مصطفى الفوركي                    

                               باحث في قانون الأعمال والمقاولات        

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسطات

 

مقدمة

القاعدة العامة أن العقد شريعة المتعاقدين  فعندما تبرم العقود بكيفية قانونية صريحة، فمصيرها الطبيعي هو تنفيذ ما تضمنته من التزامات . غير أن تنفيذ مثل هذه العقود وخاصة إذا كانت عقودا تجارية دولية تتميز عن العقود الداخلية الأخرى بطول مدة تنفيذها، هذه المدة التي يرجع تحديدها إلى إرادة الأطراف ورغبتهم في تحقيق نوعا من الاستقرار في معاملاتهم التجارية الدولية، وكذلك ضخامة مبالغها المالية ومواردها البشرية وقدراتها الاقتصادية والتجارية الهائلة مما يجعل تنفيذ مثل هذه العقود في بعض الأحيان عرضة لتقلبات وتغيرات الظروف، فالظروف المحيطة بإبرام عقد تمتد تنفيذه لسنوات طويلة لا يمكن أن يبقى على حاله طوال هذه المدة، فإذا طرأ تغير في الظروف المصاحبة لتنفيذ العقد، فإنه لا مجال للشك في أن ذلك سيؤثر على التزامات الطرفين المتعاقدين. بحيث يجعل تنفيذ مثل هذا الالتزام إما مرهقا إرهاقا فاحشا للمدين مما يهدده بخسارة فادحة إن واصل التنفيذ على شكله الحالي وإما مستحيلا في التنفيذ بسبب أجنبي خارج عن إرادة المتعاقدين، وعدم التنفيذ في مثل هذه الأحوال يعتبر مما لاشك فيه خرقا لمبدأ استمرار واستقرار المعاملات التجارية، ومبدأ الحفاظ على العقد والحصول على الأهداف المرجوة والتي ارتضاها الأطراف من تنفيذ مثل هذه العقود التجارية الدولية.

وهنا تلعب إرادة الأطراف دورا كبيرا في الحد من أثار هذه التقلبات والتغيرات في الظروف مما ينتج عنها بعت الثقة والاطمئنان لدا المتعاملين في مجال العقود التجارية الدولية. وهذه التغيرات في الظروف والتي قد تؤثر على تنفيذ العقود التجارية الدولية وعرقلة عملية إتمام تنفيذها، منها ما يكون طبيعيا، كالزلازل والبراكين والفيضانات، ومنها ما يكون فعلا إنسانيا، كالحروب والثورات ومنها ما يكون إجراءا إداريا، كصدور القوانين برفع الأسعار للمواد الأولية أو المواد المصنعة أو المنتجة، وقد يكون إجراءا قانونيا أو تشريعيا، بمنع الاستيراد أو التصدير أو تداول رؤوس الأموال، وقد تكون نتيجة لتقدم علمي وتكنولوجي، كانتشار الإشعاع الذري أو الغازات السامة أو تلوث البيئة…

وبالتالي فإن من شأن مثل هذه الظروف وسواء كانت ظروفا طارئة أو قوة قاهرة عرقلة الأطراف في تنفيذ التزاماتهم العقدية مما يهدد اقتصاديات الدول التي ينتمي إليها الأطراف، وكذلك عرقلة عجلة النمو والازدهار الاجتماعي والاقتصادي والمالي، مما يستوجب معه التدخل لإعادة النظر في مثل هذه العقود أو الالتزامات وخاصة إذا أبد الأطراف رغبتهم في استمرار العلاقة العقد والعمل على زوال المانع والحفاظ على العقد.

