت التشريعات الجنائية في تحديد بعض أوصاف أفعال التعريض للخطر، فمنها من جاء بصيغة غير جامدة عندما اشترط لتحقق هذه الجريمة توافر أحد أشكال السلوك التي قررها، وهي التخلي أو الترك كالمشرعين المغربي والفرنسي ومنها من اشترط وقوع الأمرين كقانون العقوبات المصري، ومنها من اكتفت بذكر التعريض للخطر وجعلت من ترك الطفل في مكان خال من الناس ظرفا مشددا للجريمة كالمشرع العراقي. ولاشك في أن عبارة التعريض للخطر شاملة لكل المعاني التي تدل على وضع الطفل في مكان غير بعيد على محل إقامته أو العناية به أو رعايته سواء أكان ذلك بفعل إيجابي أو سلبي، فمن يحث طفلا على عبور الشارع المحفوف بمخاطر السير يعد مرتكبا لجريمة تعريض الطفل للخطر شأنه شأن المشرفة على رحلة الأطفال إذا تركتهم دون رقابة. ممدوح خليل، الجرائم الماسة بحق الطفل في الحياة والسلامة البدنية. مرجع سابق ص:230.

[68] – مع الإشارة إلى أن الفصلين (430 و431 ق.ج) قد نصا على عقوبة جنحية بالنسبة للممتنع عن الحيلولة دون وقوع جناية أو جنحة ماسة بالسلامة البدنية للأشخاص أو امتنع عن تقديم مساعدة لشخص في خطر.

[69] – أحمد أجوييد، مرجع سابق، ص:63.

[70] – تجمع جل الدراسات النفسية والاجتماعية المتعلقة بالطفولة على ضرورة وأهمية تهيئة الجو العائلي المناسب للطفل، فقد دعت الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الدول الأطراف إلى دعم وحماية حق الطفل في الجو العائلي المناسب، حيث جاء في ديباجتها أن اكتمال شخصية الطفل ونضجها متوقف على وجود جو عائلي مناسب وأن الأسرة هي الفضاء أو البيئة الوحيدة التي يمكنها ضمان نمو ورفاهية الطفل كما حثت المادة الخامسة الدول الأطراف على احترام مسؤوليات وحقوق وواجبات الوالدين في أن يوفروا للطفل التوجيه والإرشاد الملائمين، كما دعمت (المادة 7) هذا الحق بنصها على حق الطفل من معرفة والديه وتلقي رعايتهما. –عبد الهادي مخيمر، اتفاقية حقوق الطفل خطوة إلى الأمام أم الوراء، مجلة الحقوق. ع 3، 1993، ص:147.

[71] – لم يحدد هذا الفصل مفهوم الموجب القاهر وهو بذلك يخضع في تقديره للسلطة التقديرية للقاضي حسب الظروف والملابسات المحيطة بكل نازلة.

[72] – لقد أثبتت مختلف الدراسات الطبية أن الجنين يتأثر بسرعة من أي اعتداء مادي قد يلحق أمه أو حالة نفسية سيئة قد تمر بها، والتي قد تتسبب في سقوطه قبل أوانه الطبيعي، وما تنصيص المشرع على حماية المرأة الحامل من جريمة إهمال الأسرة، إلا لتجنب الانعكاسات النفسية لهذه الجريمة على المرأة وما قد يترتب عن ذلك من أذى للجنين (طفل المستقبل).

[73] – هنا الطرح يؤكدـ القرآن الكريم نوعين من الأسر وهما بمثابة أرضية ومنبت للطفل:

    -أسرة صالحة وأسرة غير ذلك، شبههما الله سبحانه وتعالى بالبلد الطيب والبلد الخبيث ولئن كانت الأسرتين معا في الخطاب الإلهي تشكلان مصدرا للطفل، -النبتة- فإن الخالق عز وجل حث على ربط الطفل بالأسرة الصالحة، فإذا لم يتسلم المنبت لم تسلم نبتته، قال تعالى: "والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا" (الأعراف الآية 58) ومن ثم نستنتج أن الحق في الأسرة من خلال القرآن الكريم هو وليد الأسرة الصالحة وسابق على الوجود الواقعي للطفل

وهذا ما أكدته السنة النبوية الشريفة إذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وأنكحوا إليهم" (سنن بن ماجة)، محمد كراحة –الحق في الأسرة محاولة في التأسيس بحث لنيل د.د.ع.م. كلية الحقوق، فاس السنة الجامعية 2002-2003، ص:63.

[74] – سعيد أزكيك، إهمال الأسرة في التشريع المغربي، مطبعة الهلال العربية، السنة 1992 ص:31-32.

[75] – قرار عدد 103 بتاريخ 28/01/1982 ملف جنائي رقم 64603، مجموعة قرارات المجلس الأعلى في المادة الجنائية 1966-1988 ص:71.

[76] – فهمي مصطفى محمود، نورهنا إبراهيم، العنف الأسري في المغرب، مركز سينا للبحوث العلمية والدراسات الطبعة الأولى، 2001، ص:43.

[77] – منظمة العفو الدولية، تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم، فضائح في الخفاء، عار في طي الكتمان، أمنشي المغرب، ط2 الرباط 2001 ص:14.

[78] – محمود أحمد طه، مرجع سابق، ص:83.

[79]- Yves Tyrode-Stephone Bourcet, L’enfance maltraité, collection vive et comprendre paris 1999, p :23.

[80] – صبري الدبيحات، مرجع سابق ص:14.

[81] – مصطفى دنيال، شوقي بن يوب، سوء المعاملة، مجلة للطفل حقوق عدد مزدوج 5/6، س 2003 ص:9-10.

 

[82] – عبد السلام حرمان، مظاهر العقاب البدني وآثاره على الطفل، المجلة الجزائرية للعلوم السياسية والقانونية والإقتصادية، العدد 5-6، سنة 1992، ص:67.

[83]- Yvers Tyrode Bourcet, Op-Cit. P :23.

[84] – مصطفى دنيال، احمد شوقي بن يوب، مرجع سابق ص:9-10.

[85] – ممدوح خليل البحر، مرجع سابق ص:235.

[86] – وثيقة نيويورك الصادرة عن الأمم المتحدة تحت عنوان "عالم صالح للأطفال" سنة 2002.

[87] – غير أنه إذا كان المعتدي على الطفل والديه أو أحدهما، فإن هذه العقوبات قد لا تحقق النفع المرجو من ورائها لصالح الطفل، لأن حرمان الوالدين من رعايتهما للطفل وإيداعه لدى إحدى المؤسسات المختصة أو لدى أسرة بديلة قد يشكل في حد ذاته إيذاء نفسيا أو اجتماعيا خطيرا للطفل.

[88] – قد يعتقد البعض بأن الحديث عن إيذاء الأطفال من قبل الوالدين فيه نوع من المغالاة والتضخيم إلا أن الواقع عكس ذلك، حيث تظهر العديد من الوقائع والأحداث التي أفرزها المجتمع المغربي خطورة ما يقدم عليه بعض الآباء ضد فلذات أكبادهم، فعوض أن يكونوا هم أول من يحمي أطفالهم من إيذاءات الغير، فإنهم قد يصبحون أول من يلحق الأذى بهم.

      وهذا ما عكسته لنا بعض القضايا التي عرضت على المحاكم كما هو الشأن بالنسبة للقرار الصادر عن محكمة الاستئناف بفاس، عدد 21/2004 بتاريخ 17/02/2004 والقاضي بالسجن المؤبد ضد أب لم تصده عواطف الأبوة على ضرب وكي (بأداء ساخنة) ابنته البالغة من العمر عشر سنوات بمختلف أطراف جسمها حتى الموت (قرار غير منشور).

    وفي قضية أخرى أحالت الضابطة القضائية التابعة للدائرة الأمنية الرابعة آنفا بالدار البيضاء على المحكمة الابتدائية أبوين بتهمة تعذيب طفلتهما التي لم تتجاوز من العمل أربع سنوات، حيث عاينت الشرطة آثار التعذيب على فخدي الطفلة كما علمت بأن هذه الأخيرة تترك بلا أكل، وفي محاولة تبرير هذا السلوك الشاذ، صرحت الأم للشرطة بأنها تتعاطى المخدرات وهو ما صرح به الأب بدوره، وأضافت الأم أن الشجار الذي يحدث بينها وبين زوجها يجعلها في حالة نفسية جد سيئة، فتشفي غليلها في طفلتها التي لا تكف عن البكاء. أما الأب، فقد ذكر في سياق اعترافاته انه حين يكون فاقد الوعي يجد لذة كبيرة في إطفاء أعقاب السجائر التي يدخنها على جسد الطفلة.

    أنظر: جميلة البزيوي، جريدة المستقبل، من الجمعة 18 إلى الخميس 24 مارس س:2005 ص:22.

[89] – مصباح مصباح القاضي، مرجع سابق، ص:46.

[90] – كما توجد أحاديث أخرى تسير في هذا السياق: إذ جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت "جاء أعرابي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تقبلون الصبيان وما نقبلهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أوَ أملك لو املك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك" كما قال رسول الله صلى اله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته… والرجل راع ومسؤول في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها…" أخرجه احمد والشيخان وأبو داود…

[91] – سورة التحريم الآية:6.

[92] – ممدوح خليل البحر، مرجع سابق ص:207.

[93] – سورة الأعراف الآية: 156

[94] – سورة النحل الآيتان 58-59.

[95] – عبد السلام حرمان، مرجع سابق، ص:73-74.

[96] – وهذا الضرب الخفيف ليس من اجل الانتقام من الصغير، أو لتوقيع حد عليه، لأن الحدود الشرعية في الشريعة الإسلامية لا توقع على الأطفال، حيث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاث، عن الصغير حتى يحلم والمجنون حتى يفيق والنائم حتى يستيقظ". لمزيد من المعلومات يمكن الرجوع لكتاب مصباح مصباح القاضي، مرجع سابق ص:47.

