مقدمة

تعتبر مهنة المفوضون القضائيون، إحدى المهن الحرة المساعدة للقضاء، بموجب القانون رقم 81-03، فالقضاء كما هو معلوم، لا يستطيع بمفرده القيام بأعباء القضاء والقيام بكل الإجراءات اللازمة، للتحقيق في الدعوى واستدعاء المتنازعين حول الحق المدعى به، وضمان السير السليم للعدالة، وتوزيعها يشكل يحقق فائدة للمتقاضين، بل لابد من الاستعانة بخدمات كل المهن المساعدة للقضاء من محامون، وخبراء، وتراجمة…

فالمفوضون القضائيون، يعدون من بين الأشخاص الذين لا غنى للجهاز القضائي عن خدماتهم، فبواسطة هؤلاء يمكن التخفيف من الأعباء التي يتحملها جهاز كتابة الضبط سواء على مستوى التبليغات والتنفيذات القضائية، وكذا المعاينات والإنذارات…خصوصا وأن لهذا الجهاز مهام واختصاصات أخرى لا تقل أهمية.

لأجل ذلك، عمل المشرع المغربي على غرار باقي التنظيمات القانونية المقارنة خاصة القانون الفرنسي، الذي يعتبر مصدر هذا النظام على تنظيم مهنة المفوضون القضائيون، بشكل محكم بدءا بالشروط المتطلبة قانونا في كل من يرغب في مزاولة هذه المهنة، مرورا بالاختصاصات المخولة لهم ومجموع الإجراءات التي يقومون بها وصولا إلى تقرير مسؤوليتهم عن الأخطاء التي يرتكبونها بمناسبة ممارسة هذه المهنة.

ويرجع أول تنظيم لمهنة المفوضون القضائيون لسنة 1983 بمقتضى القانون رقم 41-80 والذي عدل بموجب القانون رقم 81-03 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف المؤرخ في 14 فبراير 2006.

فما هي إذن الطبيعة القانونية لمهنة المفوض القضائي؟  و هل حقق  قانون 81.03 الحماية القانونية لمؤسسة المفوض القضائي؟

ولمعالجة هذه الإشكالات سوف يتم تقسيم الموضوع إلى مبحثين:

المبحث الأول: الإطار القانوني لمهنة المفوضين القضائيين

المبحث الثاني: مهام المفوضين القضائيين وحالات التنافي

 

 

 

المبحث الأول:

الإطار القانوني لمهنة المفوضين القضائيين

حدد القانون المنظم لمهنة المفوض القضائي، مجموعة من الشروط المتطلبة قانونا، في كل شخص يرغب في مزاولة هذه المهنة، كما حدد الحقوق التي يتمتع بها المفوض القضائي، والالتزامات المترتبة في ذمته.

المطلب الأول: شروط تعيين المفوضين القضائيين

باستقراء المادة الرابعة من قانون 81-03[1]، المنظم لمهنة المفوض القضائي، نجد المشرع اشترط مجموعة من الشروط لمزاولة هذه المهنة:

·          أن يكون من جنسية مغربية،

·          أن يبلغ من العمر 25 سنة كاملة، وألا يتجاوز 45 سنة، ما لم يكن معفى طبقا للمادة الخامسة بعده[2]،

·          أن يكون حاصلا على شهادة الإجازة في الحقوق أو ما يعادلها أو على شهادة الإجازة في الشريعة الإسلامية[3]،

·          أن يكون في وضعية سليمة بالنسبة لقانون الخدمة العسكرية،

·          أن يكون متمتعا بحقوقه المدنية،

·          أن يكون متمتعا بالقدرة الفعلية، على ممارسة المهنة بكامل أعبائها،

·          أن لا يكون محكوما عليه، من أجل جناية أو جنحة، بعقوبة حبس نافذ أو موقوف التنفيذ، باستثناء الجرائم غير العمدية، وأن لا يكون محكوما عليه بجريمة من جرائم الأموال ولو بمجرد غرامة،

·          أن لا يكون قد تعرض لأي عقوبة تأديبية، أو صدر في حقه حكم نهائي بعدم الأهلية، لمزاولة مهنة بسبب اقترافه لفعل مخل بالشرف أو الأمانة،

·          أن يكون قد نجح في المباراة، لولوج مهنة المفوضين القضائيين، وأدى فترة التكوين ونجح في اختبار نهايته.