 

 

ومن هذا المنطلق نجد ان السؤال الذي يطرح نفسه هو

الى اي حد أثرت الأزمة العالمية على تنفيذ عقود التجارة الدولية ؟

هل يمكن اعتبار الأزمة المالية والاقتصادية قوة قاهرة أو حاث فجائي؟

التصميم

المبحث الاول : الأزمة العالمية و تداعياتها على التجارة الدولية

المطلب الأول : اسباب انهيار التجارة الدولية

المطلب الثاني : الازمة العالمية و اثارها على التجارة الدولية

المبحث الثاني : تكييف الأزمة الاقتصادية على ضوء الشرطين النموذجيين لغرفة التجارة بباريس

المطلب الأول : شرطي القوة القاهرة و الحادث الفجائي  

المطلب الثاني : تكييف الازمة الاقتصادية باعتبارها حادثا فجائيا

 

 

المبحث الاول : الأزمة العالمية و تداعياتها على التجارة الدولية

الأزمة العالمية يمكن تعريفها على أنها تلك التذبذبات التي تؤثر كليا أو جزئيا على مجمل المتغيرات المالية  والاقتصادية ، حجم الإصدار، أسعـار الأسهـم و السندات، و كذلـك اعتمادات الودائع المصرفية، و معدل الصـرف.
هـذا الاختلاف في تقديـر الظـواهر الخاصة بالارتفاع و الانخفاض يستلزم فترة طويلة لتفسيرها
و عادة ما تحدث الأزمات المالية بصورة مفاجئة نتيجة لأزمة ثقة في النظام المالي مسببها الرئيسي تدفق رؤوس أموال ضخمة للداخل يرافقها توسع مفرط و سريع في الإقراض دون التأكد من الملاءة الائتمانية للمقترضين، وعندها يحدث انخفاض في قيمة العملة، مؤديا إلى حدوث موجات من التدفقات الرأسمالية إلى الخارج.
و قد عرف الاقتصاد الدولي عدة أزمات مالية إبان فترة الكساد العظيم خلال الفترة 1929 – 1933 
حيث ارتبطت أسباب هذه الأزمة بالظروف العالمية السائدة حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، و بالفكر الكلاسيكي السائد آنذاك.
كما تعرضت بورصة نيويورك سنة 1987 إلى الانهيار و حققت خسارة قدرها 500 مليار دولار، ثم المكسيك سنة 1994 و الكثير من البورصات الأخرى و التي سنتطرق إلى أهم أزماتها

المطلب الأول : اسباب انهيار التجارة الدولية

قد تحدث الأزمات لأسباب عديدة يمكن التنبؤ ببعضها، و البعض الآخر يصعب قياسه بدقة، و تفيد الخبرات المتراكمة في تقدير الاتجاهات البورصية ( مثال: مؤشر داو جونز، كما حدث لأزمة نيويورك 1929 ، و قد ترجع أسباب الأزمات إلى :
-
التغيرات الدولية، من الكوارث و الحروب و الأزمات الاقتصادية و الحروب التجارية.
-
المتغيرات المحلية في معدل التضخم (أسواق السندات )، و أسعار الصرف ( أسواق العملات الحرة)، و أسعار الأسهم، و تغير أسعار الفائدة.
-
التغيرات التكنولوجية مثل المنتجات الجديدة و الاختراعات، و تحول الطلب على المنتجات و الخدمات و هياكل محفظة الاستثمار.
-
الإشاعات و المعلومات الملوثة غير الحقيقية.
-
المضاربة غير المحسوبة.
و يترتب على الأزمات تدهور في الأسعار و الخسائر، و تدهور التداول في البورصة، و فقدان الثقة في بعض الأوراق المالية، لذا يفيد الإفصاح المالي في الكشف عن حقيقة التغيرات في البورصات و يمكن مواجهة الأزمات البورصية إما بالانتظار أو بالانسحاب، أو بتطبيق التخطيط الاستراتيجي الفعال كما هو موضح في الشكل، حيث يوضح الشكل أساليب التعامل مع الأزمات، و تشغيل آليات البورصة سواء من حيث الانفراد بالقرارات أو التشاور ، أو تحقيق درجة عالية من قبول العاملين و المتعاملين في البو رصة، أو عدم تحقيق ذلك.