[97] – العزاوي، حماية القاصرين بين التشريع المغربي والشريعة الإسلامية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال الرباط، السنة الجامعية 1986 ص:72.

[98] – غير أنه تنبغي الإشارة إلى انه يتعين على الآباء والمعلمين ومن لهم سلطة على الطفل أن تكون لهم دراية بالطرق البيداغوجية في التربية والتأديب، لتفادي العقاب الذي قد يستعمل لبسط السلطة على الطفل وفرض خضوعه للأوامر، وفرض طاعته العمياء والتلقائية، دون أي توضيح لأخطائه وهفواته، ليستوعب تصرفاته الخاطئة حتى يتجنبها مرة أخرى عن قناعة.

لأن عدم إشعار الطفل بأخطائه سيدفعه لتنفيذ الأوامر والتوجيهات المقدمة إليه لا بدافع الشعور بالمسؤولية، وإنما بدافع الخوف من الضرب الذي قد يتعرض له في حالة عدم تنفيذها الأمر الذي ستكون له انعكاسات نفسية خطيرة على الطفل قد تجعل منه شخصا يميل إلى عدم الصدق والصراحة والتمويه.

[99] – ممدوح خليل البحر، مرجع سابق، ص:232.

[100] – فقد جاء للجنة حقوق الإنسان بأن العديد من الدول تجيز العقوبة البدنية أو "التأديب المعقول" في إطار العائلة أو المدرسة وهي ممارسة أدانتها اللجنة: "هناك عدد قليل من البلدان التي لديها قوانين واضحة بشأن هذه العقوبة، وقد حاولت بعض الدول التمييز بين إصلاح الأطفال والعنف المفرط. وفي الواقع إن الخط الفاصل بين الاثنين خط اصطناعي، ومن السهل الانتقال من مرحلة إلى أخرى كما أن المسألة مسألة مبدأ، فإذا كان لا يجوز ضرب شخص بالغ فلماذا يجوز ضرب طفل؟ كما دعت منظمة العفو الدولية إلغاء العقوبة البدنية في المدارس. للمزيد من الاستفادة يمكن الرجوع إلى التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية تحت عنوان تعذيب الأطفال وإساءة معاملتهم، فضائح في الخفاء، عار في طي الكتمان، مرجع سابق، ص:14-15.

[101] – أبو الوفا محمد أبو الوفا: العنف داخل الأسرة بين الوقاية والتجريم والعقاب في الفقه الإسلامي والقانون الجنائي، دار الجامعة الجديدة للنشر، الإسكندرية، 2000 ص:58.

[102] – وهو ما قد يفسر ارتفاع جرائم الإيذاء. البدني ضد الأطفال التي تتصدر قائمة عدد قضايا الجرائم المرتكبة ضد الأطفال فحسب إحصائيات وزارة العدل، في سنة 2001 مثلا، تم تسجيل 23 قضية توبع أصحابها بالضرب والجرح المفضي إلى الموت دون نية إحداثه و43 قضية أدين المتابعون فيها بجرائم الضرب والجرح المفضي إلى عاهة مستديمة، و1537 قضية العنف الناتج عنه عجز يقل عن 20 يوما و420 قضية عنف الناتج عنه عجز أكثر من 20 يوما.

   وهي أرقام إن دلت على شيء فإنما تدل على خطورة الظاهرة واتساعها على نطاق واسع الأمر الذي يتطلب اتخاذ إجراءات صارمة مرفوقة ببرامج التوعية والتحسيس بخطورة الظاهرة حماية الأجساد الفتية.

[103] – محمود أحمد طه، مرجع سابق ص:91.

[104] – وفي هذا الإطار دعت منظمة العفو الدولية إلى التزام الجدية في مقاضاة موظفي المدارس بسبب الاعتداء على التلاميذ وضربهم في الحالات التي عانوا فيها من إصابات تراوحت بين الجروح والرضوض والأضرار النفسية والإصابات البالغة مثل كسر العظام، والنزيف الداخلي، وخلع الأسنان. التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية مرجع سابق، ص:14.

[105] – محمد الدريج، الأطفال في وضعية صعبة، سلسلة المعرفة للجميع رقم 25، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2002، ص:163 و164.

[106] – محمود احمد طه، مرجع سابق ص:93.

[107] – حتى وإن تكررت الضرورة القصوى، فإنه يتعين عدم الإكثار من العقاب البدني لأن الضرب المتكرر يمحو إحساس الطفل وشعوره بالندم، وليكن التأديب بعيدا عن الانتقام، لأنه في هذه الحالة سيخرج  التأديب من دائرة النفع إلى الضرر لذلك يتجنب تأديب الأطفال –عن طريق الضرب- في حالة الغضب فكم من أب أدب ولده ضربا في لحظة غضب فألحق به ضررا بليغا أدى به في النهاية إلى توقيع عقوبات جنائية عليه.

[108] – راجع الحديث النبوي الشريف الوارد في الصفحة    الذي لا يسمح لمن استعمل الضرب عند تأديب الطفل بتجاوز الثلاث.

[109] – يمكن تعريف العنف اللفظي ضد الطفل بأنه تلك الألفاظ أو الكلمات الجارحة والحاملة لمعاني محطة بالكرامة والتي توجه ضد الطفل وتلحق به آلاما نفسية.

[110] – أحمد أزي، الطفل والعلاقات الأسرية، الطبعة الأولى، مطبعة النجاح الجدية الدار البيضاء 2002 ص:155.

[111] – لقد حرصت الشريعة الإسلامية على حماية الإنسان من الأضرار التي تنتج عن المساس بشرفه فحرم الإسلام القذف والسب استنادا إلى قوله تعالى "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المومنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم" سورة النور الآية 23 ولما جاء في الحديث النبوي الشريف "واجتنبوا الموبقات السبع، قالوا يا رسول الله ما هي؟ قال: الشرك بالله عز وجل والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق واكل الربا واكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف ورمي المحصنات الغافلات المومنات"

  وبما أن الضرر الحاصل من القذف يمس بشرف وسمعة المقذوف واعتباره فإنه يثبت للمقذوف الحق في دفعه في حياته وينتقل هذا الحق بعد وفاته إلى ورثته وممن يتألمون لإشاعة الفاحشة بموروثهم.

   للمزيد من الاستفادة في هذا الإطار يمكن الرجوع إلى أطروحة خديجة عاشور تحت عنوان: "الحماية القانونية للمقومات المادية والمعنوية لحقوق الشخصية الإنسانية". جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال الرباط، السنة الجامعية 1998-1999 ص:313 وما بعدها. 

[112] – الصادر في 3 جمادى الأولى 1378 موافق لـ15 نونبر 1958 المعتبر بمثابة قانون الصحافة خاصة الفصول 44 و45 و46 و47 و48 و51 منه.

[113] – المذكرة الوزارية رقم 06/99 الصادرة بتاريخ 23 شتنبر 1999.

[114] – عبد السلام عسيري، الأنماط التقليدية والمستحدثة لسوء معاملة الأطفال وللآثار المترتبة عليها، أعمال الندوة العلمية حول سوء معاملة الأطفال واستغلالهم غير المشروع، أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، أقيمت بالرباط أيام:15 إلى 17، 2001 ص:14.

[115] – محمد بن محجور المزغراني، أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية ج.2، الطبعة الأولى، 1994، ص:13.

[116] – فقد اهتم الإسلام بالنسب، حيث نظم قواعده، فلم يعترف بالبنوة الناشئة عن الزنا وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (رواه البخاري ومسلم وغيرهما) كما أبطل نظام التبني، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: "وما جعل أدعياءكم أبناءكم" (سورة الأحزاب الآية 40)، فلم يلحق الإسلام بالرجل إلا الأولاد الذين تنسلوا منه بناء على علاقة مشروعة، كما لا يحق لأي شخص أن ينتسب إلى غير أبيه الشرعي ولا أن يدعي أنه ابن شخص وهو يعلم أنه لم يتنسل منه، حيث جاء في الحديث النبوي الشريف "من ادعي إلى غير أبيه فالجنة حرام عليه" (أخرجه البخاري ومسلم)، كما أباح الإسلام للأب أن يعترف بأبوته لابن غير معروف النسب (أو الاستحقاق) ولا يحق للأب الشرعي أن ينكر نسب ابنه إلا عن طريق اللعان وقد نصت مدونة الأسرة مؤخرا على إمكانية اعتماد الخبرة كوسيلة طبية لإثبات النسب أو إنكاره وهي ثورة علمية في هذا المجال ستشكل دعما قويا لحماية حق الطفل في النسب.

[117] – وخير مثال على تلك الحالات التي عرضها برنامج (2M) والتي تعكس نفسية مدمرة لأشخاص تم إنكار أو ادعاء نسبهم.

[118]- Khadija Mosleh, La procréation naturelle au Maroc, Mémoire de DESA en Science Juridique, Faculté des Sciences Juridique Economique et Sociales, Rabat, Agdal, 1992-1993 p :122.

[119] – القانون رقم 99-37 المتعلق بالحالة المدنية الصادر بتنفيذه ذهير شريف رقم 102.239 بتاريخ 25 رجب 1423 الموافق لـ3 اكتوبر 2002 المنشور بالجريدة الرسمية عدد 5054 بتاريخ 2 رمضان 1423/7 نونبر 2002.

[120] – لقد نصت هذه المادة على الغرامة كعقوبة دون العقوبة الحبسية، وهذا مسلك محمود لأن اعتقال الأب ستكون له انعكاسات على الأبناء، والأسرة ومن ثم فإن الرفع من العقوبات المالية هو الأجدى لتحقيق الردع في مثل هذه الحالات.

[121] – خالد بنيس، دعاوى الحالة المدنية، منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1994، ص:171.

[122] – مغنية رشيدي، حق الطفل في النسب، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة الأسرة والطفولة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية فاس، السنـة الجامعية 2002-2003، ص:165.

[123] – مغنية رشيدي، مرجع سابق، ص:165.

[124] – محمد مصباح القاضي، مرجع سابق، ص:50.