هذا وتجدر الإشارة، إلى أنه بمقتضى المادة 5 من القانون رقم 81-03 المنظم للمهنة، تم إعفاء المنتدبون القضائيون الذين قضوا 10 سنوات على الأقل، من العمل المتواصل بالمحاكم، وكذا المحررون القضائيون، وكتاب الضبط الذين أثبتوا أنهم قضوا على الأقل 15 سنة من العمل المتواصل بالمحاكم والحاصلون على الشهادة المشار إليها، في الفقرة الثالثة من المادة الرابعة أعلاه[4].

هذه إذن مجمل الشروط الواجب توفرها في المرشح، قصد إجراء المباراة، لتأتي بعدها فترة التكوين واختبار نهايته ( المادة 6)، إذ يشمل التكوين على تأهيل نظري وتطبيقي وميداني حسب ما جاء في المادة السابعة من نفس القانون، غير أنه بمقتضى المادة الثامنة من القانون 81-03 المنظم للمهنة، يمكن لوزير العدل وباقتراح من هيئة التكوين، أن يشطب على المتدرب الذي يكون قد أخل بالتزاماته[5].

ويرخص وزير العدل حسب المادة التاسعة من القانون 81-03، للمترشحين الذين نجحوا في اختبار نهاية التكوين، بمزاولة مهنة مفوض قضائي، بقرار يحدد فيه مقار مكاتبهم ودائرة الاختصاص، بعد استشارة لجنة تضم من بين أعضائها، ممثلين اثنين للمفوضين القضائيين، تنتدبهم الهيئة الوطنية للمفوضين القضائيين، مع الإشارة إلى أن المادة العاشرة من القانون رقم 81-03، لم تكن تنص على ضرورة استشارة هذه اللجنة، ولا يمارس المفوض القضائي مهامه، إلا بعد تأدية اليمين القانونية، أمام المحكمة الابتدائية التي يقع مكتبه بدائرتها ( المادة 10).

وتجدر الإشارة إلى أن المفوض القضائي، يمارس مهامه بمفرده أو بمساعدة كاتب محلف أو أكثر، للنيابة عنه في الإجراءات المتعلقة بالتبليغ ( المادة 41)، بعد أداء اليمين القانونية، شريطة أن يتوفر على الشروط المتطلبة قانونا:

·           أن يكون من جنسية مغربية،

·           أن يبلغ من العمر 21 سنة وأن لا يتجاوز 40 سنة[6]،

·           أن يثبت قدرته الصحية على مزاولة المهنة،

·           أن يكون حاصلا على شهادة البكالوريا أو ما يعادلها[7]،

·           أن يكون متمتعا بحقوقه المدنية،

·           أن لا يكون محكوما عليه، من أجل جناية أو جنحة أو بعقوبة حبس نافذة أو موقوف التنفيذ، باستثناء الجرائم غير العمدية، وأن لا يكون محكوما عليه بجريمة من جرائم الأموال، ولو بمجرد غرامة ما لم يرد اعتباره.

 المطلب الثاني: حقوق والتزامات المفوض القضائي

 لقد حاول القانون رقم 81-03، تحديد ما يتمتع به المفوض القضائي من امتيازات وحقوق، بمناسبة مزاولته لمهامه، في مقابل التزامات وواجبات.

*             الحقوق:

حدد القانون المنظم لمهنة المفوض القضائي، مجموعة من الحقوق، المخولة لهذا الأخير أثناء مزاولة مهامه، لعل أبرزها حمايته من كل إيذاء أو عنف أو إهانة، حسب المقتضيات المنصوص عليها في القانون الجنائي، بموجب الفصلين 263 و [8]267، ويمكنه عند الاقتضاء استخدام القوة العمومية، خلال ممارسته لمهامه، وذلك بعد الحصول على إذن من وكيل الملك، طبقا لمقتضيات القانون[9].

كما نظمت المادة 28 من القانون رقم 81-03، حق المفوض القضائي في الحصول على تعويض، تؤديه له الإدارة، وفق ما هو مقرر في النصوص التنظيمية، فيما يخص مهامه في الميدان الجنائي، بينما يحصل على أجر عن المهام التي يقوم بها في الميدان المدني، الإداري والتجاري، حسب تعرفة تحدد بنص تنظيمي، تتضمن من بين مقتضياتها مبلغا ثابتا، ويمنع على المفوض القضائي مهما كانت الأسباب طلب أو تسلم مبالغ مالية، تفوق الواجبات المستحقة والمحددة.