تميز أداء الاقتصاد العالمي طيلة فترة الأزمة المالية، التي بدأت منذ العام 2008، بمجموعة من السمات البارزة، كانت أولها ما يعرف بالانكماش الحاد والسريع في التجارة العالمية، الذي لم يقل أثراً وقدراً عن الانتعاش الحاد والسريع، الذي بدأ منذ منتصف العام 2009، وبات ما يشغل اقتصاديو التجارة الدولية الآن هو تفسير هذه الظاهرة، فقد فاق حجم ضغط الأزمة المالية، أي شيء سجل خلال الأزمة المالية الآسيوية في العامين 1997و1998، أو حتى في فترة الكساد العظيم، الذي حدث (1929-1933)، عندما انهارت التجارة العالمية، مخلفةً انخفاضاً في الناتج المحلي الإجمالي يقل نسبياً عن نظيره في السنة الأولى من العام 2008، وفي فترة الثلاثينات استمر الانخفاض في الناتج المحلي الإجمالي في أمريكا الشمالية وأوروبا شهراً بعد شهر، حتى مطلع العام 1933، وتجاوزت تلك الانخفاضات مجتمعة نظيراتها في العام 2008، وإن كان أثرها في أزمة العام 2008 أكبر وأسرع
والجدير بالذكر أن أبعاد صدمة التجارة العالمية في العام 2008 تستحق الوقوف عندها، فقد أشارت معدلات النمو خلال الربع الأول من العام 2009، والمحسوبة على أساس شهري، إلى أن النمو في الاقتصاد العالمي يقترب من سالب 25 بالمئة، أما في آسيا، المعروفة دولها باقتصاداتها الكبيرة، مثل الصين واليابان، اللذان يعتبران من أكبر مصدري الصناعات، فقد تأثرت التجارة سلباً وعلى نحو كبير جراء تلك الأزمة، فكانت الصين قد شهدت معدلات نمو تصل إلى 30 بالمئة سنوياً في مرحلة ما قبل الأزمة لتتراجع إلى سالب 20 بالمئة سنوياً بعد الأزمة، أي أن الانخفاض تقريباً يعادل 50 بالمئة من إجمالي التجارة في الصين
وشغلت الأهمية المتزايدة والنسبية لنمو حجم التبادل التجاري الاقتصاديين في العالم قبل وقوع الأزمة، حيث قدمت تفسيرات مختلفة بهذا الصدد، فمنها ما زعم بأن الجزء الأسرع نمواً في التجارة العالمية كان من نصيب الدول الأكثر ثراءً، والمنتجة للسلع الصناعية، وإن كانت تلك السلع متماثلة، وكان يعتقد أن هذا النوع من التجارة الصناعية، ما هو إلا تجارة في مجموعة متنوعة من المنتجات «مثل صناعة الأحذية الإيطالية والعطور الفرنسية»، وكان يعتقد أن الاستهلاك من المنتجات المتنوعة يزداد لصالح السلع الكمالية، حيث ارتفع الدخل العالمي مع النمو والتكامل، بحيث نمت التجارة بمعدلات تفوق نمو الناتج المحلي الإجمالي
وهناك رأي آخر يفسر حالة نمو التجارة العالمية المطرد، ويرجح انخفاض تكاليف النقل على مستوى العالم، التي أسفر عنها نمو حجم التبادل التجاري في العالم. والمصحوب بتغير النمط الاستهلاكي مع مرور الوقت، الذي انعكس على تغير تكوين المنتجات نحو زيادة جودتها، وتقليل وزنها وحجمها «أي مثل رقائق الكمبيوتر التجارية التي زاد الطلب عليها على حساب الفحم على سبيل المثال». 
وأخيراً، طرحت آراء أخرى أثارت الجدل حول تفسير حالة نمو التجارة العالمية المطرد، وعزتها إلى تحرير التجارة على الصعيد العالمي في إطار اتفاق «الغات» لمنظمة التجارة العالمية، وتحرير التجارة الأحادية، اللتين من وجهة نظرهم ما هما إلا الأثر المباشر، الذي ساهم في تخفيض الحواجز التجارية، مقارنة بما كانت عليه في الأربعينات، ومن ثم دفعت عجلة نمو التجارة بما يزيد عن نمو الدخل
وفي حين أن هذه العوامل تبدو إلى حد ما معقولة، لأن تكون بمجملها هي المسؤولة عن زيادة معدلات النمو نسبياً، وتحركها نحو الاتجاه الصعودي لنمو الاقتصاد العالمي، الذي توسع في السنوات الثلاث الأخيرة قبل الأزمة، محققاً نمواً وصل إلى ما نسبته 5 بالمئة تقريباً، إلا أن هذه التفسيرات قد لا تبدو معقولة بالنظر إلى الأثر السلبي على النمو، والذي بات جلياً مع بداية الأزمة في العام 2008، لاسيما عند الحديث عن الانخفاض السريع، الذي صاحب تلك الأزمة، وأياً كانت الآثار، ومهما تراجع الطلب أمام ضغوطات الدخل، التي ارتفعت في العام 2009، لتصل على الأرجح إلى 4 بالمئة على الصعيد العالمي، فلا يبدو أن هذه الأسباب هي المسؤولة عن انخفاض معدل النمو بنسبة 25 بالمئة في التجارة، خصوصاً وأن الحواجز التجارية لا يطرأ عليها تغير يذكر في السنة، والأمر كذلك بالنسبة لتكاليف النقل.