[125] - http :www.Islamoline.net/Arabic/Adam/2003/12/article 11.Shtnl.

[126] – محمود احمد طه، مرجع سابق، ص:192.

[127] – نفس المرجع.

[128] – إن الشخص الذي يرتكب جرائم الاغتصاب (خاصة ضد الأطفال) إنسان غير سوي، باعتبار أن الاغتصاب هو أقصى درجات العنف، فالذي يقدم على هذا الفعل تحكمه دينامية لا شعورية تجعله يقدم على ارتكاب هذا الفعل دون وعي، فقد أثبتت معظم الدراسات، أن أغلب الجناة كانوا بدورهم ضحايا اعتداءات جنسية مماثلة في صغرهم.

[129] – محمد مصباح القاضي، مرجع سابق، ص:50-51.

[130] – ونظرا لخطورة هذه الجريمة، فإن هناك من الفقهاء المسلمين من اجمعوا على معاقبة مغتصب الأنثى بحد الحرابة ويمثل هذا الاتجاه –فقهاء المالكية والظاهرية وبعض الشافعية- وذلك لما تنطوي عليه فعل الاغتصاب من المغالبة واستعمال للعنف، وترويع الآدميين والإخلال بالنظام العام في المجتمع.

      فلاشك أن الجاني بفعلته الشنيعة هذه، قد دخل في زمرة المحاربين لله ورسوله وعاث في الأرض بالفساد، وما يدعم هذا الاتجاه في الفقه ما قال به المفسرون في النصوص الواردة في هذا الموضوع وهو قوله تعالى: "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم" سورة المائدة الآية 33.

    وفي ذلك يقول الإمام مالك "من دخل على رجل في حريمه، على أخذ ماله فهو عندي بمنزلة المحارب يحكم فيه كما يحكم في المحارب".

    وللإشارة فإن العقوبة المقررة لحد الحرابة في الشريعة الإسلامية متعددة وهي غاية في الشدة، إذ تجمع بين عقوبة القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلال أو النفي من الأرض.

    للمزيد من التفاصيل في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى مؤلف: محمد الشيحات الجندي، جريمة اغتصاب الإناث في الفقه الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي، دار النهضة العربية، القاهرة 1990، ص:266 وما بعدها.

[131] – علـي أبو احجيلة، الحماية الجزائية للعرض، في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، ط1، دار وائل للنشر، عمان، 2003، ص:118.

[132] – سميرة عثمان الصقلي، مؤامرة الصمت والسرية، الاعتداء الجنسي على الأطفال، جريدة المستقبل، الأربعاء 31 دجنبر 2003، ص:5.

[133] – قرار عدد 257/98 الصادر بتاريخ 24/06/1998..

[134] – قرار عدد 712، الصادر بتاريخ 13 نونبر 2002.

[135] – القرار عدد 236، الصادر من محكمة الاستئناف بفاس، بتاريخ 29 مارس 2001.

[136] – مراد دودوش، مرجع سابقن ص:150.

[137] – أحمد أجوييد، مرجع سابق، ص:83.

[138] – فعلى الرغم من كون هتك العرض لا يفترض اتصالا جنسيا بين الجاني والمجني عليه إلا أنه يفترض المساس بحرمة المجني عليه، فالفعل المخل بالحياء على نحو جسيم هو بحسب المجرى العادي للأمور تمهيدا لاتصال جنسي أو على الأقل يشير في ذهن المجني عليه فكرة الاتصال الجنسي وهو اتصال غير مرغوب فيه وبالإضافة إلى ذلك فهذه الجريمة تنطوي على المساس بالشرق وحصانة الجسم بصفة عامة ولمزيد من التفاصيل في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى مؤلف، سعيد الفكهاني، التعليق على القانون الجنائي المغربي في ضوء الفقه والقضاء، ج3، ط1، الدار العربية للموسوعات، 1993، ص:214 وما بعدها.

[139] – الفصل 484 ق.ج.

[140] – إن الحكمة من تشديد عقوبة هؤلاء الأشخاص هي ردع من سولت له نفسه خيانة الثقة التي توضع فيه تبعا لمركزه إزاء الصغير الذي يصبح فريسة سهلة له لوجوده معه بدون رقابة في أغلب الأحيان إذ يعتبر هو نفسه مسؤولا عنه ومن المفترض فيه أن يحميه من كل أنماط سوء المعاملة بدلا من الإساءة إليه غير أن اعتبار صفة موظف أو رئيس ديني ظرف تشديد في بعض الجرائم يعد غريبا عن المجتمع المغربي المسلم، إذ المقصود بالموظف الديني أو الرئيس الديني الأشخاص الذين تحول لهم صفتهم هذه الاتصال الانفرادي بالناس بما فيهم النساء وممارسة الضغط المعنوي عليهم بما يملكونه من وساطة بينهم وبين خالقهم تحط بها خطاياهم وتبدل بها بسيئاتهم حسنات وهذا إن صدق على التقاليد الكنسية فإنه لا مجال له بالنسبة للديانة الإسلامية، التي لا يملك فيها أحد التسلط باسم الدين أو الإكراه المعنوي للأفراد بدعوى الغفران ومحو الخطيئة. انظر: أحمد الخمليشي، شرح القانون الجنائي، مرجع سابق، ص:156.

[141] – محمد مصباح القاضي، مرجع سابق، ص:51.

[142] – هلالي عبد الله احمد، الحماية الجنائية للأخلاق من ظاهرة الانحراف الجنسي، دار النهضة العربية القاهرة، 1996 ص:206.

[143] – الفصل 487 من القانون الجنائي

[144] – الفصل 488 من القانون الجنائي.

[145] – محمود احمد طه، مرجع سابق، ص:133.

[146] – قرار اورده مراد دودوش، مرجع سابق، ص:147.

[147] -العنف ضد النساء أية حماية، أعمال المناظرة الوطنية، الجمعية المغربية لحقوق النساء مطبعة فضالة، المحمدية، 1997 ص:48.

[148] – قرار عدد 30، قضية رقم 99/86، الصادر بتاريخ 01/04/1987. مجلة الميادين العدد 4-1989 ص: 18.

[149] – قرار أورده علي أبو احجيلة، مرجع سابق. ص:273

      وفي نفس السياق يمكن القول بأن السلطة قد تنبع من القانون ذاته وتسمى حينئذ سلطة قانونية L’autorité de droit وذلك عندما يكون الإشراف على المجني عليه أداء لواجب قانوني عهد به  إلى الجاني. وهذه السلطة في غالب الأحيان تكون مفترضةprésumée  ومن أمثلتها الوصي أو القيم المعين من قبل المحكمة، المعلم الذي يقوم بتربية وتعليم المجني عليه، المشرف على معسكرات الإجازات إلى الأشخاص الذين في خدمة المجني عليه أو ذويه، كما ينسحب التشديد أيضا إلى الموظفين العموميين عندما يرتكبون جريمة الاغتصاب أثناء أو بمناسبة ممارسة مقتضيات وظائفهم.

    لذلك قد يكون مصدر السلطة الواقع، وفي هذه الحالة تسمى سلطة واقعية أو فعلية L’autorité de fait وعلة التشديد أن من له هذه السلطة على المجني عليه سيكون له من قوة التأثير الأدبي ما يمكنه. -إذا أساء استعمال سلطة- من التوصل بسهولة إلى مواقعته جنسيا. ومن التطبيقات القضائية في هذا الشأن: زوج الأم بالنسبة لأطفالها من زوجها الأول كما يعتبر عشيق الأم في القانون الفرنسي أيضا من ذوي السلطة على أطفالها في حالة الإقامة المشتركة معهم وإذا كان يكفي لإثبات السلطة القانونية بيان صفة القائم بها، فإن السلطة الواقعية يشترط للتشديد بمقتضاها تقصي جميع الظروف التي أوجدتها وإيضاحها، إذ ينبغي على قضاة الموضوع بيان نوع هذه السلطة بوضوح كاف وأيضا كافة الملابسات المتعلقة بها وبالأخص المعيشة المشتركة بين الجاني والمجني عليه، ولذا حكم القضاء في فرنسا بأن صفة الحكم المجردة من قبيل سلطة الواقع طالما أن العم لم يبين كيف ولماذا كنت له هذه السلطة التي أساء استغلالها.

     انظر: الحماية الجنائية للأخلاق من ظاهرة الانحراف الجنسي أنظر: هلالي عبد الله أحمد، مرجع سابق، ص:198 وما بعدها.

[150] – رغم الستار العميق المضروب على هذا الموضوع، فإن الآفة آخذة في الانتشار، يساعدها ما يعرفه المجتمع من تفكك أسري، نتيجة الطلاق وتشرد الأبناء وتنامي ظاهرة أطفال الشوارع التي تستقطب كل يوم أفواجا جديدة، تعد الشريحة الأولى المستهدفة بجرائم العرض، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى قضية المدرس الفرنسي (دانيل اندري جون) الذي اتهم باستغلال أطفال الشوارع حيث هتك أعراضهم وسجل أشرطة فاضحة لهم مقابل مبالغ مالية، والذي سبق أ حكم عليه في قضايا مماثلة ببلده فرنسا في الثمانينات قبل أن يحول نشاطه للمغرب وبالضبط مدينة الرباط والذي حكم عليه بعشر سنوات سجنا وغرامة 20 ألف درهم ولا يقتصر الأمر على أطفالنا بالمغرب، بل يتعداهم إلى الأطفال المغاربة الذين عبروا إلى الضفة الأخرى غذ حسب تقرير لمديرية الدراسات حول المواطنة والهجرة التابعة لمؤسسة "أورتيغا غاسيت" الإسبانية فإن حوالي 1000 قاصر يعيشون مشردين في شوارع إسبانبا يتعرضون لمختلف أنواع الاعتداءات الجنسية.

[151] – علي أبو احجيلة، مرجع سابق، ص:276.

[152] – الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء، التحرش الجنسي جريمة، "سلسلة لنحرك الصمت" مطبعة النجاح الجديدة، أبريل 2001 ص:27.