ناهيك عن إمكانية استخلاصه لمستحقاته، عند تصفية الصوائر القضائية، في إطار القضايا المستفيدة من المساعدة القضائية[10]، بخلاف القانون رقم 41-80، الذي كان يحرم العون من استخلاص مستحقاته في القضايا المستفيدة من المساعدة القضائية.

*             الالتزامات:

في مقابل الحقوق التي منحها القانون رقم 81-03، للمفوض القضائي، رتب عليه مجموعة من الالتزامات، في حالة إخلاله بالواجبات المفروضة عليه، بموجب هذا القانون.

فالمفوض القضائي ملزم بمباشرة مهامه كلما طلب منه ذلك، ما لم يكن لديه عذر مقبول، و إلا فإنه سيجبر على ذلك، بمقتضى أمر كتابي صادر عن رئيس المحكمة التي يوجد مكتبه بها، ويمنع عليه كذلك الإحجام عن تقديم المساعدة الواجبة للقضاء والمتقاضين بدون مبرر مقبول، وعدم التواطؤ بين المفوضين القضائيين لنفس الغاية[11].

إضافة إلى هذا، يمنع على كل مفوض قضائي، سواء بصفة شخصية أو بواسطة الغير، بموجب الفقرة الأولى من المادة 31 ما يلي:

ü       أن تكون له مصلحة في قضية يباشر فيها مهامه،

ü       أن يرصد لحسابه أموالا يكون قد أؤتمن عليها،

ü       أن يشارك في المزادات المتعلقة بالأشياء المكلف بيعها أو يقبل مشاركة أو عرض زوجه أو أصوله أو فروعه.

ü       أن يقتني حقوقا منازعا فيها، باشر إحدى إجراءاتها، وذلك لنفسه أو لحساب زوجه أو أصوله أو فروعه أو أقاربه إلى الدرجة الرابعة.

كما تفرض عليه الفقرة الثانية من نفس المادة المشار أليها آنفا، أن يودع بصندوق المحكمة، البالغ التالية داخل أجل ثمانية أيام[12] من تاريخ تسلمها:

Ø       الأموال الناضة المستخلصة من طرفه لدى مدين أو المسلمة منه طوعا، للتحرر من دينه،

Ø       المبالغ المستخلصة من الحجوز لدى الغير،

Ø       المبالغ الناتجة عن بيع المنقولات المادية.

وفي ختام هذه الالتزامات المفروضة قانونا على المفوض القضائي، نجد المادة 32 تنص على منعه من مباشرة أي إجراء لنفسه أو لحساب زوجه أو أصوله أو فروعه أو أقاربه إلى الدرجة الثالثة، تحت طائلة بطلان الإجراء وتعرضه للمتابعة والمساءلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المبحث الثاني:

مهام المفوضين القضائيين و حالات التنافي

تشكل مؤسسة المفوضين القضائيين مهنة حرة مساعدة للقضاء يتنافى تعاطيها مع أي وظيفة عمومية أو تجارية أو صناعية، فبالإضافة إلى أنهم يخضعون للشروط والإجراءات المنصوص عليها في المادة 1 وما يليها  من القانون رقم 81.03. نجد أنهم يمارسون عدة اختصاصات وذلك في حدود مانص عليه القانون.

المطلب الأول: مهام المفوضين القضائيين

لقد أسند المشرع المغربي للمفوضين القضائيين بمقتضى المادة 15 من قانون 81.03 مجموعة من  الاختصاصات والتي تتمثل في قيامهم بعمليات التبليغ اللازم للتحقيق في القضايا ووضع الإجراءات المتطلبة في تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات وكذا كل العقود والسندات التي لها قوة تنفيذية، مع الرجوع إلى القضاء عند وجود صعوبات، وذلك باستثناء إجراءات التنفيذ المتعلقة بإفراغ المحلات والبيوعات العقارية وبيع السفن والطائرات والأصول التجارية.

بالإضافة إلى ذلك، فان المفوض القضائي يقوم بتبليغ الإنذارات وذلك بطلب من المعني بالأمر مباشرة مالم ينص القانون على طريقة أخرى للتبليغ.