المطلب الثاني : الازمة العالمية و اثارها على التجارة الدولية

يعيش الجميع هذه الأيام في دوامة الأزمة المالية العالمية والآثار الاقتصادية التي سببتها في أغلب الدول، وما صاحبها من آثار ونتائج كبيرة عليها والتي ضربت بشكل مباشر وشديد على المصارف والمؤسسات المالية وسببت انهيار الكثير منها وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية . ونتيجة لذلك، هنالك أسئلة كثيرة تحيط بمستقبل العالم وما هي آثارها المستقبلية في كافة الانشطة الاقتصادية ومنها قطاع التجارة باعتبار أن النظام المالي هو الذي يغذي حركة التجارة الدولية بالأموال ويشكل الشرايين التي يتدفق منها التمويل لأنشطتها؟ وهل سيكون هناك ركود وكساد تجاري عالمي تتوقف معه الإمدادات وتنخفض معه الحركة؟ وهل سيكون مماثلا للكساد الكبير الذي ضرب العالم في العشرينات من القرن الماضي، وجاءت بعده مؤسسات بريتون وودز واتفاقات التجارة الدولية المعروفة بالجات وظهور نظام التجارة العالمي والتي لا نزال نعيش في ظلها حتى اليوم؟

أسئلة كثير مطروحة اليوم تبحث عن أجوبه، وكثير من الناس متخوفون من آثار هذه الأزمة ويتوقعون بأنها ستفاقم من الأوضاع التي يعيشها العالم اليوم من ارتفاع التضخم والأسعار، وبالتالي سيكون لها آثار وهزات ارتدادية كتلك التي يحدثها الزلزال والحقيقة أنه لا توجد إجابات واضحة لدى أحد حتى الآن، فهناك سيناريوهات وتوقعات مختلفة ولكن لا أحد لديه على وجه اليقين صورة واضحة عما إذا كانت آثار الازمة ستمتد لسنوات عدة، أو هل ستكون لها آثار إيجابية في بعض القطاعات وسلبية في أخرى؟ وقد يكون هناك فروق جوهرية في اتساع نطاق الأزمة، فقد تقتصر آثارها في أسواق المال والمصارف في الأجل القصير، ولكن قد تمتد أيضا إلى قطاعات أخرى على الأمد الطويل ليشمل كافة قطاعات الاقتصاد العالمي من تجارة، وحركة رؤوس أموال، والنقل والطيران، والتأمين والسياحة، والبترول والذهب، إلى جانب آثارها في مستقبل النظام الاقتصادي العالمي ومسيرة العولمة .
واختلفت التوقعات والآراء حول آثار الأزمة في التجارة الدولية، فالبعض يرى أنه ستكون لها آثار إيجابية والبعض الآخر يرى أنها ستخلف آثاراً سلبية في الاقتصاد العالمي بشكل عام وفي التجارة الدولية بشكل خاص .