[153] – الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، التحرش الجنسي في المغرب، نشر الفنك، مطبعة النجاح الجديدة، 2001، ص:39.

[154] – خديجة أبو مهدي، الحماية الجنائية للمرأة في المنظومة القانونية المغربية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق فاس، 2002-2003 ص:137.

[155] – إحصائيات صادرة عن الجمعية الديمقراطية للدفاع عن حقوق النساء، سنة 2001، أوردها مراد دودوش ص:160.

[156] – الفصل 1-503 من القانون الجنائي.

[157] – خديجة أبو مهدي، مرجع سابق، ص:141.

[158] – حكم محكمة الشخص بكندا، أورده مراد دودوش، مرجع سابق، ص:164.

[159] – أحمد أجوييد، مرجع سابق، ص:133.

[160] – أحمد الدريج، مرجع سابق، ص:166-167.

[161] – تطلعنا وسائل الإعلام المغربية كل يوم عن فضائح الاستغلال الجنسي للأطفال من طرف سياح أجانب خاصة في مدينتي أكادير ومراكش، وخير مثال على ذلك قضية أجنبي (س) ضبط مؤقتا بمراكش وبحوزته الآلاف من الصور الخليقة لأطفال من المغرب، طايتي والسنغال وغيرها. وبخصوص هذه الحالة صرحت "نجاة أنوار" رئيسة جمعية "ما تقيش أولادي" أن المغرب أضحى أولاده مهددين اكثر من أي وقت مضى بالاستغلال الجنسي، على اعتبار الفراغ القانوني الذي يعرفه التشريع المغربي في مجال الاعتداء الجنسي على الأطفال وهو ما يشجع الشواذ على استغلال براءة الأطفال.

   للإطلاع على العديد من المقالات في هذا الإطار يمكن زيارة الموقع الإلكتروني التالي:

www.hawadith.G assabah.press.ma.

[162] – لقد أقر المجتمع الدولي العديد من الاتفاقيات الدولية من أجل محاربة هذه الظاهرة أذكر منها:

      -الاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة الاتجار في النساء والأطفال عام 1921 والتي دعت الدول الأطراف إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمطاردة ومعاقبة الأشخاص الذين يتجرون بالأطفال ذكورا وإناثا.

     2-الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لعام 1989 والتي دعت الدول الأطراف من خلال المادة 34 إلى حماية الأطفال من جميع أشكال الاستغلال الجنسي والانتهاك الجنسي، عن طريق إلزام الدول باتخاذ  التدابير الملائمة لمنع إكراه الطفل على تعاطي أي نشاط جنسي غير مشروع، ومنع استغلال الأطفال والمواد الإباحية والداعرة.

    3- البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 ماي 2000 المتعلق بمحاربة بيع ودعارة الأطفال واستخدامهم في العروض والمواد الإباحية الذي نص في المادة الأولى منه:

    – تحذر الدول الأطراف بيع الأطفال ودعارة الأطفال واستخدامهم في العروض والمواد الإباحية كما ينص عليها هذا البروتوكول.

    4-وثيقة نيويورك "عالم صالح للأطفال" لسنة 2002. والتي دعت في المادة 44/44 إلى كفالة وسلامة وأمن الأطفال ضحايا الاتجار والاستغلال الجنسي وتوفير الدعم والمساعدات بغية تيسير استردادهم عافيتهم وإعادة إدماجهم في المجتمع.

    وعلى الرغم من هذه الإدانة الدولية الصارخة لاستغلال الأطفال جنسيا، فإن ذلك لم يقلل من عدد الأطفال الذين يسقطون ضحايا الاتجار والاستغلال الجنسي.

[163] – الفصل 498 من القانون الجنائي.

[164] – الفصل 499 من القانون الجنائي.

[165] – الفصل 2-499 من القانون الجنائي.

[166] – المواد 343 و348 من قانون العقوبات الجزائري.

[167] – بوعزة ديدن، حماية الطفل في قانون العقوبات الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، الجزء 35 العدد الرابع، 1997 ص:1066.

[168] – أحمد الدريج، مرجع سابق، ص:168.

[169] – لقد أكدت المنظمة الدولية للشرطة الجنائية اتساع نطاق الاستغلال الجنسي للأطفال على الانترنيت، لذلك طلبت الاستعانة بالأنتربول للقبض على مستغلي الأطفال جنسيا، وأوضح الامتربول في بيان أصدره أخيرا أن بإمكان ضباط الشرطة في الدول 182 الأعضاء في المنطقة الدولية للشرطة الجنائية ومن بينها المغرب ولوج قاعدة البيانات والاطلاع على صور الأطفال ضحايا الاستغلال الجنسي، حتى يتسنى لهم تحديد هوياتهم للوصول إلى شبكات الاستغلال الجنسي للأطفال على شبكة الأنترنيت وهذا فعلا ما توصل إليه الأنتربول، حيث تمكن من تحديد هوية أكثر من 360 طفلا تعرضوا للاستغلال الجنسي.

  وفي هذا السياق أكد وكيل الوزراء البريطاني لشؤون الشرطة والأمن وسلامة الأمن والمجتمع أن صور الإساءة للأطفال على شبكة الانترنيت ليست مجرد صور، فالأمر يتعلق بصور حقيقية، كما أكد الانتربول هذا التصريح من جانبيه، مشيرا إلى أن أطفالا من دول شمال أفريقيا ومن بينها المغرب ضحايا الاستغلال الجنسي، وقد طالبت السلطات الأمنية المغربية بتعزيز المراقبة وإيجاد حلول للحد من هذه الظاهرة.

  للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع يمكن الرجوع على مقال: رضوان حفياني "الاستعانة بالانتربول للقبض على مستغلي الأطفال جنسيا" جريدة الصباح، ع 1698، الأربعاء 21/09/05. ص:5.

[170] – محمد مرزوكي، السياسة الجنائية في مجال الأسرة والأحداث ومساعدة الضحايا ندوة السياسة الجنائية بالمغرب واقع وآفاق، مكناس، أيام 9-10-11 دجنبر 2004 المجلد الأول، منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية ع 3. 4-2004 ص:339-340.

[171] – خاصة المواد 22و85 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية بالإضافة إلى اتفاقية حقوق الطفل في فصلها 24 وأيضا وثيقة نيويورك في مادتها 7/4 و35 وما بعدها.

[172] – إن الأمراض التي تصاب بها الحوامل ويكون لها تأثير على الجنين، محدودة ومعروفة لما لها من تأثير شديد على الجنين، فإنه من الأهمية بمكان الاطلاع عليها وعلاجها قبل الإنجاب مثل الكزاز والحميراءRubeole وأيضا الأمراض الجنسية المعدية التي يمكن أن تشكل خطرا على حياة الجنين، ذلك أن 25% من النساء المصابات بمرض الزهري Syfilis ينقلن هذا المرض إلى نسلهن وان 30% من المصابات يحدث لهن الإجهاض الطبيعي أما النساء الحوامل اللائي ينهين حملهن، فإنهن غالبا ما يلدن أطفالا متخلفين عقليا وذوي تشوهات جسمانية.

     وبالإضافة إلى حماية صحة الأم من الأمراض، فإنه يجب توعيتهن بخطورة بعض الممارسات والعادات السيئة التي يمكن أن تلحق بليغ الأذى بصحة الطفل، كتناول المخدرات أو تعاطي التدخين أو تناول المخدرات أو التعرض للصدمات الانفعالية.

    وللمزيد من الاستفادة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى مؤلف الباحث "أحمد أوزي سيكولوجيا الطفل، نظريات النمو النفسي، الطبعة الثانية، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، 2003 ص:86 وما بعدها.

[173] – لقد تبين من خلال الإحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة، ارتفاع وفيات الأمهات في بلادنا، حيث انه من بين وفيات مجموع 300 امرأة توجد امرأة واحدة تتوفى عند الوضع وإذا قمنا بالمقارنة بين الوضع في المغرب ونظيره في بلدان أخرى يبلغ هذا الرقم 1 من 2000 في الأردن و1 من 10.000 في البرتغال، ومن بين أسباب هذه الوفيات التقارب بين الولادات خاصة بالوسط القروي والفقر الذي تعيشه الأسر وضعف خدمات طب التوليد.

    للمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى كتاب الباحث أحمد الدريج الأطفال في وضعية صعبة، مرجع سابق، ص:18.

[174] – على الرغم من بعض الأخطاء الطبية الخطيرة التي يتعرض لها الأطفال عند تلقيحهم وكمثال على ذلك قضية الطفل "أشرف" البالغ من العمر سبع سنوات الذي أصيب بالشلل التام بعد حقنه بجرعة من لقاح 'أنجريكس ب"، عندما كان عمره ثلاث سنوات، وقد تم عرض القضية على أنظار  المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، وقد داولت فيها أكثر من 25 جلسة دون الوصول إلى أي حقيقة.

[175] – أحمد الدريج، مرجع سابق، ص:25.

[176] – مخلد الطراونة، حقوق الطفل، دراسة مقارنة في ضوء أحكام القانون الدولي والشريعة الإسلامية والتشريعات الأردنية، مجلة الحقوق الكويتية، مجلس النشر العلمي، العدد 2، يونيو 2003، ص:306.

[177] – سورة البقرة الآية:233.

[178] – مخلد الطراونة، مرجع سابق، ص:306.

[179] – محمد بن معجوز المزغراثي، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص:95-96.

[180] – لقد سبق وان تطرقت إلى هذه النقطة في الصفحة    من هذا البحث.

[181] – المادة 160 من مدونة الشغل.

[182] – المادة 165 من مدونة الشغل.

[183] – المادة 162 من مدونة الشغل.

[184] – المادة 165 من مدونة الشغل.

[185] – عصر سامي، أطفال الشوارع، الظاهرة والأسباب، مركز البحوث والدراسات الاجتماعية، القاهرة، 200، ص:234.