ويقصد بالتبليغ الشكلية التي يتم بواسطتها إعلام المبلغ إليه بالإجراءات القضائية التي تتخذ ضده وتتجلى أهميته فيما يترتب عليه من آجال الطعن وحضور الجلسات وغير ذلك من الآجال المسطرية، فالتبليغ إذن هو المفتاح الذي لا يمكن بدونه البث في المنازعات القضائية، لذلك تبقى الكثير من الملفات على رفوف المحاكم في انتظار استكمال إجراءات التبليغ.

كما أن التبليغ القضائي يعتبر من أهم العناصر المساهمة في تحقيق مبدأ حق الدفاع الذي لايمكن تصور احترامه دون إشعار وإخبار وإعلام أطراف النزاع بالقضايا المتعلقة بهم والمطروحة أمام العدالة للبث والحسم فيها قبل أن تصبح نهائية وحائزة لقوة الشيء المقضى به.

وبموجب القانون رقم 81.03 يتضح أن مساحة الاختصاص بالنسبة للمفوضين القضائيين قد اتسعت مقارنة بمؤسسة الأعوان القضائيين، فإلى جانب قيامهم بعمليات تبليغ الأوامر والأحكام والقرارات وكذا الاستدعاءات على اختلافها، نجد أن هذا الاختصاص يمتد إلى جوانب هامة تتصل بإجراءات التنفيذ الذي يعتبر الغاية القصوى في الدعوى القضائية، ولم يعد يستثنى من إجراءات التنفيذ التي يمارسها المفوض القضائي إلا ما ما تم استثناؤه طبقا لمقتضيات المادة 15 من هذا القانون.

وعليه يتضح أن المفوض القضائي أصبح بإمكانه القيام بإجراءات التنفيذ على اختلاف أنواعها وفقا للقواعد المقررة للتنفيذ في ق.م.م، وتحت إشراف السيد رئيس المحكمة وذلك حسب مانصت عليه المادة 16 من قانون رقم 81.03، معتمدا في ذلك على مختلف الأساليب المسطرية بما فيها اللجوء إلى استصدار الأوامر القضائية الصادرة عن رئيس المحكمة وذلك حسب ما نص عليه الفصل 148 من ق.م.م، من ذلك استصدار الأوامر القضائية بفتح المحلات المغلقة بعد تأكد المفوض القضائي من واقعة الإغلاق وتحرير محضر بذلك، مع العلم أن هذه المحلات قد تكون موضوعا للتنفيذ أو قد يكون ما بداخلها فقط هو موضوع التنفيذ، ويشترط اشفاع الطلب الرامي إلى فتح محل بالمحضر الذي يثبت واقعة الإغلاق مع ضرورة الإشارة إلى مراجع الملف التنفيذي بالمحكمة المعني رئيسها باستصدار الأمر، ومن ذلك أيضا استصدار الأوامر القاضية بتعيين الخبراء المختصين لتحديد الثمن الافتتاحي اللازم لانطلاق المزاد العلني، ويشترط تعزيز الطلب في هذه الحالة بمحضر الحجز التنفيذي مع الإشارة إلى مراجع الملف التنفيذي بالمحكمة المعني رئيسها باستصدار الأمر. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الطلبات وغيرها تكون معفية من الرسوم القضائية.

وكما يمكن للمفوض القضائي استصدار الأوامر الرئاسية، يمكنه كذلك الاستعانة بالقوة العمومية بعد الحصول على إذن بذلك من السيد وكيل الملك لدى المحكمة التي يعمل بدائرة نفوذها، ويدخل في هذا أيضا الحق في طلبات المؤازرة الرامية إلى فتح المحلات المغلقة.

من جهة أخرى ، وبموجب المادة 15 من هذا القانون أصبح المفوض القضائي يتمتع بصلاحيات جديدة تتجاوز الصلاحيات التي كانت مخولة للعون القضائي في ظل القانون القديم، حيث أصبح بإمكانه تنفيذ الأحكام و العقود والسندات ذات القوة التنفيذية ،كما أسندت له مهمة استيفاء المبالغ المحكوم بها و التي أصبحت أحكامها حائزة لقوة الشيء المقضي به، أو استيفاء المبالغ المستحقة بمقتضى سند تنفيذي.