وفيما يتعلق بالتجارة العالمية وحركة السلع على المستوى العالمي، فمن المتوقع أن يشهد العالم فترة من الكساد التجاري بحيث يضعف التصنيع والنشاط التجاري ويقل الطلب العالمي على السلع . فعادة ما تتبع السلع دورة الأعمال حيث يقل استهلاك السلع عندما يضعف التصنيع والنشاط التجاري، إلا أن الأسعار ستبقى مرتفعة على عكس ما يتوقع الآخرون أن انخفاض الطلب سيؤدي إلى انخفاض الأسعار، وذلك بسبب أن الاسعار مرتبطة بالطلبات المستقبلية حتى يبدأ الاستهلاك الفعلي في الانخفاض على المدى الطويل، والدليل على ذلك ما حدث في السابق في فترة السبعينات، حيث ظلت أسعار السلع مرتفعة على الرغم من التوجه نحو الكساد في الاقتصاد العالمي، واستمرت معدلات التضخم مرتفعة إلى جانب النمو الاقتصادي المنخفض، ولذلك شهد النصف الثاني من السبعينات أوقات صعبة في السوق وعلى الرغم من ذلك استمر الازدهار في سوق السلع حتى الارتفاع الكبير في الأسعار أوائل العام 1980 .
إن الأزمة سوف تؤدي إلى حالة من التباطؤ في نمو الاسواق العالمية وسيترتب على ذلك تراجع حجم الأسواق في الدول المتقدمة وستواجه كسادا تجاريا وانخفاضا في الطلب على السلع والخدمات، الأمر الذي سيؤثر سلباً في حجم صادراتها، وانخفاض العائد الذي سيحصل عليه المصدرون، وبالتالي فسيؤدي ذلك في أحيان كثيرة إلى حدوث خسائر للمصدرين . وهذا الكساد من جانب آخر سيؤدي ايضاً إلى انخفاض حجم الصادرات الموجهة من الدول المتقدمة أو الصناعية وهي المتأثر الأكبر بالأزمة المالية إلى أسواق الدول النامية .
كما يتوقع أن تؤدي الأزمة الى اتخاذ الدول المتقدمة اجراءات قد تحد من حرية التجارة الدولية وخفض تدفق الاستثمارات مما يعزز حالة الركود، ومنها مثلاً وضع قيود متشددة على فتح الاعتمادات أو تقديم خطابات الضمان للتصدير والاستيراد بالإضافة إلى اشتداد حدة المنافسة نتيجة قيام بعض الدول بدعم ومساندة قطاعاتها الإنتاجية على أثر الأزمة الحالية واللجوء إلى اتخاذ إجراءات حمائية لتقليل آثار الأزمة ومعالجتها .
وأعتقد أن ما سيكرس آثار الأزمة المالية على التجارة الدولية انهيار مفاوضات منظمة التجارة العالمية مؤخراً والمعروفة باسم “برنامج الدوحة للتنمية” مما سيفاقم حجمها وآثارها . وكانت هذه المفاوضات تهدف إلى تأسيس تجارة نزيهة ومتساوية ونظام مالي غير تمييزي، ولكن انهيار المفاوضات كانت ضربة كبيرة للنظام التجاري العالمي والذي كان يسعى إلى توسيع فرصه وقد تزامن هذا مع الأزمة الحالية .