[186] – من بين الحوادث التي قد يقع ضحيتها الأطفال فتؤثر سلبا على صحتهم، كما قد تجهز على حقهم في الحياة في كثير من الأحيان، بسبب إهمال من يتولى رعايتهم نجد حوادث الحروق، التسمم، حالات السقوط، الاختناق…

[187] – الفصل 411 من القانون الجنائي.

[188] – محمود أحمد طه، مرجع سابق، ص:176.

[189] – الفصل 479 من القانون الجنائي.

[190] – ويدخل في نفقة الأولاد المؤنة والكسوة والسكن والتعليم على قدر حال المنفق وعوائد المجتمع، ولم تتضمن مدونة الأسرة أو قانون المسطرة المدنية، الحالة التي يكون فيها القاصر المستحق للنفقة مضطرا لمقاضاة أبيه الملزم بالنفقة وهو ما أدى إلى وضع يقبل فيه القضاء المغربي، ليس تقاضي الحاضنة بشأن نفقة محضونها فقط، بل أيضا قبول دعوى النفقة التي يرفعها القاصر مباشرة ضد وليه ويطالبه فيها بالنفقة. وفي هذا السياق اعتبر المجلس الأعلى في قراره عدد 1154 الصادر بتاريخ 25/07/89 أن للحاضنة الصفة للمطالبة بنفقة المحضون وأجرة حضانتها ما لم تسقط الحضانة، كما انه أجاز للأبناء القاصرين العاجزين عن الكسب توجيه الدعوى مباشرة ضد أبيهم لمطالبته بالنفقة عليهم وتمكينهم من مستلزمات متابعة دراستهم، ما داموا في السن المخولة لهم حق النفقة كما جاء في قرار آخر صادر عن المجلس الأعلى عدد 394 بتاريخ 26/09/1979. أن للقاصر أهلية إقامة الدعوى ضد وليه بالنفقة لأنها من باب جلب المنفعة، التي له حق اكتسابها بدون مساعدة الأب أو الوصي أو المقدم، ويفقد الولي في هذه الحالة، صفة الولاية الشرعية لأنه لا يجوز أن تكون له في آن واحد صفة المدعي المطالب بالنفقة وصفة المدعى عليه المطالب بهذه النفقة.

     للمزيد من الاستفادة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى أطروحة عبد المجيد اغميجة تحت عنوان: موقف المجلس الأعلى من ثنائية الفقه والقانون في مسائل الأحوال الشخصية أكدال الرباط، سنة 1999-2000 ص:293 وما بعدها.

[191] – المادة 199 من مدونة الأسرة.

[192] – المادة 54 من مدونة الأسرة.

[193] – وهذا ما خطته أيضا لجنة حقوق الطفل، حيث دعت الدول الأطراف إلى وضع وتفعيل مخططات السياسة الصحية وخاصة البرنامج للتلقيح وكذا باقي البرامج الوطني للتلقيح وباقي لبرامج التي تهدف القضاء على أمراض الأطفال خاصة في العالم القروي. –تقرير لجنة حقوق الطفل الصادر بتاريخ 10/07/2003

[194] – إن تشغيل الأطفال في المغرب الجديد جاء نتيجة طبيعية لعدة عوامل متداخلة، يعتبر الفقر وسوء التخطيط والتخلف وسياسة التقويم الهيكلي من أهم عواملها، فالسياسات الحكومية المتعاقبة نتيجة لهذه العوامل تخلت عن بعض أدوارها في القطاعات الحيوية كالصحة والتشغيل والسكن والتعليم كما تخلت عن دورها الأساسي في بلورة استراتيجية وقائية للتنمية الاجتماعية، فتدنت القدرة الشرائية للمواطنين وبدا المجتمع يعجز عن كفاية نفسه، فانفجرت ظواهر سلبية عديدة، منها ظاهرة تشغيل الأطفال.

فقد دفع الفقر الأطفال بقوة وعنف إلى عالم التشغيل ليصبح أجيرا ثانويا في العائلة يساهم بـ 30% إلى 40% من دخل الأسرة لانعدام إمكانية التدريس والرعاية كما أن الوضعية المادية المتدنية للشريحة الكبرى من المجتمع قياسا للحالة الاقتصادية والاجتماعية العامة تدفع العديد من الأسر إلى "الزج" بأطفالهم في جحيم التشغيل في سن مبكرة، حيث يعيش السواد الأعظم، مرارة ارتفاع=
=الأسعار، وغلاء المعيشة وانسداد آفاق التشغيل في المدن وتخلف البوادي لانعدام توفرها على ضروريات الحياة.

   -وللمزيد من الاستفادة في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى مؤلف: أديب السلاوي، أطفال الفقر مطبعة المعاريف الجديدة الطبعة 1. الرباط، 2000. كما يمكن الرجوع أيضا للتقرير الصادر عن مكتب العمل الدولي. تحت عنوان "عمل الأطفال نحو إزالة الوصمة" جنيف 1996. وأيضا مؤلف:Bénédicte Manier, « Le travail des enfants dans le monde », Editions la découverte paris, 1999, p :32-33.

[195] - La douleur des enfants, UNICEF, Rapports 2000.p :2.

[196] – تم تبني هذه الاتفاقية من طرف المؤتمر العام للمنطقة الدولية للشغل سنة 1973، ودخلت حيز التنفيذ على المستوى الدولي بتاريخ 19 يونيو 1976.

[197] – سعاد قلالي، وضعية الطفل العامل بين المواثيق الدولية والتشريع الاجتماعي المغربي، رسالة لنيل د.د.ع.م. جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق، فاس، سنة 2002-2003. ص:60.

[198] – صادق المغرب على هذه الاتفاقية بتاريخ 20 يونيو 2000.

[199] – بالإضافة إلى فرض سن 15 سنة كحد أدنى تشغيل الأحداث، فإن مدونة الشغل لم تقف عند هذا الحد بل اشترطت ثبوت اللياقة الصحية للطفل لمباشرته للأعمال الموكولة إليه، لذلك أعطت المادة 144 لمفتش الشغل الحق في عرض الأحداث الذي يقل سنهم عن 18 سنة على طبيب بمستشفى تابع للوزارة المكلفة بالصحة العمومية، قصد التحقق من أن الشغل الذي يعهد به إليهم لا يفوق طاقتهم ويتناسب مع إعاقتهم.

     إلا أن هذا المقتضى في الحقيقة لا يقر حماية جدية لصحة الأحداث، لأن مدونة الشغل لم تفرض الكشف الطبي للحدث، قبل التحاقه بالعمل، كما أنها لم تنص على إلزامية الكشف الطبي بل نصت على إمكانية إجرائه فقط، وهو ما يتضح من خلال ألفاظ المادة 144 (يمكن للعون المكلف).

[200] – المادة 151 من مدونة الشغل.

[201] – المادة 145 من مدونة الشغل.

[202] – المادة 147 من مدونة الشغل.

[203] – المادة 150 من مدونة الشغل.

[204] – المادة 148 من مدونة الشغل.

[205] – المادة 150 من مدونة الشغل.

[206] – العمل الليلي حسب المادة 172 هو كل شغل يؤدي فيما بين الساعة التاسعة ليلا والسادسة صباحا بالنسبة للأنشطة غير الفلاحية، أو ذلك الذي يؤدى بين الساعة الثامنة ليلا والخامسة صباحا بالنسبة للنشاطات الفلاحية.

[207] – ومن بين الشروط الواجب توفرها لتشغيل الأحداث ليلا هي الحصول على إذن استثنائي من مفتش الشغل، وفي حالة مخالفة ذلك، فغن المشغل يخضع للعقوبة بغرامة تتراوح بين 300 إلى 500 درهم (م 177 م.ش).

[208] – سعاد قلالي، مرجع سابق، ص:88.

[209] – سعاد قلالي، مرجع سابق. ص:21.

[210] – ولا يخفى على أحد ما للاستغلال الاقتصادي للاطفال من انعكاسات سلبية على الطفل العامل والمجتمع نفسه، كاستدامة الفقر والتخلف، وازدياد العطالة في صفوف الكبار المؤهلين لبعض الاعمال التي يمارسها الصغار، وكذا دفع الأطفال إلى الجنوح وراتياد مسالك لا أخلاقية…

[211] – كوتر كيزي، الحماية الدولية للطفل، رسالة دبلوم د.ع.م في القانون الخاص، جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق فاس، 2002-2003، ص:62.

[212] – المادة 3 من الاتفاقية، كما حددت المادة 2 الأطفال المعنيون في الاتفاقية بشكل واضح في من هم دون سن 18 سنة، وبذلك تكون قد جاءت ملائمة للاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.

[213] – Mounassif Mohamed, Abderrahim, Benghabrit Driss « Le travail des enfants au Maroc » Rapport d’un enquête conduit par la direction d u travail du ministère de développement sociale en collaboration avec (BIT) IPEC. Rabat, Octobre 1999.

[214] – سعاد قلالي، مرجع سابق، ص:42.

[215] – سأقتصر في هذا المقام على ذكر بعض مجالات العمل التي يمنع على الأحداث الاشتغال فيها وفق ما حددته مدونة الشغل، أما بالنسبة لباقي أنواع أسوأ أشكال تشغيل الأطفال كتشغيلهم في الدعارة أو الأعمال الإباحية، أو بيع الأطفال فقد تطرقت لها سابقا لأنها جاءت منظمة في القانون الجنائي.

[216] – المادة 179 من مدونة الشغل.

[217] – المادة 180 من مدونة الشغل.

[218] – المادة 181 من مدونة الشغل.

[219] – لذا يجب على المشرع أن يرفع هذه الغرامات لتحقق الردع المطلوب منها، لان فرض غرامة لا تتجاوز 500 درهم على المشغل الذي يشغل أطفالا في أغوار المناجم أو المقاطع أو في أشغال خطيرة أخرى سوف لن تثنيه عن ذلك، بالنظر إلى الأرباح التي سيحصل عليها من وراء تشغيلهم.

[220] – سعاد قلالي، مرجع سابق، ص:40.