وعند توافر الشروط القانونية لإجراءات الحجز التنفيذي على المنقولات المادية أصبح من اختصاص المفوض القضائي القيام بإجراءات البيع بالمزاد العلني عليها بعد تحديد تاريخ البيع وإشهاره بالطرق المعروفة ، وقد كانت هذه الإجراءات موكولة سلفا لجهاز كتابة الضبط دون غيره.

وبمقتضى المادة 15 من القانون الجديد منح المفوض القضائي، بناء على طلب من المعنيين بالأمر شخصيا ومن غير اللجوء إلى القضاء، صلاحية توجيه الإنذارات و القيام بالمعاينات المادية المجردة من كل رأي، بحيث تكتسي هذه المعاينات طابعا حسيا وصفيا خاليا من التحليل و التعليق و الاستنتاج، تلافيا للتدخل في اختصاصات الخبير.

و تجنبا لتداخل الاختصاص بين عمل المفوض القضائي و أجهزة تنفيذية أخرى، استثنى المشرع إفراغ المحلات و البيوعات العقارية وبيع السفن و الطائرات و الأصول التجارية من مهام المفوض القضائي، واعتبرها غير مشمولة بإجراءات التنفيذ التي يسهر عليها، ولعل مبررات هذا الاستثناء ترجع إلى طبيعة الإجراءات الخاصة التي يفرضها التنفيذ على هذه المستثنيات ذات الارتباط المعقد اجتماعيا و اقتصاديا، علاوة على ما تتطلبه طرق التنفيذ المتصل بها من دراية قد تتجاوز القانون الداخلي لتشمل قوانين واتفاقات دولية.

وعلى الرغم مما سجلته الجمعية الوطنية للمفوضين القضائيين من رغبة أكيدة لدى وزارة العدل في إعادة تنظيم مهنة المفوضين القضائيين من خلال السعي إلى إخراج قانون جديد وهو الظهير الشريف رقم: 23 .06. 1 الصادر في : 15 من محرم 1427 موافق 14 فبراير 2006 بتنفيذ القانون رقم: 03/81 والذي دخل حيز التنفيذ منذ 03/06/2006.

إلا أن هناك مجموعة من المعيقات التي تحول دون التطبيق السليم للقانون المذكور وتعيق تحقيق النتائج المرجوة من سنه. من بينها جانب الاختصاص.

فعلى الرغم من أن المادة 15 من القانون 03ـ81 قد أعطت الاختصاص للمفوضين القضائيين في تنفيذ الأوامر والأحكام والقرارات، وحددت في المادة المذكورة الاستثناءات التي لا تدخل ضمن اختصاص المفوض القضائي، إلا أنه يلاحظ ما يلي:

ـ استمرار بعض المسؤولين القضائيين في حصر اختصاص المفوضين القضائيين في التنفيذ المتعلق بالأداءات ومنعهم من مباشرة باقي الاختصاصات الأخرى.

ـ توسع بعض المسؤولين القضائيين في شرح الاستثناء المتعلق بإفراغ المحلات وجعل كل ما يرتبط بالعقار خارج اختصاص المفوض القضائي ومنه فتح الطريق وإرجاع الحالة والقسمة ورفع الضرر وإيقاف الأشغال… رغم عدم توفر سند قانوني لذلك.

ـ رغم أن المشرع لم يستثني التنفيذ ضد شركات التأمين إلا أن المنع لا يزال يطال هذا النوع من التنفيذ، وهذا مع الدعوة إلى إيجاد آلية لمباشرة هذا النوع من التنفيذ من طرف المفوضين القضائيين بمختلف محاكم المملكة.

ـ هذا بالإضافة إلى الإشكالات التي تطرحها الفقرة الثالثة من المادة 15 بخصوص تبليغ الإنذارات بطلب مباشر من الأطراف والمتعلقة أساسا بتحديد آليات تبليغ تلك الإنذارات. فإذا كان المفوضون القضائيون قد اجتهدوا في العمل بمحضر التسليم المثبت لعملية التبليغ بالإضافة إلى محضر تبليغ الإنذار، إلا أنه ونظرا لما تترتب من آثار على بعض المراكز القانونية، فتظل الحاجة قائمة لتأكيد تلك الآلية المعتمدة في التبليغ لرفع كل لبس خصوصا لدى السادة القضاة.

و على الرغم من أن الفقرة الرابعة من المادة 15 من القانون 03ـ81 قد أعطت الإمكانية للقضاء لانتداب المفوض القضائي للقيام بالمعاينات المادية المحضة بخصوص الملفات المعروضة عليه إلا أنه يلاحظ استمرار تغييب العمل بهذه الإمكانية من طرف السادة القضاة.