المبحث الثاني : تكييف الأزمة الاقتصادية على ضوء الشرطين النموذجيين لغرفة التجارة بباريس

سنحاول من خلال هذا المبحث التطرق لشرط القوة القاهرة في و الحادث الفجائي في ( المطلب الأول)  ثم بعد ذلك التطرق الى تكييف الأزمة الاقتصادية على ضوء الشرطين النموذجيين ( المطلب الثاني )

المطلب الأول : شرطي القوة القاهرة و الحادث الفجائي  

بالرجوع إلى الشروط النموذجية لغرفة التجارة الدولية لسنة 2003 والتي تتحدث عن القوة القاهرة والظروف الطارئة. فقد قامت الغرفة بوضع لائحة والتي تعتبر مجموعة من الوقائع  بأنها قوة قاهرة، ومن هذه الوقائع  نجد : الحرب، النزاع المسلح، تهديد جدي بنزاع مسلح..، ولكن غرفة التجـارة الدولية قد قامت بوضع شروط خاصة بها من أجل الإعمال بالقـوة القاهرة، وهي أن يكون هناك سبب أجنبي و  استحالة الدفـع مع عدم التوقـع

فشـرط أن يكون هناك سبب أجنبي من أجل القول بوجود قوة قاهرة يعني أن الشخص لا يمكنه أن يستفيد من خطـإ صادر عنه، وعليه فمتى كان تحريك الواقعة أو الوقائع المكونـة للقوة القاهرة قد جاء نتيجة فعل أو أفعال أو على الأقل مشاركة أو بمساهمة من المدين الذي يتمسك بها لدرء مسؤوليته المدنية، فإن هذا الأخير لا يمكنه أن يعتد على  بشرط القوة القـاهرة حسب غرفة التجارة الدولية، وهذا أيضـا ما قررته العديد من التشريعات منها التشريع المغربي من خلال الفصل 268 من ظهير الالتزامات والعقود.

والتشريع اليمني في مادته 211، والتشريع العراقي في مادته 146 والتشريع المصري في مادته 147 تتبنى نظرية الظروف الطارئة بنص قانوني خاص، بحيث تأخذ بمبدأ تعديل العقد من طرف القاضي ورد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول والموازنة بين مصلحة الطرفين طبقا لمبدأ العدالة إذا أصبح التزام احد الطرفين أكثر إرهاقا.

وبخصوص استحالة الدفع، فهي تعني أن الواقعة المكونة للقوة القاهرة تتجاوز من حيث قوتها سواء في أصلها وسواء في آثارها الطاقة العادية للشخص العادي.

أما الشرط الثالث الذي تبنته غرفة التجارة الدولية من أجل إعمـال القوة القاهرة، فإنه يخص عدم التوقع فهي غير متوقعة الحدوث من طرف الشخص الذي يتمسك بها بحيث أنه إذا أمكن لهذا الأخيـر توقع حدوث وقائع بكيفية أو بأخرى، فإن تلك الوقائع لا تمثل في حد ذاتها قوة قاهـرة من وجهة غرفة التجـارة الدولية.

فاتفاق الأطراف هو الذي يحدد وقت تطبيق ظروف القوة القاهـرة.

ومن أهم مضامين الشرط النموذجي للقوة القاهرة التجارية الدولية 2003 هي إعفاء الطرف الذي يثير هذا الشرط بنجاح من واجب تنفيذ التزاماته العقدية انطلاقا من اللحظة التي يمنع فيها الحادث المشكل للقوة القاهرة هذا التنفيذ شريطة إبلاغ الطرف الأخر بذلك فوراً وفي حالة عدم الإبلاغ فمنذ لحظة إعلامه بالحادث

وإذا كان شرط القوة القاهرة حسب غرفة التجارة الدولية يعفي من المسؤولية بشروط فإن الطرف الذي يثير هذا الشرط يلزم بأن يتخذ كل التدابير المعقولة واللازمة للحد من أثار الحادث أو المانع المثار على تنفيذ التزاماته العقدية.

وإذا كان أحد الأطراف قد استفاد من تنفيذ العقد قبل انتهائه فإنه يلتزم بتعويض الطرف الآخر بدفع مقابل يساوي هذه الاستفادة.