[221] –  كما هو معروف فزنا المحارم غالبا ما يقع داخل الأسرة، سواء كانت نورية أو كانت ممتدة وتتعدد الأسباب والعوامل التي تدفع بعض الأشخاص إلى ارتكاب هذه الجريمة ويمكن إرجاعها إلى عوامل أسرية، والمتمثلة في تخلي الأبوين عن دورهما التربوي للأطفال والإيضاح لهم عن خطورة بعض الأفعال التي قد يقدمون  عليها دون أن يعووا طبيعتها بالإضافة إلى انتشار بعض العادات السيئة داخل المجتمع من قبيل تعاطي الخمور والمخدرات التي قد لا يقف متعاطيها عند الاستخفاف بعلاقة الحرمة، بل إنهم يتجاوزون ذلك  إلى  حد ارتكاب جرائم بشعة في المحيط الأسري. فتعاطي المخدرات هو مظهر من مظاهر الخلل الوظيفي في نظام الأسرة  وبالتالي فإنه يسهل وقوع جريمة الزنا بالمحارم  وهو ما كشفت عنه الغالبية العظمى من البحوث والدراسات التي تناولت هذه الظاهرة البالغة الخطورة. فقد أوضح الباحث أحمد المجدوب في دراسة له أجراها حول موضوع "زنا المحارم" بأن من بين 180 شخصا ارتكبوا جريمة الزنا بالمحارم تبين أن 38% كانوا مدمنين و15% تناولوا الخمر قبل ارتكاب الجريمة. فالثابت عمليا أن الكحول يضعف ما لدى الفرد من موانع تقف حائلا جون إقدامه على ارتكاب الجريمة فهي تساعد على إضعاف الأثر الذي يحدثه التحريم ومن تم تجعله يرتكب الجريمة بأعصاب باردة. ويمكن أن يضاف إلى هذا العامل عوامل أخرى كأزمة السكن التي تعيشها شريحة مهمة من الأسر التي قد تتسبب في اجتماع الأولاد في الفراش فيتسبب ذلك تنمية المشاعر الجنسية لديهم ويدفعهم إلى إقامة اتصالات جنسية بينهم. وقد كان الإسلام سباق إلى التنبيه لأهمية التفرقة بين الأبناء في المضاجع. فقد جاء عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين عزل فراشه". انظر: أحمد المجدوب، زنا المحارم، مكتبة مدبولي، القاهرة 2003، ص: 208 وما بعدها.

     كما يعد تأخر سن الزواج والبطالة والأمراض النفسية من بين الأسباب الأخرى التي تغذي انتشار هذه الظاهرة بالإضافة إلى تنامي بعض المؤثرات الخارجية كمجال الإعلام سواء المرئي أو المكتوب الذي أصبح مجالا خصبا لتجارة الجنس وما لذلك من تأثير على الأطفال.

[222] – أحمد المجدوب، زنا المحارم، مكتبة مدبولي، القاهرة 2003، ص: 207.

 

[223] -INES Angelino, L’enfant la famille la maltraitance, Dunod, 2ème édition, Paris, 2001.

[224] – أحمد المجدوب، مرجع سابق، ص:267.

[225] – محمد مطاع بركات، العدوان والعنف في الأسرة، مجلة عالم الفكر، المجلد 27. العدد 4 أبريل، يونيو، 1999، ص:255.

[226] – هذه الانعكاسات الوخيمة التي قد تصيب الأنثى، قد تصيب الذكر إذا وقع ضحية زنا المحارم بدوره، وما تركيزنا الحديث في هذه الفقرة على الأنثى، إلا لأن هذه الأخيرة قد تتأثر بشكل أكبر من النتائج الوخيمة لهذه الجريمة خاصة إذا نتج عنها الحمل أو الافتضاض.

[227] – أحمد المجدوب، مرجع سابق، ص:268.

[228] – نجاة الرازي وأخريات، العنف صد النساء دراسة في ملفات محكمة الجنايات بالدار البيضاء، أعمال المناظرة الوطنية للجمعية المغربية لحقوق النساء، يناير 1995 الدار البيضاء، مطبعة فضالة المحمدية 1997، ص: 35.

[229] – إدريس ختا، محاكم الأطفال بالمغرب واقع استشراف، رسالة لنيل د.د.ع.م. في القانون الخاص جامعة سيدي محمد بن عبد الله كلية الحقوق، فاس 2002-2003، ص:51.

[230] – مجلة للطفل حقوق، عدد مزدوج 5/6 يونيو، 2002، المرصد الوطني لحقوق الطفل، ص:15.

[231] – تعتبر القرابة مانعا من موانع الزواج وذلك لأن الإسلام أمر بالإحسان إلى الأقارب واحترامهم، وقد ينشأ عن المعاشرة الزوجية خصومات وخلافات تؤدي إلى الكراهية والتباغض وقد تنتهي بالفراق والانفصال الشيء الذي يتنافى مع الإحسان المذكور ووجوب صلة الأرحام ثم إن عوامل الوراثة تجعل النسل المتولد من الزوجين اللذين بينهما قرابة، نسلا ضعيفا فيه استعداد لإصابة بالأمراض التي أصيب بها سلفه ويشتد هذا الاستعداد كلما اشتدت القرابة بين الزوجين وتخف كلما بعدت.

  انظر: محمد بن معجوز المزغراني، مرجع سابق، ج 1، ص:56.

[232] – حيث إن من المقاصد الأساسية لصيانة العرض في الشريعة الإسلامية صيانة العائلة التي هي نواة المجتمع وأساسه، فلا يقام المجتمع إلا بقيام أسر قوية متماسكة تحسن أداء دورها الاجتماعي وتهدف الشريعة الإسلامية بذلك إلى رعاية الفرد الذي هو مقصود التشريع وأساسه منذ نشأته وتطور حياته في أطوارها المختلفة وتهيئة المجال أمامه في بيئة اجتماعية صالحة تكفل للطفل حسن الخلق ليكون نواة طيبة للمجتمع بأسره.

[233] – كذلك الشأن بالنسبة للقانون المصري الذي لا يفرق بدوره في الجزاء الذي يوقع على من يزني بإحدى محارمه وبين الجزاء الذي يوقع على من يزني بغير محارمه، إلا في الأحوال التي يكون فيها الجاني من أصول المجني عليها أو من المتولين تربيتها حيث تكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة شريطة أن يكون سن الضحية دون الثامنة عشرة، أما إذا كانت قد بلغت سن 18، فما فوق، وتم الاتصال الجنسي برضاها، فلا عقاب على الجاني بالعقوبة المشددة.

[234] – أنماط القرابة في زنا المحارم هي:

    الأخ وأخته – الإبن وأمه – الأب وابنته – ابن الأخت وخالته – ابن الأخ وعمته – زوج الأم وابنة زوجته – زوج البنت وحماته – ابن الأخ وزوجة عمه – الأخ وزوجة أخيه – الابن وزوجة الأب – الخال وابنة أخته –العم وابنة أخيه –زوج الأخت وأخت زوجته – الأب وزوجة ابنه – ابن الأخت وزوجة خاله – الزوج وابنة أخت زوجته – العم وزوجة ابن أخيه – الخال وزوجة ابن أخته.

[235] – بالنسبة لعقوبة جريمة الزنا بالمحارم في الشريعة الإسلامية، فقد انقسم الفقهاء إلى فريقين بشأنها:

     الفريق الأول: يرى بأن عقوبة الزنا في مثل هذه الأحوال هي نفسها عقوبة الزنا عموما أي الرحم للمحصن والجلد لغير المحصن ويمثل هذا التوجه الرأي الراجح في الفقه الإسلامي ويقول به الإمام   مالك وأبا حنيفة والإمام الشافعي.

     الفريق الثاني: يرى بأن عقوبة من يزني بإحدى محارمه تختلف عن عقوبة الزنا عموما فهي القتل سواء كان الزاني محصنا أم غير محصن، ويضيف البعض إلى هذه العقوبة    مصادرة مال الجاني كله، بينما يقصر البعض الآخر المصادرة على خمس مال الجاني فقط، ولكل فريق دليله الذي يستند إليه فبالنسبة للفريق الذي يرى أن من زنا بإحدى محارمه يقتل في جميع الأحوال فهم الشيعـة= =الإثنى عشرية، حيث يقول الفقيه الطوسي: أن الزناة على خمسة أقسام: فقسم منهم يجب عليه الحد بالقتل في كل حال سواء كان محصنا أو غير محصن حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا شيخا أو شابا، وعلى كل حال فهو كل من وطئ ذات محرم أما أو بنتا أو بنتها أو بنت أخيه أو عمته أو خالته فإنه يجب عليه القتل على كل حال، ودليلهم في ذلك ما رواه الإمام أحمد بن حنبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من أتى ذات محرم منه فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال". أنظر: أحمد المجدوب، مرجع سابق، ص:306 وما بعدها.

[236] – أشرف توفيق "الحماية الجنائية للحق في صيانة العرض في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي" رسالة لنيل دكتوراه الدولة في الحقوق، القاهرة 1994، ص:123.

[237] – تم تحريم الزنا بالمحارم في القانون الإنجليزي بصدور القانون الجنائي لسنة 1908 والذي لم يقتصر على بريطانيا، بل امتد إلى أغلبية الدول التي كانت تابعة لها فأصبحت تحرم العلاقات الجنسية التي تحدث بين الأقارب المقربين مثل الأب وابنته والأم وابنها والأخ وأخته.

     ففيما يتعلق بالعقوبات التي توقع على الجاني، فإن القانون الإنجليزي يجعل الحد الأقصى للعقوبة التي توقع على من يحاول إجراء اتصال جنسي بإحدى محارمه الحبس سنتين، أما إذا كانت الفتاة التي جرت معها المحاولة دون الثالثة عشرة من عمرها، فإن الحد الأقصى للعقوبة التي توقع على من يحاول ذلك هو السجن سبع سنوات، وفي تعديل سنة 1956 أصبح القانون الجنائي البريطاني يعاقب كل أنثى جاوزت السادسة عشرة من عمرها وسمحت لرجل من محارمها بإجراء اتصال جنسي معها وفضلا عما تقدم، فإن هذا القانون ينص في القسم الثامن والثلاثين منه على انه إذا أدين الرجل في جريمة الزنا بالمحارم مع بنت سنها دون الواحد والعشرين (أو أدين بمحاولة ارتكاب الجريمة) فإن المحكمة تحكم بتجريده من كل سلطاته أو ولايته عليها.