المطلب الثاني: حالات التنافي

 من المعلوم أن المشرع المغربي في تنظيمه لمهنة المفوض القضائي لم يتخل عن توجهه العام في إقرار مبدأ التنافي بين ممارسة المهن الحرة بالمغرب بصفة عامة وممارسة الوظائف العامة بحيث كرس هذا المبدأ في جميع تنظيمات المهن القانونية والقضائية الحرة.

ويلاحظ في هذا الشأن أن المشرع المغربي ساير إلى حد ما مقتضيات التشريع التونسي "على أنه تتنافى وظائف العدول مع جميع الوظائف العمومية المأجورة وفي هذا الصدد يمكننا طرح السؤال التالي ماهي المهام و الوظائف العمومية التي تتنافى مع مهنة المفوض القضائي؟ 

لقد فسرت كتابة الدولة في العدل عبارة الوظائف العمومية الواردة في المادة 36 من الأمر التونسي المؤرخ في 24 يوليوز. ومما تجدر الإشارة إليه أن ما جاء في المقتضيات القانونية المغربية بخصوص تنافي مهنة المفوض القضائي مع الوظيفة العمومية أنه لا يقصد به تلك الخاضعة لظهير 24 فبراير 1958 الخاص بالوظيفة العمومية وإنما تشمل أيضا القضاة الذين يخضعون للنظام الأساسي الخاص بهم و كذا العسكريون …إلخ.

كما انفرد المشرع المغربي بإضافة حالة تنافي المهام العمومية مع مهنة المفوض القضائي و يظهر ذلك جليا من خلال رغبته في توسعة دائرة حالات التنافي حتى لا تقتصر على الوظيفة العمومية ومما يؤكد وجهة نظرنا هاته ورود عبارة " مهمة عمومية " بالمقتضيات القانونية على سبيل الإطلاق بدون تقييدها بالمأجورة كما فعل المشرع التونسي.

ورغم ذلك فإنه يجوز للمفوض القضائي ممارسة المهام العمومية الغير مأجورة بحيث أنه لا يوجد التنافي وكذلك تطبيقا للطابع القانوني العام للمهن الحرة وذلك بناءا على الاعتبارات التالية:

1- الدستور المغربي أقر للمواطن المغربي عموما الحق في تأسيس الجمعيات و حرية الانخراط في المنظمات النقابية والسياسية حسب اختياره وكذا تحمله للمسؤولية في هذا الإطار وذلك بالترشح لشغل منصب رئيس البلدية أو العضوية في المجالس المنتخبة وقد صار في نفس النهج القانون و الفقه التونسي وكذا المشرع الفرنسي.

كما امتنع المشرع المغربي بصفة عامة لمزاولي المهن الحرة بممارسة التجارة حيث تبقى تنظيمات هذه المهن خير شاهد على ذلك.

كما صار المشرع وفيا لهذا الاتجاه حينما نص بالمقتضيات القانونية المغربية على تنافي مزاولة مهنة المفوض القضائي مع ممارسة الأعمال التجارية متأثرا بالنظام الفرنسي.

وقد ارتكزت الأنظمة التشريعية على عدة أسس في إقرار مبدأ التنافي لمزاولة مهنة المفوض القضائي مع ممارسة الأعمال التجارية والتي قوبلت بالتأييد من طرف الفقه و القضاء و يمكننا إجمالها في الشكل التالي:

- دعم المساس باستقلال وحرية المهن القضائية.

- حفظ الكرامة المهنية وهذا ما أكده الفقه الفرنسي.

- الاختلاف الجوهري بين طبيعة المهن الحرة و الأعمال التجارية و يمكن تلخيصه في عنصرين:

1- الاختلاف التقليدي المبرر نظريا بالحاجة إلى وضع المهن الحرة في معزل عن زمرة الأعمال التجارية.

2 – الاختلاف في الخدمات المعهودة لكل واحد منها، فإذا كان التجرد من أهم واجبات و التزامات المهنة الحرة على العموم ففي المقابل نجد الربح هو هدف كل ممارس للأعمال التجارية.