 

إن الحادث الفجائي لا يؤول إلى نفس النتيجـة التي يؤول اليها شرط القوة القاهـرة باعفاء المدين من المسؤولية في حالة حدوث حادث غير متوقع وغير ممكن الدفع وكونه أجنبي،  من خلال إعفاء المدين من تحمل المسـؤولية إذ يؤدي الحادث الفجائـي إلى إعادة التفاوض بين أطراف العقـد.

فغرفة التجـارة الدولية تؤكد على أن الطرف الذي يدفع بحادث فجائي، يجب أن يتحلى بحسن النية.

فعندما يثبت أحد الأطـراف أن تنفيذ التزاماته العقدية أصبح مرهقا الى حد كبير بسبب حادث خارج عن سيطرته ولم يكن توقعـه بشكل معقول لحظة إبرام العقد وبأن هذا الطرف لا يستطيـع تفادي أو تجاوز هذا الحادث وآثاره، فإن الأطراف يلتزمـون خلال أجل معقول بعد إثـارة هذا الشـرط بإعادة التفاوض حول شروط عقدية جديدة، وقد أكدت غرفة التجارة الدولية على أنه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار آثار الحادث المثـار مع حق الطرف الذي أثار الشرط النموذجي أن يعتبر العقد مفسوخـا في حالة مخالفة المقتضيات المتفق عليها.

المطلب الثاني : تكييف الازمة الاقتصادية باعتبارها حادثا فجائيا

من خلال الشرطين  النموذجيين لغرفة التجارة الدولية ، فقد تم التوسع في الحالات التي تعتبر قوة قاهرة وبالتالي تعفي الطرف الذي يثير هذا الشرط من تنفيذ التزاماته وذلك انطلاقا من اللحظة التي يمنع هذا الحادث المشكل للقوة القاهرة التنفيذ شريطة إعلام الطرف الآخر فورا، وحيث أن الأزمة الاقتصادية تأتي في ظل مجموعة من التغييرات الاقتصادية والسياسية والمالية المفاجئة والتي لم تكن في الحسبان نتيجة عدم التوقع الناتج عن الاضطرابات المفاجئة وبالتالي نتيجة الخلل الكبير الذي تحدثه الأزمة الاقتصادية في تنفيذ عقود التجارة الدولية والتي تفقدها مقوماتها القانونية الملزمة للأطراف.

غير أن الأزمة الاقتصادية لا يمكن اعتبارها قوة قاهرة طبقا للشرط النموذجي لـغرفة التجارة الدولية بباريس وذلك لأنه اذا لم يتم التنصيص عليه في العقد باعتبارها قوة قاهرة باتفاق الاطراف فانها تعد حادثا فجائيا شرط إدراج إعادة التفاوض في عقود التجارة الدولية وبالتالي تعديل بنود العقد من خلال إعادة التفاوض فيه عندما تقع أحداث معينة كالأزمة الاقتصادية مثلا تؤدي على اختلال توازن العلاقات العقدية على نحو يؤدي إلى إلحاق الضرر بأحد المتعاقدين. و بالتالي الدخول في شوط اعادة التفاوض التعاقدي لاجل الخروج الى حل كفيل بتجاوز الصعوبات اما بتمديد وقت التنفيذ او تغيير الالتزامات المالية

 

 

خاتمة

إن الأزمة الاقتصادية التي قد تواجه تنفيذ  العقود التجارية، أصبح من الضروري تحديدها في العثد وأثناء التعاقد و التنصيص عليها في بنود العقد  لاجل إعادة التفاوض على نحو دقيق وذلك لتلافي الإشكالات والصعوبات التي يثيرها تحديد ما إذا كان الحدث المتفق مشمولا بنطاق شرط إعادة التفاوض أم أنه يخرج عن نطاق الشرط المذكور و ادخاله في خانة القوة القاهرة و بالتالي التحلل من الالتزامات