[238] – تنص المادة 173 من قانون العقوبات الألماني على أن:

أ- كل من ارتكب فعل مع أحد أصوله الصليبيين على عمود النسب وإن علوا يعاقب بالحبس حتى ثلاث سنوات أو بالغرامة.

ب- كل من ارتكب فعل الوطء مع أحد أصوله الصليبيين على عمود النسب وغن علوا يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن السنتين أو بالغرامة وتسري هذه الأحكام ولو انقضت صلة القرابة، كما تسري هذه القواعد أيضا على أفعال الوطء المرتكبة بين الإخوة الأشقاء على أحدهما الآخر.

ج- لا تسري الأحكام السابقة على الفروع والإخوة الذين لم يبلغوا بعد الثامنة عشرة وقت الفعل.

[239] – الأحداث المغربية 20 مارس 2004، ص:4.

[240] – إن تحديد مفهوم الطفل في "وضعية صعبة" أمـر في غاية الصعوبـة لأن هذا المصطلـح نسبي(relative) من جهة ومرتبط بمجموعة من المفاهيم الأخرى من جهة ثانية أو ما يمكن أن نطلق عليه بالمفهوم العلائقي (relationnel) .

       وأما صعوبة تحديد مفهوم الطفل في وضعية صعبة، فإنه على القاضي أن يدرس جيدا الحالة المعروضة عليه وذلك عن طريق الاستعانة بالخبرة قبل أن يتخذ أي قرار، ويجب أن يكون القرار المتخذ معللا تعليلا كافيا ولا يكفي تعليله بعبارة "إن مصلحة الطفل تستدعي" وهذا ما أكدت عليه محكمة النقض الفرنسية التي دعت المحاكم الدنيا في فرنسا إلى ضرورة تعليل الأحكام الصادرة عنها في هذا الخصوص باعتماد خبرة لتقدير درجة الخطر الذي يعيشه الطفل.

Voir : Henry Solus, Jacques Ghestin, La protection de l’enfant contre ses parents, librairie générale de droit et de jurisprudence, paris, 1984, p330-336.

[241]-  إدريس ختا، مرجع سابق، ص:26.    

[242] – نفس المرجع، ص:26.

[243] – لقد نصت المذكرة رقم 33/13 الصادر في 18 مارس 1983 أنه على النيابة العامة وأعضائها أن يحدثوا خلية مداومة خاصة في الليل وأيام العطل تعنى بالبحث عن حالات الأطفال في وضعية صعبة للتبليغ عنها إلى الجهات القضائية المختصة قصد اتخاذ التدابير الملائمة لحمايتها.

Voir :B Lherbier – Malbranque, La protection de l’enfant maltraité, protéger, aider, punir rt colloboration l’Harmattan, 2000, p :84.

[244] – وعلى الرغم من قلة الإحصائيات المتعلقة بهذه الفئة من الأطفال في وضعية صعبة، فإنه يمكن الاستدلال على حجمها ببعض الإحصائيات المقدمة من طرف كتابة الدولة المكلفة بأوضاع المرأة ورعاية الأسرة والطفولة وإدماج المعاقين سابقا فقد بلغ عدد أطفال الشوارع 8780 طفل 1999 منهم 2322 طفل في إقليم آسفي بنسبة 26,45% فيما سجلت أقل نسبة في مدينة تطوان بحوالي 60 طفل أي نسبة 0,68% وبلغ عدد الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 9 سنوات 2522 طفلا و2701 طفلا تتراوح أعمارهم بين 15 و18 سنة فيما شكلت الفئة العمرية بين 10 و14 سنة الأغلبية وبلغت 2487 طفل. انظر: منية عبد الرحيم أطفال الشوارع، رسالة لنيل د.د.ع.م. جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الحقوق فاس، السنة 2002-2003، ص:68.

[245] – محمد الدريخ، مرجع سابق، ص:143.

[246] – لذلك حرصت الشريعة الإسلامية على الحث على نفقة الصغير لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "أفضل الدنانير، ينفقه الرجل على عياله" وتشجيعا من الرسول الكريم على الإنفاق على الأبناء قوله "ليس الجهاد أن يضرب الرجل بسيفه في سبيل الله تعالى، وإنما الجهاد من عال والديه وعال ولده فهو في جهاد ومن عال نفسه فكفها عن الناس فهو في جهاد" وإذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قد حث على نفقة الصغير بأسلوب الترغيب كما في الأحاديث السابقة، فإنه عليه السلام قد حذر من مغبة عدم الإنفاق على الأبناء بقوله "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعوله"، انظر: محمود أحمد طه، مرجع سابق، ص:204.      

[247] – باستثناء الحالة التي يكون فيها النائب الشرعي هو مقترف هذه الجريمة حيث يمكن للنيابة العامة تحريك الدعوى العمومية مباشرة دون اشتراط الشكاية (الفصل 48 ق.ج).

[248] – صاحب النيابة الشرعية حسب نص المادة 231 من مدونة الأسرة هو:

   – الأب الراشد – الأم الراشدة عند عدم وجود الأب أو فقدان أهليته – وصي الأب – وصي الأم – القاضي – مقدم القاضي.

     وفي حالة عدم وجود قاصر تحت الرعاية الفعلية لشخص أو مؤسسة يعتبر الشخص أو المؤسسة نائبا شرعيا للقاصر في شؤونه الشخصية ريثما يعين له القاضي مقدما.

[249] – حدو عبد الرحمان، إهمال الأسرة في التشريع المغربي، مجلة الميادين ع 3، سنة 1986، ص:154.

[250] – لقد كانت جريمة إهمال الأسرة في شكلها الأول (الإهمال النقدي) تتميز عن المسطرة الحالية حيث أن ظهير 15 أبريل 1924 لم يعط للنيابة العامة الصلاحية في متابعة جنحة إهمال الأسرة إلا بعد أن تتوصل أولا بمحضر من طرف قاضي الصلح المختص، الذي ثبت فيه الامتناع العمدي عن أداء النفقة من طرف المدين.

     فالقضية كانت قبل أن تدخل إلى الميدان الجنحي تمر بمرحلة مدنية أمام قاضي الصلح الذي ينصت إلى الأطراف في النزاع، فكانت هذه المسطرة عمليا تعترضها بعض العراقيل التي تؤدي إلى التماطل واستنزاف النقود الهزيلة للضحية.

 

[251] – الاستجواب يشكل  إنذارا نهائيا للزوج يقوم به أحد ضباط الشرطة القضائية يمنح للزوج مهلة التفكير والتراجع عن خطئه وبالتالي تعليق المتابعة أو العكس.

[252] – أحمد الخمليشي، شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الأول، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الخامسة 1999، ص:219-220.

[253] – عبد العالي بناني سميرس، دور مفتشية الشغل وأثره على القضاء الاجتماعي، الندوة الثانية للقضاء الاجتماعي، الرباط، 1992، منشورات تنمية البحوث والدراسات القضائية ص:231.

[254] – إدريس ختا، مرجع سابق، ص:63.

[255] – باستثناء حالتين:

   -الحالة الأولى: إذا كان الحكم في الجريمة من اختصاص محكمة يقتصر اختصاصها على الدعوى العمومية دون التعويضات المدنية مثل المحكمة العسكرية (م.و من قانون العدل العسكري) ومحاكم الجماعات والمقاطعات.

   -الحالة الثانية: إذا وجد نص في القانون مثل الحالة المنصوص عليها في المادة 708 من المسطرة الجنائية التي تقضي في فقرتها الثانية، بأن المتابعة في الجنحة المرتكبة خارج المغرب إذا كانت ضد شخص لا يمكن أن تجري إلا بطلب من النيابة العامة تلقائيا أو بعد توصلها بشكاية المتضرر أو إعلان من سلطات البلد الذي ارتكبت فيه الجريمة.

   أنظر: أحمد الخمليشي، شرح قانون المسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص:66.

[256] – محمد محمود سعيد، حق المجني عليه في تحريك الدعوى العمومية، دار الفكر العربي، ط1، القاهرة 1986، ص:407.

[257] – أحمد الخمليشي، شرح قانون المسطرة الجنائية، ج الأول. مرجع سابق، ص:79.

[258] – تشكل الشكوى عقبة إجرائية تحول دون تحريك الدعوى الجنائية في جريمة القذف، فالشكوى لا تعتبر ركنا في الجريمة ولكنها ليست سوى عقبة  إجرائية فجميع أركان الجريمة متوافرة والعقوبة مستحقة، ولكن السبيل إلى توقيعها قد انغلق لعقبة إجرائية عارضة، فإذا قدمت الشكوى جاز تحريك الدعوى العمومية حيث تسترد النيابة العامة حريتها في تحريك الدعوى العمومية بحيث يصير وضعها كما لو كانت بصدد جريمة لا يضع القانون فيها على سلطتها قيد.

[259] – أحمد الخمليشي، شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الأول، ص:79-80.

[260] – لكن هذه القاعدة ليست مطلقة بل إنها تخضع لبعض القيود يغل يدها نهائيا عن المتابعة أو على الأقل بصفة مؤقتة حتى تتوفر الشروط التي يعرضها القانون لإقامة الدعوى العمومية كما هو الشأن بالنسبة لضرورة الحصول على إذن بخصوص النواب البرلمانيين مثلا أو الشكاية أو الطلب…              

[261] – محمد عياط، دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الجزء الثاني، مطبعة بابل، الرباط، 1991، ص:84.

[262] – محمد سميرس عبد الفتاح، النيابة العامة وسلطتها في إنهاء الدعوى الجنائية، بدون محاكمة، منشأة المعارف، الإسكندرية، سنة 1987، ص:131.