وطبقا للمفهوم المخالف للمقتضيات المغربية المنظمة لمهنة المفوضين القضائيين فإن ممارسة المهنة لا تتنافى مع ممارسة بعض الأعمال المدنية إلا أن الإشكال المطروح هو صعوبة التمييز بين الطابع المدني و التجاري لبعض الأنشطة "كالمضاربات العقارية هل تعتبر أعمالا تجارية أم مدنية ".

لم يكن المشرع المغربي  سابقا من خلال ظهير 12 غشت 1913 يعتبر المضاربات العقارية أعمالا تجارية بل كان يعتبرها أعمالا مدنية وتطبيقا لتلك المقتضيات القانونية التجارية اعتبر القضاء المغربي في تطبيقاته القضائية في حكمين له صادرين عن ابتدائية الدار البيضاء، أن بيع أو شراء الأراضي ولو بقصد المضاربة، أو بقصد إيجارها لا تعتبر أعمالا تجارية.

إلا أنه في أخر المطاف حسم المشرع المغربي هذا النقاش، وأضفى على المضاربات العقارية طابعا تجاريا هذا مانصت عليه المادة السادسة من مدونة التجارة على أن شراء العقارات بنية بيعها على حالها أو بعد تغييرها تكسب ممارسها بصفة اعتيادية أو احترافية صفة تاجر.

الخاتمة

و ختاما و من خلال استقراء نصوص و مواد القانون المنظم لمهنة المفوضين القضائيين نجد أن هنالك العديد من الصعوبات التي تعترض قانون 81.03 و تمنعه من تحقيق الغاية المرجوة منه و التي تتبدى في  جانب التنظيم والهيكلة حيث لم يسبق لوزارة العدل سواء في نظام الأعوان القضائيين سابقا أو نظام المفوضين القضائيين حاليا أن نظمت دورات تكوينية لفائدة المفوضين القضائيين وأيضا  اختلاف وتضارب سواء في شكلية المحاضر المنجزة من طرف المفوضين القضائيين أو في المساطر المتبعة لتصريف الإجراءات مع ما لذلك من أثر على تجهيز الملفات المعروضة على القضاء.

كما أن القرار الصادر عن السيد وزير العدل تحت رقم 06/ 1979 بتاريخ 29/01/2007 بتحديد شكل ومضمون السجل المنصوص عليه في المادة 25 من القانون 03ـ81 يكتنفه بعض الغموض من حيث أن القرار المذكور لم يحدد الغاية من هذا السجل هل هو سجل عام للواردات أم يؤدي الوظيفتين معا باعتباره كذلك بالإضافة إلى كونه سجل للتداول.

أما فيما يتعلق بجانب الاختصاص فان من بين أبرز المعيقات استمرار بعض المسؤولين القضائيين في حصر اختصاص المفوضين القضائيين في التنفيذ المتعلق بالأداءات ومنعهم من مباشرة باقي الاختصاصات الأخرى.

إضافة إلى  توسع بعض المسؤولين القضائيين في شرح الاستثناء المتعلق بإفراغ المحلات وجعل كل ما يرتبط بالعقار خارج اختصاص المفوض القضائي ومنه فتح الطريق وإرجاع الحالة والقسمة ورفع الضرر وإيقاف الأشغال… رغم عدم توفر سند قانوني لذلك.

أما بالنسبة للأجور فإن قرار وزير العدل رقم 06ـ1129 الصادر بتاريخ 15/06/2006 بتحديد تعريفات عقود المفوضين القضائيين على الإجراءات التي يقومون بها في الميادين المدنية والتجارية والإدارية لم يراعي قيمة وأهمية الإجراءات التي ينجزها المفوض القضائي لتحديد الأتعاب المناسبة لها.

 كما أن هذا القرار لم يراعي بعض الجوانب التي تهدر فيها حقوق المفوضين القضائيين.
وعلى سبيل المثال:

ـ عدم تحديد آليات استيفاء المفوض القضائي لأتعابه في حالة التنازل أو رفض الأداء أو استبدال المفوض القضائي.

ـ عدم تحديد تعويض عن ساعات العمل التي تستغرقها إنجاز بعض الإجراءات والتي تمتد في بعض الأحيان إلى أكثر من 6 ساعات عمل متواصلة.

ـ تحديد أتعاب زهيدة لبعض الإجراءات ومنها الحجز العقاري مع ما يتطلبه من تعدد الخدمات وكذا قيمة وأهمية هذا الإجراء.

ـ إن المادة 16 من القانون 03ـ81 أوجبت على المفوض القضائي إشعار طالب التنفيذ بالإجراء المتخذ داخل أجل عشرة أيام من تاريخ إنجازه دون أن تحدد أية آلية أو تعريفة لذلك
أما بالنسبة  لجانب الحماية فعلى الرغم مما نصت عليه المادة 27 من القانون 03ـ81 من تتميع المفوض القضائي بالحماية التي تنص عليها مقتضيات الفصلين 263و267 من القانون الجنائي إلا أنه لابد من تسجيل إغفال التنصيص في القانون رقم: 03ـ81 على صفة المفوض القضائي باعتباره ضابطا عموميا، وتظهر الحاجة لذلك بمناسبة مباشرة المفوض القضائي لمهام وإجراءات التنفيذ باعتبارها مهام سلطة عمومية.

كما أن المادة 19 من القانون 03ـ81 يكتنفها بعض الغموض على اعتبار أنها لم تحدد نوع الوثائق التي يمسكها المفوض القضائي والتي لها علاقة بحقوق الأطراف لمدة 5 سنوات والتي تحال بعدها إلى كتابة الضبط حسب مضمون المادة المذكورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

 

مقدمة………………………………………………………………………………………… 1

المبحث الأول:الإطار القانوني لمهنة المفوضين القضائيين 2

المطلب الأول: شروط تعيين المفوضين القضائيين…….. 2

المطلب الثاني: حقوق والتزامات المفوض القضائي…………………………………… 4

المبحث الثاني:مهام المفوضين القضائيين و حالات التنافي    7

المطلب الأول: مهام المفوضين القضائيين………….. 7

المطلب الثاني: حالات التنافي……………………………………………………… 10

الخاتمة……………………………………………………………………………………….. 12

الفهرس…………………………………….. 14

 

 

 


[1] – تم إصدار القانون 81-03 بتاريخ 14 فبراير 2006 الصادر بتنفيذ الظهير الشريف رقم 63-06-1، المنشور بالجريدة الرسمية، رقم 5400، الصادر بتاريخ 2 مارس 2006، ص 559.

[2] – بخلاف القانون الملغى رقم 41-80، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 440-80-1، بتاريخ 25 دجنبر 1980، الذي كان يشترط سن المرشح لمهنة العون القصائي في 21 سنة كاملة في فصله الرابع.

[3] – بخلاف الأمر بالنسبة للقانون رقم 41-80، الذي كان ينص في فصله الرابع: " أن يكونوا حاصلين على بكالوريا التعليم في الطور الثاني أو الكفاءة في الحقوق أو على شهادة معترف بمعادلتها لإحدى هاتين الشهادتين". 

[4] – بخلاف القانون الملغى، رقم 41-80 الذي كان ينص في مادته الخامسة -الفقرة الأولى- على إعفاء المنتدبون القضائيون وكتاب الضبط، الذين زاولوا عملهم لمدة عشر سنوات، من التدريب ومن الاختبار المهني. فيما أعفى في فقرته الثانية كتاب الضبط الذين بلغوا على الأقل السلم السادس، والذين قضوا عشر سنوات من العمل المتواصل، من الشهادات المذكورة ومن التدريب.

فيما جاءت المادة السادسة من نفس القانون، لتعفي من الاختبار المهني فقط، الحاملين على الأقل شهادتين من الإجازة مسلمتين من كلية حقوق مغربية أو كلية الشريعة أو شهادة معترف بمعادلتها لما ذكر.

[5] – بخلاف القانون رقم 41-80، الذي نص في المادة 8 على أنه: " يمكن للإدارة باقتراح من هيئة التدريب أن تشطب على المتدرب الذي يكون قد أخل بالتزاماته التدريبية".

[6] – بخلاف القانون رقم 41-80، الذي اشترط في الفصل 21، لسنة كاملة دون الإشارة إلى عدم تجاوزه 40 سنة.

[7] – كانت المادة 21 من القانون 41-80 تنص على ضرورة توفر مستوى السنة الخامسة من التعليم الثانوي.

[8] – المادة 27 من القانون رقم 81-03.

[9] – المادة 17 من القانون رقم 81-03.

[10] – المادة 28 من القانون رقم 81-03.

[11] – المادة 30 من القانون رقم 81-03.

[12] – بخلاف القانون رقم 41-80 الذي كان ينص في الفصل 15 على يومين.