[263] – أحمد الخمليشي، شرح قانون المسطرة الجنائية، مرجع سابق، ص:51.

[264] – محمد عبد النابوي، الصلح دور إنساني واجتماعي جديد للنيابة العامة مداخلة في ندوة الطرق البديلة لتسوية المنازعات، المنظمة من طرف شعبة القانون الخاص بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بفاس بشراكة مع وزارة العدل ونقابة المحامين بفاس، يومي 4 و5 أبريل 2003، منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية ع 2-2004 الطبعة الأولى ص:113.

[265] – هذا الاستثناء سيمكن المتضرر من الجريمة من ربح مصاريف التقاضي المرتفعة إذا لجأ لرفع دعوى التعويض مستقلة أمام القضاء المدني خاصة وأن المادة 95 ق.م.ج. تلزم قاضي التحقيق أن يراعي الإمكانيات المالية للمشتكي عند تحديد المبلغ الذي يفترض أنه ضروري لمصاريف الدعوى.

[266] – عبد الحميد أخريف، محاضرات في القانون القضائي الخاص، كلية الحقوق فاس، السنة الجامعية 2001-2002 ص:195.

[267] – واستثناء على هذه القاعدة العامة، فقد سمحت المادة 7 م.ج. للجمعيات المعلن أنها ذات منفعة عامة أن تتنصب طرفا مدنيا، إذا كانت قد تأسست بصفة قانونية منذ أربع سنوات على الأقل قبل ارتكاب الفعل الجرمي وذلك في حالة إقامة الدعوى العمومية من قبل النيابة العامة أو الطرف المدني بشأن جريمة تمس مجال اهتمامها المنصوص عليه في القانون الأساسي"

[268] – محمد عياط، مرجع سابق، ص:148.

[269] – مصطفى مهدي هرجة، دار المطبوعات الجامعية، الطبعة الأولى، الإسكندرية، 1990، ص:3.

[270] – استنادا إلى مقتضيات المادة 286 م.ج التي تنص على انه: "يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك".

[271] – مصطفى مجدي هرجة، مرجع سابق، ص:253.

[272] – محمد عياط، مرجع سابق، ص:253.

[273] – نفس المرجع، ص:264.

[274] – تنص المادة 332 ق.م.ج على انه "يستمع إلى الأحداث الذين يقل سنهم عن 18 سنة دون أداء اليمين، وكذا الشأن فيما يخص المحكوم عليهم بعقوبة جنائية والمحرومين من الإدلاء بالشهادة أمام العدالة.

     ويعفى من اليمين أصول المتهم وفروعه وزوجته وتعتبر تصريحاته مجرد معلومات غير أن أداء اليمين من شخص معفى منها ولا أهلية له، أو محروم من أداء الشهادة لا يعد سببا للبطلان ما لم تكن النيابة العامة أو أحد الأطراف قد اعترض على ذلك".

[275] -قرار المجلس الأعلى عدد 198 الصادر بتاريخ 10/02/1977 قضية عدد 37076 المرجع أسفله ص:129.

[276] – إدريس الكريني، السلطة التقديرية للقاضي الزجري، مطبعة التلمساني، الطبعة الأولى، فاس، 2004، ص:128.

[277]-Reselyne Nesac-Croisie, le mineur et le droit pénal logique juridique, paris 1996, p :72.

[278] – المادة 332 م.ج السالفة الذكر.

[279] – المصطفى صفر، التحقيق مع معلم متهم بهتك عرض تلميذاته، جريدة الصباح العدد 1723، الخميس 20/10/2005.

[280] – عبد الحميد أخريف، مرجع سابق، ص:248.

[281] -محمد عياط، مرجع سابق، ص:269.

[282] – فقد دعت   المجموعة الموضوعاتية حول الأطفال ضحايا الاستغلال والاعتداءات الجنسية ضد الأطفال الجهات القضائية، بتجاوز ضعف بحث وتحليل الشواهد الطبية والاستعانة بالخبراء كلما تعلق الأمر بالجرائم الواقعة على الأطفال.

   -أنظر: مصطفى دانيال أحمد شوقي بن يوب، حماية الأطفال ضحايا سوء المعاملة والاستغلال، مرجع سابق، ص:18.

[283] – تجدر الإشارة هنا إلى أن الهدف من انتداب الخبير ليس هو إحلاله محل القاضي للنظر في النازلة المعروضة على هذا الأخير سواء كليا أو جزئيا، بل إن الهدف من ذلك فقط هو أخذ رأيه في مسألة تقنية يتعذر على القاضي استجلاء غوامضها بمفدره نظرا لعدم توفره على الاختصاص الكافي في مجال معين.

[284] – نبيل الخافقي، تطورات قضية الاستغلال الجنسي لأطفال بمراكش، جريدة الصباح، السنة السادسة، العدد 1725 بتاريخ 22/10/2005.

[285] -عبد الحميد الشواري، الإثبات الجنائي، منشأة المعارف، ط1، الإسكندرية 1986، ص:141.

[286] – إدريس الكريني، مرجع سابق، ص:141.

[287] –  جعفر علوي، مفهوم الضحية في القانون الجنائي وفي علم الإجرام محاولة أولية لرصد مجالات الاختلاف والالتقاء، مجلة القانون والاقتصاد العدد 16، 1999، ص: 101.

[288] – Giocomo. Canepa, les tendances actuelles de la protection pénal de l’enfance problème criminologique et médico-légaux, R.I.D.P., N°3-4, Sep 1979, p :584.

[289] – طلعت منصور، مرجع سابق، ص:21.

[290] – ذياب البداينة، مرجع سابق، ص: 43-44.

[291] – تشير الدراسات التي قام بها المرصد الوطني لحقوق الطفل بأن الحالة النفسية للطفل الضحية حالات على درجة كبرى من التعقيد خاصة بالنسبة للأطفال ضحايا سوء المعاملة الجنسية حيث الذهول والتردد والقلق لدى الضحية التي تعيش حالة "المجمد".

     كما تعكس الحالة النفسية للطفل درجات متفاوتة من القلق والآلام لا يأكل لا ينام أو بصعوبة كما يمانع في الذهاب إلى المدرسة أو في الاختلاط كما أنه لا يصرح أو يصرح ويتراجع وفي الحالات الأكثر خطورة يركن إلى الصمت وفي حالات جسيمة جدا لا يعرف ما جرى له لكن الاعتداء يكون قد استقر في مخياله ودخل ذاكرته، كما أن هذه الوضعية النفسية المضطربة تعيشها باقي أفراد أسرة الضحية خاصة الأم والإخوة الصغار.

     أنظر: تقرير وتوصيات المجموعة الموضوعاتية حول الأطفال ضحايا الاستغلال والاعتداءات الجنسية، حصلنا عليه مباشرة من المرصد الوطني لحقوق الطفل.

[292] – طلعت منصور، مرجع سابق، ص:21.

[293] – علوي جعفر، مرجع سابق، ص: 102.

[294] – إدريس ختا، مرجع سابق، ص:102.

[295] – مجلة حماية الطفل، المطبعة الرسمية لتونس، تونس، 2004.

[296] – مصطفى دانيال، أمد شوقي بن يوب، مرجع سابق، ص : 26

[297] – http :www.tunezine.Net/dreve.php3?id_breve783, le 12/04/2005.

[298] – أحمد الدريج، مرجع سابق، ص: 171.

[299] – http: www.amanjordan.org/arabic_news

[300] – خديجة عاشور، مرجع سابق، ص:285.

[301] – الضرر هو ما يصيب الشخص في حق من حقوقه أو في مصلحة مشروعة له والضرر قد يكون ماديا أو جسمانيا أو معنويا، فالضرر المادي هو الذي يصيب الشخص في حق من حقوقه المالية والضرر الجسماني هو الذي يصيب الشخص في حقه في سلامة جسمه، أما الضرر المعنوي فهو ما يصيب الشخص من ضرر في غير حق أو مصلحة مالية أو حقه في سلامة جسمه، ومنه الضرر المعنوي الناتج عن التشوهات والإصابات الواقعة بالجسم والضرر الأدبي الذي يصيب الشرف والاعتبار والعرض من جراء القذف والسب وهتك العرض وما ماثلها من أفعال الاعتداء والضرر الأدبي الذي يصيب العاطفة والشعور والحنان

      انظر: محمد محمود سعيد، حق المجني عليه في تحريك الدعوى العمومية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1982، ص:414.

[302] – محمد صبري الجندي، في ضمان الضرر الجسدي الناتج عن فعل ضار، مجلة الحقوق الكويتية العدد 1، مارس 2002، ص:169.

[303] – أحمد الخمليشي، مسؤولية الأب والأم عن أبنائهما القاصرين، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط، 1973 ص:41.

[304] – خاصة وان القاضي يتمتع بسلطة تقدير مبلغ التعويض ولا يراقبه قاضي النقض في هذا التقدير، بل إنه لا يكون ملزما بتعليل المبلغ الذي حكم به ولو كان مخالفا لما طلبه المتضرر أو عرضه المدعي عليه.

[305] – قرار صادر عن المجلس الأعلى أورده أحمد الخمليشي، مرجع سابق، ص:181.

[306] – احمد بوزيان، محاربة تشغيل الأطفال يجب أن تستثني الأنشطة التي لا تنطوي على مخاطر، جريدة الصباح، السنة الثالثة، عدد 889، بتاريخ 18 فبراير 2003. ص:09.

[307] – خديجة عاشور، مرجع سابق، ص:291.

[308] – نفس المرجع ص:332.

[309] -أحمد الخمليشي، مسؤولية الأب والأم أبنائهما القاصرين، مرجع سابق، ص:47.

[310] – قرار صادر عن محكمة الإستئناف بطنجة ملف رقم 1579 الصادر بتاريخ 5/8/1980.

[311] – فرانسوا –بولان، تعويض الضرر المعنوي في القانون المدني المغربي، المجلة المغربية للقانون المقارن. ع 5 سنة 1986 ص:283.

[312] – نفس المرجع، ص: 253.